ماذا يجري في ليبيا؟

بقلم تقادم الخطيب

 

منذ أن اندلعت الأحداث في ليبيا مجددا وأنا أتتبع الموقف جيدا، بلاشك هذه حرب أهلية ستقوض جهود أي حلول سياسية، وقد تكون بمثابة سوريا الجديدة علي الحدود المصرية، لكن الأزمة في الحقيقة تمتد إلي ما قبل ذلك، حينما اعترف أوباما أن خطأه الكبير أنه لم يكن هناك خطة سياسية لما بعد سقوط القذافي، فسقطت ليبيا في الفوضي. أوباما لم يكن يدرك أن ترامب سيأتي للسلطة وسيكون هناك ضعفا وتراجعا في هيمنة الولايات المتحدة وعودة روسيا إلي الشروق الأوسط من جديد.

يسيطر حفتر علي المنطقة الشرقية من ليبيا ويتخذ من بني غازي عاصمة له، منذ أيام كان حفتر في الرياض فحصل علي إذن الهجوم من ابن سلمان بالتنسيق مع ولي عهد الإمارات وبالطبع مصر (تحالف الثورة المضادة في المنطقة). مع توفير غطاء سياسي لذلك.

قوات حفتر معظمها من بقايا جيش القذافي السابق وكذلك السلفية المدخلية التي تري أنه لا يجوز الخروج علي الحاكم أو تغيير الأنظمة القائمة، والسمع والطاعة للحاكم. وبالتالي هي علي خلاف من القاعدة وغيرها من التنظميات الأخري، وكأن تحالف الثورة المضادة يريد أن يتخذ من تلك المجموعة حائط صد لامتداد ثورات الربيع، أو وقف الخروج ضدهم، وهو أقرب ألي المستجيب من النار بالرمضاء.

 

توقيت الهجوم.

في اختيار ميعاد الهجوم استغلال لما يحدث في الجزائر من حيث إن الجيش الجزائري مساند لحكومة السراج، وغير موافق علي ما كان يفعله حفتر من قبل، وبالتالي انشغال الجيش الجزائري بأوضاعه الحالية كان بمثاية إشارة البدء من قبل تحالف الثورة المضادة لعمل نوع من الفوضي في الجانب الليبي، لممارسة عملية ضغط أكثر علي الجزائريين، ونوع من المعاقبة أن تكون هناك ثورة تطيح برأس النظام، وباالتالي سنفتح جبهة أخري أكثر زعزعة لكم، ليدل منها الإرهابيون وغيره ، ليتخذ الجيش الجزائري من ذلك غطاء أكثر لممارسة قمع ضد الشعب، أو اسقطاط الدولة في عملية فوضي أشبه بما حدث بعد العشرية السوداء. في المقابل الاتحاد الأوروبي وقع اتفاقات مع النظام الجزائري ودفع أموال له تتعلق بمسألة منع الهجرة غير الشرعية وتقويضها.

استقرار الوضع في ليبيا مهم بالنسبة للاتحاد الأوروبي لأن ليبيا كانت منذ فترة طويلة دولة عبور للمهاجرين الأفارقة الذين يتطلعون إلى أوروبا وكملجأ للإرهابيين الإسلاميين.

بالنسبة للفرنسيين الأمر أكثر كارثة، فسياسة ماكرون الخاطئة بالرهان علي حفتر ودعوته العام الماضي في أن يحضر القمة مع السراج، كانت نوعا من التخيل الخاطئ لماكرون الذي وضع ثقته في قوات حفتر لحماية مصالح فرنسا في ليبيا – النفط ، وتأمين حدودها مع النيجر وتشاد ، وكلاهما مهم بالنسبة لفرنسا.

بالطبع بوتين لن يفرط في تلك الفرصة الذهبية، وبالتالي سيقفز إلي المسرح الدولي مستخدما حق الفيتو في عرقلة صدور أي قرار من مجلس الأمن يدين ما يقوم به حفتر وقواته. بوتين المتهم من الغرب وطبقا لوثائق رسمية نشرتها الصحافة الغربية بدعمه المالي لليمين المتطرف في أوروبا. يريد استغلال ذلك وعقد تحالف مع حفتر إذا استولي علي طرابلس ليكون أداة ضغط في يديه أكثر بفتح أبواب اللاجئين والإرهابيين علي أوروبا، مما يعني مزيدا من الضغط وعدم الاستقرار للاتحاد الأوروبي برمته، وتصاعد اليمين المتطرف الذي يبني أجندته الأساسية ضد المهاجرين، والدعوة إلي تفكيك الاتحاد الأووروبي.

 

الأمر لن يكون فقط بمثابة حرب أهلية بل سيكون هناك تورط أطراف دولية في الصراع علي غرار الوضع السوري.

بالنسبة لمصر من العقل والحكمة أن تكون الجبهة الغربية تتسم بالهدوء والاستقرار، وليس بالاضطراب، وواهم جدا من يظن أن سيطرة حفتر ستؤدي للهدوء، بل ستزيد الاضرابات، لكن السير في مركب الإمارات والسعودية سيؤدي للمهالك. العام الماضي مثلا عدم الاستقرار في تلك الجبهة الذي أدي إلي عبور الإرهابيين للحدود المصرية مما جعل القوات المصرية تقوم بهجمات جوية في ليبيا، وسرعان ما سارع المجتمع الدولي لرفض ذلك وتحجيم الجنرال الذي ظن أنه يستطيع أن يفعل ما يشاء منفردا.

 

تشكلات جديدة تنشأ علي حساب دولة عربية يتم تقسيمها في وقت تقف المنطقة فيها علي رمال متحركة.

(نقلا عن صفحته)