إياكم والفاشية!

د. نادر فرجاني 

 

“ينطوي التصدي لدكتاتور دائما على مخاطر ضخمة. ولكن يترتب على عدم التصدي له مخاطر أفدح” (مارجريت ثاتشر، 1982)

“دع الاخرين يتكلمون علنا، فالسماء لن تسقط ولن تُطردون من الحكم. لكن إذا منعتم الآخرين من أن يتكلموا، فسيأتي بكل تأكيد يوم تُطردون فيه” (ماو تسي تونج، 1962)

الحاكم الفرد مطلق اليد الذي يمتلك كل الصلاحيات، منتهك الحقوق والخانق للحريات السياسية، وليس عليه من مُعقّب أومراقب أو حسيب هو النقيض المطلق لنسق الحكم الديمقراطي السليم.

إذ ينهض الحكم الديموقراطي السليم على قاعدة من الاحترام البات للحريات المفتاح (للرأي والتعبير والتنظيم في المجتمعين المدني والسياسي، بمجرد الإخطار للقضاء المستقل قطعا)؛ ويُبنى الحكم الديمقراطي السليم على الفصل بين سلطات الدولة (التشريعية والتنفيذية والقضائية) واستقلالها عن بعضها وخضوعها لشبكة دقيقة من علاقات المراقبة والمساءلة فيما بينها، وعلى الخضوع دوريا للمساءلة من عموم الشعب في انتخابات شريفة (خالصة من تأثير المال السياسي)، فوق كونها حرة ونزيه.

ومن المستقر في علوم السياسة والتاريخ أن السلطة تُفسد صاحبها، والسلطة المطلقة تفسد إفسادا مطلقا، خاصة إن طال الأمد بالسلطة المطلقة في يد فرد واحد. والتاريخ البشري، وتاريخ مصر تحديدا، مليء بالأمثلة على كوارث جرها على بلده، بل وعلى البشرية، حاكم فرد مطلق اليد لا يخضع لمراقبة أو مساءلة ولو أحاط نفسه ببطانة على شاكلته، وبسياج مخادع من مؤسسات شكلية، تفسد هي الأخرى، جميعا.

وليس أدل على ذلك من حال مصر في نهايات القرن العشرين والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين (2001-2010)، متمثلا في المزيج السام من القهر والإفقار الذي سامه الحكم التسلطي للشعب، والذي أنضج الظروف الموضوعية لاندلاع الموجة الأولى من الثورة الشعبية العظيمة. وليس بخاف على حصيف أن هذه الظروف الموضوعية قد تفاقمت منذ ذلك الحين باطراد.

ومنذ منتصف2013  والجنرال الحاكم الآن يمسك بمقاليد السلطات الثلاث مجتمعة، ولو من وراء ستر، ومسئولين زخرفيين على رأس السلطة التنفيذية، ولا أجد في نفي هؤلاء لتدخل وزير الدفاع السابق في قرارات الحكم الأساسية إلا كذبا صريحا، وـتأكيدا على الفضيحة التي يريدون سترها حفظا لماء وجوههم المراق. وتتعالى الآن صيحات متسلقين وصوليين من إجل إبقاء يد الرئيس مطلقة في العباد والبلاد لمدة أطول، حيث تعالت صيحات كنعيق البوم طالبة بتأجيل الانتخابات النيابية، يصدر بعضها، لشديد الأسف، من شخوص يحسبون أنفسهم على العلم وعلى الثورة الشعبية العظيمة، زورا وبهتانا.

مثل هذا التوجه يكرس السلطة المطلقة للرئيس وللمؤسسة العسكرية من ورائه، حتى صارت مصر البلد الوحيد في العالم الذي يُحكم فيه على جاسوس بخمس سنوات سجن، تنتهي بالتخفيف في الاستئناف، او إطلاق سراحه سياسيا، بينما يمكن الحكم على شابة رقيقة وقفت صامتة ورافعة لافتة احتجاج بالسجن المشدد لسنوات أطول.

ولكن يتعين أن يكون واضحا أن السلطة لم تتوان عن محاولة العبث بالمجلس النيابي حتى لا ينهض بمهامه التشريعية والرقابية بما يتسق ونيل غايات الثورة الشعبية العظيمة، ولو بمعارضة السلطة التنفيذية بقوة.

من كان ينتظر في 3 يولية 2013 وما بعدها مباشرة- حسب الوعود التي قطعها وزير الدفاع السابق، سلطة حكم مبدئية منضبطة تسعى للنهوض بمصر وضمان عزة شعبها من خلال الحكم الديمقراطي الصالح قبل كل شيء، فلينس، وليستعوض الله في الموحتين الكبيرتين الأولى والثانية من الثورة الشعبية، وليضع أمله في الشعب المصري الجبار وفي الموجة التالية من الثورة الشعبية التي نتمنى ألا تسلم قيادها إلى أعدائها، مرة أخرى!