من انتهاك حرية الرأي إلى اغتصابها

بقلم ياسر عبد العزيز

 

في تناقض غريب يجعل المنطق ينتحر، تتباين أقوال وأفعال رأس النظام وأزلامه، وإن كان الشعب المصري قد اعتاد على الأحاديث المشتتة، الخالية من الهدف، يخرج منها المستمع إلى لا شيء، حيث تجمع كلمات من الشرق على أخرى من الغرب لتملئ مساحة من الزمن يهدر فيها وقت المستمع ويزداد حيرة على حيرته، حين يطرح سؤال أو قضية ينتظر فيها إجابة شافية أو موقف محدد. لكن ما صرح به رأس النظام أخيرا في المنتدى العلمي الأول للتعليم العالي والبحث العلمي، يجعل الحكيم حيرانا من هذا النظام الذي يتحدث عن (طفرة علمية في مصر، تشارك بها في ثورة صناعية وعلمية رابعة يعيشها العالم الآن)، انتهى كلام السيسي.

والتعليق في خبر أوردته بعض الصحف الرصينة وعلى رأسها صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية التي عنونت لتقرير لها عن حالة الحريات في مصر، وخاصة حرية التعبير، بالقول إن قبضة السيسي الحديدية تصل إلى مسلسلات رمضان، وهي تلك الوجبة الدسمة التي ينتظرها المشاهد من العام إلى العام، حيث تتجمع العائلة حول التلفزيون لتشاهد آخر ما أنتج الفن المصري من إبداع. وضمن سعيه لممارسة سلطات كاسحة وبعد أن قام النظام بقمع السياسة وإخضاع وسائل الإعلام، وسجن العديد من المعارضين، تحول النظام إلى مسلسلات رمضان التي تواجه الآن قيودا خانقة،بشهادة مخرجين وممثلين قالوا إن مسئولين محسوبين على السيسي يملون عليهم نصوصاً تلفزيونية معينة ويخفضون الأجور، بينما تولت شركة إنتاج مرتبطة بالقوات المسلحة مسؤولية العدد الأكبر من المسلسلات المنتجة خلال هذا الموسم، ووضع ضوابط صارمة على الأفكار التي تكتب والمواضيع التي تطرح، وهو ما يعيد إلى الذاكرة حالة الاستبداد التي عاشتها مصر إبان الانقلاب الأول في يوليو 1952، حيث القمع الفكري، حتى وصل الحال إلى حديث النفس والأحلام التي كُبلت بعصا غليظة حضرت دوما أمام ناظري المبدع، فخنق الإبداع وهاجر المبدعون، ولم يبقى في الساحة إلا أنصاف الموهبة الذين جبروا كسرهم بالنفاق للنظام، وهاهي الأيام تعيد نفسها، ونسأل الله الخلف.

بحسب الصحيفة الأمريكية فإن أحد كبار المخرجين قال إن كُتّاب السيناريو تلقوا أوامر هذا الشتاء بإتباع بعض الإرشادات في عملهم، من بينها تمجيد الجيش، ومهاجمة جماعة الإخوان المسلمين، وتشجيع القيم العائلية المحافظة التي تشجع الشباب المصري على إطاعة الكبار، وبالتالي تجنب الأمور التي أدت إلى الربيع العربي عام 2011، الغريب أن هؤلاء القائمين على إصدار هذه التعليمات تشعر وكأنهم أتوا من عالم غير عالمنا، الذي تتناقل فيه الأنباء والأحداث في لمح البصر ويتأثر العالم بقيم الحق والعدل ومن قبله الحرية عبر شبكات التواصل، كما أن هؤلاء لم يستوعبوا حتى الآن التغيير الذي حدث للعالم بعد 2011 ويريدون أن يعيد الزمن إلى الوراء في حالة من حالات الدونكيشوتية، مع الفارق، أو كمن يريدأن يعكس مجرى النهر أو يعيد الطفل إلى الرحم والدخان إلى النار.

لكن الأزمة هنا تكمن في أن النظام لا يدرك أن حديثه عن العلم والتقدم، مرتبط بشكل حتمي بحرية الرأي والتعبير اللذين كانا ينتهكهما في مرحلة سابقة، ويغتصبهما الآن.

في بدايات القرن السابع عشر حيث لا سلطة على الإنسان إلا سلطة العقل التنويرية، كان الفيلسوف ديكارت في فرنسا يصوغ التصور الجديد للإنسان، المتمثل في الذات التي تقتحم الكون وتكتشف أسراره، بحرية ودون قيد، وفي إنجلترا كان الفيلسوف جون لوك يبني للإنسان السفينة  التي سيخوض به عباب بحر المعرفة والاكتشافات، هذه الأفكار وتلك القيم كانت التأصيل الأول والتمهيد المهم لعصر التنوير الذي عاشته أوروبا في العصر الثامن عشر، والذي أسس للمنهج العلمي التجريبي الذي أدخل أوروبا إلى زمن الثورة الصناعية في منتصف نفس القرن.

يا سادة إن القضية ليست قضية مسلسلات يلتهي بها الناس في شهر هم أحوج فيه إلى العبادة، إنما هي قضية أكبر وأعظم، هي قضية الحرية التي قدمها بعض الأمة على الدين نفسه، إن القمع الذي تعيشه مصر بعض الانقلاب سيؤثر بشكل قطعي على منتوجها الثقافي والعلمي وسيخرج جيل من المهمشين الفاقدين لطموح السعي للوقوف في صفوف الشعوب المتقدمة، وسيرضون في النهاية أن يحكمه أمثال ذلك الرجل الذي لا يكاد يبين.

  • كل نظام طاغي بيسخر كل الوسائل في كل المجالات لجعل المواطنين نسخة طبق الأصل للطاغية. فماذا تنتظر الشعوب في كافة المجالات غير كل صفات الطاغية بتنتشر بشكل رهيب خيانة عمالة كذب مياصة عنف جهل رضوخ انبطاح تسليم تآمر نفاق رياء… الى غير ذلك من القادورات…وطبعا مش بالمباشر لكن كل شيء مغلف بأروع الأغلفة التي يحلم بها كل مواطن شريف مثل الكرم الجود طاعة الوالدين التسامح التكافل الحوار..الى غير ذلك من مكارم الأخلق… أخي المواطن العربي كل الأنظمة المستبدة الفاشلة واللي الفشل والتخلف والانبطاح مكتوب على جبينها بتمر بسكرات الموت فكن حويطا وابتعد عن اعلامهم وجهلهم قدر المستطاع ولا تستسلم ولو حتى بحب المعرفة أو الاستطلاع اجعلها أشياء محرمة عليك حتى تتعدى هذه المحن الكارثية واللي ممكن تضيعك دنيا وآخرة…

Comments are closed.