مــبشـــــرات

ياسر عبد العزيز

 

في الثامن والعشرين من يونيو قبل ست سنوات، وفي مكتبه في مركز الأبحاث الذي كان يديره تجمع الباحثون يسألون عن الدوام في المركز، لاسيما وأن البلاد مقبلة على منعطف صوره الإعلام بأنه خطير، فالتظاهرات التي أعلن عنها، يقول الإعلام إنها لن تكون عادية، بل هول البعض وقال إنها ثورة كتلك التي أطاحت بالمخلوع مبارك، واتخذ الرجل القرار وأعطى الباحثين إجازة لحين اتضاح الوضع، لاسيما وأن المركز كان يعمل لصالح حزب معروف بدعمه للحزب الحاكم الذي خرج الناس للاعتراض عليه، وقد ينال ما ستناله مقرات الحزب الحاكم من الغضب والشحن الذي أحدثته المخابرات والإعلام في الشارع.

الثالث من يوليو يعلن التلفزيون أن بيانا مهما سيلقى فانتظروا، ليخرج وزير الدفاع، الذي حذر أكثر من مرة خلال الأسابيع الأخيرة من احتراب أهلي لن يقف الجيش ساكتا حياله، ليلقي بيانا هو انقلاب عسكري بديكور مدني من طامعين وظانين أن الجيش سينصفهم بعد أن خذلهم الشارع، وتلي البيان ببنوده العشر ليسقط على رأس الرجل كالصاعقة، حرقت كل آماله التي تطلع إليها منذ ثورة يناير التي شارك فيها وآمن بأهدافها وسعى لتحقيقها سواء في الشارع أو على المستوى الحزبي.

وتبدأ حالة من الانكسارات في حياة الرجل تظاهرات رافضة للانقلاب يخرج فيها الرجل تنتهي يوميا بقتلى وجرحى ومجازر صغيرة وتجريبية للمجزرة الكبرى في رابعة العدوية، لتنهار قواه ويخر باكيا صارخا على الأرض من هول ما رأى، لكنه استمر في الخروج ضد لانقلاب للتعبير بما يملك عن رفضه للانقلاب على ثورة يناير، لتبدأ الملاحقات الأمنية وتنقلب حياته رأسا على عقب فلا عمله يستطيع ممارسته ولا بيته يستطيع العودة إليه، حتى يقرر الأصدقاء إخراجه من البلد بعد أن ضاقت به مصر بما رحبت، وفي المنفى الاختياري يجد أصنافا من البشر يدعون الثورية وهم للدكتاتورية والاستغلال والاستعباد أقرب، يمارسون حياة العبودية على الفارين من بلادهم مساوين في الظلم، وهو لعمري معنى العدل عندهم، ليعيش الرجل في هزيمة أخرى بعد هزيمته التي تلقاها وليس له فيها قرار ولا خيار، فهكذا الناموس، يخطئ القادة ويدفع الجنود الثمن.

لكن السماء أرادت أن ترسل برسالة للرجل ولكل من آمن بالحق ودافع عنه، ولكل من أخلص لوطنه وأراد له الخير، لكل من خالطه الظن بأن السماء لن تنصر أهل الحق، لكل من اعتقد أنه زمن الأشرار ولا مكان للطيبين، رسالة تبشير بأن الخير قادم مهما طال الظلم وأن سيف العدل ماض على رقاب الظلمة مهما طالت تلك الرقاب، إن الحق يرسل رسائله لأهل الحق، أن اثبتوا فإن الخير آت.

في السودان كانت البداية، فمحاولاته السابقة للإطاحة بالنظام الجاثم على صدر هذا الشعب الطيب علمته الكثير وجعلت من حراكه هذه المرة أكثر وعيا ونضوجا، وجعلت المطالب محددة وجامعة مما جعل الشعب كله يلتف حولها، واستمرار الحراك طوال هذه الفترة يعكس أمل أكبر أن الشعب مدرك ما يفعل وماض فيه إلى أن يتحقق.

وينضم شعب الجزائر للحراك في بلاده بوعي وفهم وإرادة ويحقق كل يوم إنجازا يخطو به خطوة نحو هدفه ويصغر النظام أمام المارد الشعبي والطوفان البشري الهادر، ويصغر معه الداعمون في مجلس إدارة الثورات المضادة التي تدار من قصور الخزي والعار في أبوظبي والرياض والقاهرة ومن ورائهم تل أبيب.

حراك السودان والجزائر أمل لشعوب الربيع العربي الذي تداعت عليه مخابرات الدنيا وأموال الخليج لتقتل فيه العزة والكرامة وتسرق منه الحق في العيش الكريم، ولا تدخر لفعل ذلك جهدا ولا تبخل بدولار، فالأموال التي أنفقتها تلك الدول والجهد الذي بذلته في إسكات الشعب وتركيعه، لو انفق على رفاهة هذه الدول لأحدث تغييرا في تاريخ البشرية، فتلك الشعوب ذات حضارة وتتوق للعودة للريادة، ما كانت ثوراتها إلا لهذا الهدف، لكن حكام الخزي أنفقوا أموالهم ليحرموا تلك الشعوب من هذا الأمل، لكنهم سينفقونها ثم تكون عليهم حسرة، والسودان والجزائر دليل، وعودة الروح في مصر برهان.

وفي ظل كل تلك المبشرات التي يعتقد فيها الرجل، والتي كانت كفيلة بإضاءة النور في قلبه، ليرى في جنبات قلبه بقايا الأمل في التغيير، فما قابله في منفاه الاختياري من مواقف وأشخاص، والتي ظنها نارا تحرق بقايا آماله، إنما كانت لتنفي خبث الحديد لتطهره ليعود أقوى، وفي ذروة هذه الآمال ترسل السماء له من يشد عضده ويقوي ظهره، فلطالما كانت السند وإليها يرجع الأمر كله منذ الصغر.

بعد خمس سنوات في المنفى الاختياري يحتضن أمه بعد أن ظن أنه لن يفعل ذلك إلى الأبد، ها هي جنته قد عادت، سنده وظهره وملهمته ومحفزه، إنها من زرعت فيه حب الخير، والدفاع عن الحق، إنها رسالة جديدة لكل حر أن اعملوا فسيرى الله عملكم، وقد اختار الحق أن ينصر الحق فاعملوا … فلنعمل.