د. أيمن نور يكتب: لماذا انحازت قنوات “الشرق” و “الشرق الأوسط” و “لا” لشعب السودان وليس حاكمه

بقلم د. أيمن نور

<.. أحسب أن موقفنا الواضح، فى قناة “الشرق”، من قضية خاشقجى، وحراك الأردن، وثورة الجزائر المباركة، وثورة الشعب السودانى التى بدأت منذ قرابة المائة يوم، وتجلت بالأمس يوم السادس من إبريل 2019، ليس مصيباً أو مخطئاً فهو موقفاً طبيعياً لنافذة إعلامية، تدعى الإستقلاية وأنها صوتاً للشعوب، ونافذة للحرية، ولكافة دعاوى التغيير السلمية فى منطقتنا العربية.

<.. لا أبالغ إذا قلت أنى أصبت بمزيج من الصدمة، والحسرة، والألم، والأسف، عندما تلقيت عشرات الإتصالات، تدعونى لتجاهل ما يحدث فى السودان لإعتبارات مختلفة، تتصادم والحد الأدنى من القيم التى جمعتنا، شعوباً وقبائل، كى ندرك إستحقاقات الحرية والكرامة الإنسانية لمنطقتنا، وليس فقط لأوطاننا..

<.. لا أعرف كيف يمكن أن نكيل بمكيالين، فندير ظهورنا لشعب عظيم، كريم، حليم، يؤرقه الشوق للعدالة، والحرية، بعد 30 عاماً من الصبر على الفساد والإستبداد؟!

وفى ذات الوقت نحترم أنفسنا، ونحن نصارع السيسى لأنه منقلب، وفاسد، ومستبد، يحرمنا من حقوقنا فى العدل والحرية‼

<.. كيف يستقيم هذا المنطق، وهذه التفرقة بين بشار، والبشير؟!

وكلاهما يحمل فى رقبته دماء مئات الآلاف من شعبه؟!

<.. كيف لنا أن نعارض ونناهض مساعى السيسى لتعديل الدستور، لإضافة مدة رئاسية ثالثة، ونغض الطرف عن شروع البشير فى تعديل الدستور ليحصل على مدة جديدة، بعد 30 عاماً من إنقلابه وحكمه وطغيانه؟‼

<.. نعم البشير، ليس هو الأكثر فساداً، أو طغياناً، بين حكامنا العرب، لكنه بلا شك واحداً من أسوأ هؤلاء الطغاة، ومن أطولهم بقاءاً، وإستمراراً، وأكثرهم فشلاً وإفقاراً لشعبه، وإهداراً لحقوقه.

<.. نعم البشير له مواقف، لا يمكن تجاهلها، إيزاء بعض المصريين الذين لجأوا إلى بلاده عقب إنقلاب السيسى، لكن يبقى موقفنا فى “الشرق” محسوباً لنا، أو علينا، ولا شأن لغيرنا بهذا الموقف، لا يحسب له، ولا يُحاسب عليه.

<.. لا أقول هذا دفاعاً عن أحد، أو إنحيازاً ضد أو مع طرف، له أن يحدد خياراته وإنحيازاته، دون أن يُلزم بها غيره، ولو كان محقاً، فإنحيازنا الوحيد، هو للقيم الشريفة، التى هتفت بها جموعنا فى ثوراتنا، وحكمت خصوماتنا السياسية، بقدر ما حكمت تحالفاتنا الأخلاقية.

<.. وأهم تلك القيم، أن هناك خنادق وجبهات يتعين عدم الإصطفاف معها، أو مهادنتها، أو المساومة على المبادئ، بمصالح مهما كانت أهميتها، أو لأسباب أيدولوجية، لا يمكن أن تُلزمنا كأأأشخاص، أو كقناة مستقلة، لا تمثل تياراً، أو جماعة، أو حزباً بعينه، بل تسعى أن تكون صوتاً لكل من لا صوت له، وجسراً يمر عليه تغييراً عربياً ينقلنا من زمن الإستعباد والإستبداد، لزمن الحرية والكرامة والمدنية والتقدم..

<. إننا لا ندافع عن موقفنا الداعم لحقوق الشعب السودانى، لأننا لا نبرر ما لا يحتاج لتبرير، ولا نُلزم الآخر سواء كان سودانياً أو مصرياً أو عربياً أن يبرر موقفه، أو يقدم أسبابه وأسانيده، فهذا شأنه وقراره.

<.. لكن هذا لا يمنعنى من مناقشة بعض الأراء التى تساند عليها بعض من انتقد موقفنا، وسأطرح هنا ثلاثة أمور أساسية وهى :-

<.. أولاً :- أى نظام ينسب نفسه إلى الإسلام، وتغيب عنه الحرية والديمقراطية، يُهين الإسلام، ويسئ إليه، قبل أن يُهين شعبه أو يسئ إليه .. وهذا ما ينطبق على النظام السعودى، قبل ما يطول تصنيف البعض للبشير أنه إسلامى الهوى أو الهوية‼

<..ومن يتحدث عن دعوات البشير للحوار ومشاركة بعض القوى له – شكلياً – فى الحكم، فهذا لا يمنعنا من رؤية أن هناك قوى أخرى فى المجتمع السودانى تم تجاهلها، ناهيك أن القاصى والدانى يعلم أن مثل هذه المشاركات الصورية، لم تنعكس على آليات القرار السياسى، الذى ينفرد به البشير منذ 30 عاماً، أخذ فيها السودان نحو الهاوية، والمزيد من الصراع والتقسيم والتصادم الأثنى والدينى والجغرافى والعرقى..

<.. ثانياً :- هناك من يرى أن البشير ونظامه ضحية لمؤامرة بعض الدول العربية عليه وبالحد الأدنى تخلى الجميع عنه..

وأحسب أن هذا الكلام يحسب على البشير وليس له، فليس سراً أن أبرز سمات السياسة الخارجية لنظام البشير هى التخبط والإرتباك والإرتماء فى أحضان كل طرف، وأى طرف، ونقيضه‼

فالرجل خلال 30 عاماً لم ينجح فى إقامة علاقات إيجابية أو متوازنة، فخسر دولاً ما كان ينبغى أن يخسرها، وأستعدى دولاً ما كان له أن يستعديها – وعاد وأرتمى فى أحضانها – وأصطف مع دول ما كان له أن يصطف معها، ويكفى أن نشير لموقف البشير من نظام الأسد – سابقاً – وزيارته الأخيرة له، وموقفه من الحرب فى اليمن، وموقفه من أزمة محمد بن سلمان، سواء كان قرار الرجل مصيباً هنا، أو مخطئاً هناك، فقد تحمل الشعب السودانى – 30 عاماً – عبئاً ضخماً بفعل فشل البشير فى سياسته الداخلية، وثمناً أخر لتخبط سياسته الخارجية، والذى أنعكس جميعه على أحوال بلد عظيم بحجم وإمكانيات وثروات السودان..

<.. وأخيراً .. كان خيارنا وسيظل هو شعب السودان، وإحترام حقه فى نقل الحقيقة، وليس تجاهلها، والإلتفات عنها.

د. أيمن نور

129 total views, 9 views today