الجيش والثروة والسلطة في ليبيا والجزائر

بقلم : سامي كمال الدين

بتنصيب عبد القادر بن صالح رئيساً مؤقتاً للجزائر طبقاً للمادة 102 من الدستور، تدخل البلاد مرحلة جديدة من مراحل الصراع في الجزائر، الذي نزل شعبها إلى الشوارع بالملايين رافضاً العهدة الخامسة لترشيح بوتفليقة، ولا أعرف كيف كان يفكر جنرالات الجزائر الذين يقفون خلف بوتفليقة ويديرون البلاد والعباد بأن الشعب سيتقبّل أن يحكمهم رجل تمكنت منه الشيخوخة، وبلغ أرذل العمر، ولا حول له ولا قوة ! بوتفليقة الذي قام بأدوار مهمّة لدولته قبل ذلك، ليس هو بوتفليقة الآن، وهذا هو ناموس الحياة.

الأصوات الصادحة في عاصمة الجزائر هي صوت كل عربي يرى حكم العسكر والاستبداد في بلاده فيطالب برحيله، لذا كنت أتمنّى أن تلبّي رئاسة الأركان مطالب الشعب، وتمكن الدستور والحكم المدني في البلاد حتى لا تدخل في مرحلة ليبيا الحاليّة والقلاقل والنزاعات التي يخلقها الجنرال خليفة حفتر في طرابلس بدعم من السعودية والإمارات غير عابئ بحقوق الإنسان، وحق المواطن الليبي في الحياة، وتخريب ما يقوم به المبعوث الأممي غسان سلامة، رغم تخبّط ووهن الأمم المتحدة، وللاستيلاء على السلطة دون مراعاة لاستقرار ليبيا. الخيار العسكري الذي يلجأ إليه الجنرال حفتر يعيد ليبيا إلى المربع صفر، وتترهل الأمم المتحدة في قراراتها، وتتعرّض طرابلس لمأساة في الغذاء والدواء وارتفاع الأسعار مع إرباك الحرب للحياة فيها.

تبقى التجربة الجزائريّة حتى الآن هي الأنضج في تجارب الربيع العربي من حيث تنظيم شبابها وطلابها وإدارتهم لحوار راقٍ مع الجيش والسلطة الجزائرية، لكن يتم اكتمال هذا النضج بالانتخابات الديمقراطية لدولة مدنيّة يستحقها الشعب الجزائري، ورغم التحذيرات للشارع الجزائري بأن الدولة قد تلاقي مصير انقلاب 1992 إلا أن ذلك هو أبعد التصوّرات، فالمعطيات السياسيّة الحاليّة تختلف عن معطيات 92 وكذلك الأجيال الجديدة التي في الشارع الجزائري الآن، كما أن تيار الإسلام السياسي لم يعد كما كان في التسعينيات، بقوته ومقدرته على مواجهة الجيش، وقد عاش تجربة أليمة وقتذاك، كما شاهد التجربة المريرة في مصر، وما فعله الجنرال السيسي مع الرئيس محمد مرسي، وكذلك تعرّفوا على تجربة راشد الغنوشي الذكيّة في تونس، وأوروبا مشغولة بليبيا، وتخشى على حدودها معها ومع الجزائر، لذا على الجيش الجزائري أن يدرك أن الورطة الحقيقيّة الآن في محاولة التفافه على ثورة الشعب وخروجه بالملايين إلى الشوارع للمطالبة بدولة ديمقراطية، خاصة أن أول خطاب للرئيس الجزائري المؤقت تناول حق الشعب في المشاركة في صناعة القرارات المتعلقة بمستقبله، وأن هذا التعيين يأتي لمدة 90 يوماً، وكشف عن وجود أزمة سياسية حقيقيّة داخل مؤسسات الدولة، تحاول تجاوزها، وحذّر الشعب الجزائري من المجهول، مع أن المجهول هذا صنعته هذه المؤسسات التي ترهلت على قواعدها، وهي نفس التحذيرات التي حذر منها الرئيس بوتفليقة، فلماذا تريد المؤسسات تخويف الشعب من مجهول صنعته وضبابية وضعت الدولة فيها، بينما الشارع حمى الشعب من هذا المجهول وأنقذه من ترهل الحكم فيه وتزايد الفقر والبيروقراطية.

من الأطروحات التي تناولها الرئيس المؤقت الهيئة الوطنيّة ذات السيادة، التي ستشرف على الانتخابات الديمقراطية لانتقال الجزائر من الرئيس الأبدي إلى المادة السابعة والثامنة من الدستور التي ترى أن الشعب هو مصدر السلطات. كما أن هناك ثقة معدومة بين الشعب والجيش ورجال الأعمال ومؤسسات الدولة، وهو الدور المنوط بعبد القادر بن صالح، إعادة الثقة بين هذه المؤسسات وتكاتفها جميعاً فهو ينقل الجزائر بسلاسة، ولكن يجب أن يتم ذلك بالضغط الشعبي، وبحرص الشعب الذي قال كلمته، وعلى الجميع أن يكون خادماً للشعب، وعلى رأسهم عبد القادر بن صالح رئيس مجلس الأمة في عهد بوتفليقة، وأن ينحاز للشعب وليس للسلطات ومؤسسات دولة بوتفليقة والجيش، فإذا ما قرّر بن صالح أن يؤدّي نفس الدور الذي أداه المستشار عدلي منصور رئيس المحكمة الدستوريّة والرئيس المؤقت في مصر، حيث جاء كمسمّى فقط، دون أن يكون له فعالية حقيقيّة، إذ كان وزير الدفاع المصري عبد الفتاح السيسي هو الكل في الكل، وكانت قيادات من المؤسسة العسكريّة هي من تدير الدولة وتتحكم فيها لتأتي النتائج كارثيّة من قتل واعتقال الآلاف من أبناء الشعب المصري، وليضع التاريخ عدلي منصور في مكانة لا تليق برئيس محكمة دستوريّة، ولا برئيس مؤقت.

بالتأكيد السياق مختلف هنا، فالمستشار عدلي منصور تولى منصب الرئيس المؤقت عقب انقلاب عسكري في مصر، من وزير الدفاع على رئيسه المنتخب الدكتور محمد مرسي، بينما بن صالح تولى منصب الرئيس المؤقت في الجزائر عقب ثورة شعبيّة قام بها الشعب للمطالبة برحيل بوتفليقة، ومن ثم فأمام عبد القادر بن صالح فرصة أفضل بكثير من عدلي منصور، مع أن عقلية الجنرالات العسكريين واحدة في كل الدول التي أدمنت البقاء في كرسي الحكم حتى الممات، فإذا ما تخلى العسكر عن طموحاتهم في التكويش على الثروة والسلطة فأظنّ أن تجربة الانتقال الديمقراطي في الجزائر سوف تنجح.