“أم يوسف”.. سيّدة مصرية تروي معانتها في سوريا

في مدينة إدلب المزدحمة والمكتظة بالسكان من جميع المدن السورية، تسكن “أم يوسف” في إحدى أزقتها الضيقة وحيدة عاجزة في منزلها الشبه مهجور. أم يوسف أو “الحاجة صباح كمال متولي”، تبلغ من العمر 54 عاماً، مصرية الجنسية وأرملة لسوري توفي قبل 16 عاماً تاركاً لها أربعة من الأولاد.

تروي أم يوسف قصتها قائلة: “تزوجت وكان عمري 13 عاماً من صديق زوج عمتي – السوري – ، ولم أعش في مصر بعدها سوى أسبوع واحد، ثم سافرت إلى سوريا مع زوجي حيث استقريت هناك 37 عاماً حتى اليوم”. وتشرح معاناتها التي تعرضت لها منذ وفاة زوجها، فتقول: “منذ أن توفي زوجي، لم نذهب أنا وعائلتي إلى مصر على الإطلاق”، مشيرة إلى أن ذلك حرم أولادها من حصولهم على الجنسية المصرية. بحسب ما نقل الخليج أونلاين

تعيش أم يوسف في منزلها وحيدة خلال السنوات الأخيرة،

تشتت الأسرة

عقب اندلاع الثورة السورية ضد نظام بشار الأسد، بدأت حياة جديدة تتشكل لدى أم يوسف وعائلتها، فقد أصيب ابنها الكبير يوسف (33 عاماً) في ظهره إثر قصف لقوات النظام، نتج عنه إصابته بشلل مستديم. تضيف: “استشهدت ابنتي الكبرى (34 عاماً) ، أما الصغيرة (19 عاماً) فقد فقدتها أثناء تحرير مدينة إدلب في 2015، خلال الفترة التي كانت تُقصف فيها المدينة من قبل النظام”، وهي الان لا تعلم عنها شيئاً منذ ذلك الحين.

ولحسن حظ ابنتها الوسطى (25 عاماً)، فقد تمكنت من الانتقال والعيش في أحد مخيمات اللاجئين في تركيا، رفقة شقيقها يوسف، الذي لا يزال يتنقل من مشفى إلى آخر للعلاج. وتدخل الحرب في سوريا عامها التاسع مع حصيلة تخطت 360 ألف قتيل ودمار تقدر كلفته بـ400 مليار دولار، بينما لا يزال أكثر من ستة ملايين نازح داخل سوريا، غالبيتهم بلا مأوى، ونحو ستة ملايين لاجىء خارجها، لا تشجع الأمم المتحدة عودتهم راهناً.

محاولات خروج فاشلة

“لم استطع الخروج إلى تركيا كوني امرأة عاجزة”، تشرح أم يوسف محاولاتها لمغادرة الأراضي السورية والعودة إلى وطنها أو الذهاب إلى نجليها في تركيا، وتقول: “أصبت أثناء قصف قوات النظام السوري بشظية في قدمي بينما كنت أبحث عن أحد أبناء يوسف في الشارع المجاور، هذا بالإضافة إلى أني مريضة قلب وسكري، كما أني لا أملك المال الذي يعينني على السفر”.

ولفتت إلى أنها حاولت أكثر من مرة السفر والعبور إلى تركيا، لكن رغبتها اصطدمت بطلب المهربين من أجل مساعدتها بطرق غير شرعية للوصول إلى ابنائها مقابل أكثر من 5 آلاف دولار. لم تيأس أم يوسف من محاولة الخروج من سوريا، فعملت على التواصل مع سفارة بلادها عبر أحد جيرانها، لكنها لم تعلم أن ذلك الشخص استغلها بعدما طلب منها أوراقها الثبوتية، ليقوم بإخراج أشخاص آخرين بهويتها الخاصة، فيما لم تستطع عمل أي شيء.

وحيدة في منزلها

تعيش أم يوسف في منزلها وحيدة خلال السنوات الأخيرة، وتجد فرصة محدودة في الحصول على مساعدة من سكان الحي الذي تسكنه، كما أن من كانوا يقدمون مساعدات لها توقفوا مؤخراً. وباتت الهموم المعيشية والاقتصادية تثقل كاهل سكان سوريا اليوم. ويضطرون للانتظار في طوابير للحصول على أسطوانة غاز، ويتذمرون من البطالة وتقنين الكهرباء، بينما ترزح الشريحة الأكبر منهم تحت خط الفقر، وفق الأمم المتحدة. تعتمد المسنة أم يوسف على المساعدة الذاتية لنفسها، على الرغم من إصابتها في قصف سابق لقوات النظام السوري، وهو ما جعلها تتردد دائماً على مستشفيات لأخذ العلاج.

وتستند أم يوسف إلى كرسي تحركه بيديها، هو الوحيد الذي لا يزال يساعدها على المشي داخل منزلها أو في الشارع، بعد أن فقدت جميع من تحبهم بالموت والرحيل عن الوطن الذي تسكن فيه.

تحلم الخمسينية بأن تسافر إلى بلدها الأم (مصر) الذي ولدت فيه وعاشت حياتها الأولى، وأن تستقر الأوضاع في بلدها الثاني سوريا، وأن تلتقي بنجليها، وابنتها التي لا تعلم عنها شيئاً منذ سنوات، وأن تستكمل علاجها من الجروح والآلام التي أفقدتها طعم الحياة. وبعد ثماني سنوات من حرب طاحنة في سوريا، لم تعد مسألة إزاحة الرئيس بشار الأسد عن الحكم مطروحة في الوقت الحاضر، لكن بلاده تحولت الى حلبة منافسة بين قوى خارجية ذات مصالح متناقضة، في ظل حصار اقتصادي منهك، ودمار كبير حل بالبلاد.