السارق السياسي (1)

 

بقلم:حنان السيد

قال فولتير : “هناك نوعان من السُّرَّاق :

السارق العادي : يسرقك بالصدفة بدون ما يختارك ، يسرق سيارتك أو بيتك .

والسارق السياسي : يسرق حلمك ويسرق حلم أولادك ويسرق البسمة من وجهك” .

السارق السياسي سرق الشرعية وترك الوطن ينزف وهو يدعي أنه يدافع عن الوطن.

السارق السياسي هو من يسرق وطن، يسرقه من الشعب، وقد يتبادر إلي الأذهان سؤال ” وهل تسرق الأوطان من الشعوب..!” و الإجابة نعم .. الاحتلال الخارجي نوع من أنواع سرقة الأوطان، واستبداد الحاكم علي الشعب نوع آخر من السرقة هو السارق السياسي !!، فهذا أشد خطورة علينا والوطن، وهذا النوع قد يسرق حُلْمنا وحُلْم أبنائنا وشبابنا، وكذلك يسرق مستقبل أبنائنا ويسرق حُلْمنا بالوطن الغالي، ويسرق البسمة من وجهي ووجهك وأطفالنا !!!.

فالحاكم المستبد له عدة أسلحة :

الأول : فرض السيطرة والهيمنة.

والثاني : الانتصار في كل شيء لأتباعه، إحلال وإبدال الكفاءات بـ المقربين من النظام الحاكم.

والثالث : ضرب المؤسسات الوطنية، وإشعال الفتن بين فئات المجتمع .

في ذات السياق، السارق العادي هو الذي اختارنا بالصدفة سواء أنا أو أنت !!!، أمَّا السارق السياسي نحن من اختاره !!!، ونحن مَنْ أراده أن يكون !!، فكان المسئول الفاسد !!، والأنكى من ذلك، أنَّ السارق العادي يُطارَد ويُحاكَم ويُسجَن ، والسارق السياسي نحميه ونُدافع عنه وهو طليق الحرية !!. وبمعنى أشد قسوة.. فإن هؤلاء “اللصوص” يدفعون الشعوب إلى حالة من “التمزق” و”التحلل” و”الخواء” بحيث لا تعود تشعر بقيمة الأشياء ولا بعمق الارتباط، ولا بعظمة المكان والزمان.. والإحساس بقيمة الأوطان .

الساحر ذلك السياسي :

الساحر جمال عبد الناصر سحر قلوب المصريين وسرق عقول المصريين قبل قلوبهم له لسان مثل عصى سحرة فرعون ، سحر أعينهم وقلوبهم بكلامه الناعم الملهب للمشاعر الخاطف للعقول أظهر نفسه أنه الشخصية المصرية القوية يتكلم عن العروبة والتفاني في خدمة الوطن الذي يستطيع تحدى الأعداء .وقد فرض سيطرته على وسائل الإعلام والصحف والوظائف لكي تظهره بالرجل السياسي والزعيم والقائد ، خُدعت فيه الأمة ولم يجعل منفذا واحد يظهر حقيقته التي ظهرت بعد وفاته .

وأظهر مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي اليوم ما أخفاه الناصريون، ومؤرخو الدولة القومية في مصر على مدار عقود طويلة كانوا ولا يزال أكثرهم يحتكر مناصب الثقافة والفكر ومفاصلها في مصر ، وانكشفت الأسرار، فضلا عن سهولة الوصول إلى كتب التاريخ، ومذكرات القادة والعسكريين والمدنيين الذين كانوا شاهدين على ذلك العصر وأسراره . ذلك السارق السياسي أنشاء لنفسه إمبراطورية من خلال السيطرة على:الإعلام،والاقتصاد،والزراعة، والصناعة ، والرياضة ، والثقافة ، والمحاكم ، وكل أركان الدولة ، ونتناول بالتوالي كل على حدة .

استولي عبد الناصر على هذه المناصب الثقافية المشَكِّلَة لوعي الناس المؤيدين لتوجهاته قبل غيرهم، أهل الثقة قبل أهل الكفاءة، ولأول مرة في تاريخ مصر يتقلد منصب رئيس تحرير مجلة التحرير عقب انقلاب يوليو/تموز 1952م مباشرة ثم وزارة الثقافة لأربع سنوات متوالية ضابط عسكري من الضباط الضالعين في الانقلاب وهو ثروت عكاشة، وقد استمر توزيع المناصب المفصلية بما فيها وزارة الثقافة على الموالين للحكم العسكري في مصر آنذاك وحتى اليوم، وكان على رأس هؤلاء المنظرين للناصرية عرَّابُها الأول محمد حسنين هيكل الذي تشير بعض الروايات إلى أنه المؤلف الحقيقي لكتاب “فلسفة الثورة” المنسوب لعبد الناصر .

ومن الحقائق التي طالما أُخفيت عن الناس وجود علاقات وثيقة بين رجال انقلاب يوليو/تموز وبين الأمريكان، حتى إن الكاتب الصحفي محمـد جلال كشك ألّف في ذلك كتابيه المهمين “كلمتي للمغفلين” وأكّده بتاليه “ثورة يوليو الأمريكية” التي تؤكد أن الاتصال بين عبد الناصر والسفارة الأمريكية كان قد بدأ قبل يوليو/تموز 1952م، وأن الانقلابات العسكرية كانت أداة أمريكية في الأصل على الأنظمة التي لا ترغب في الإبقاء عليها، وكان أول الانقلابات المدعومة أمريكيا في الشرق الأوسط، انقلاب حسني الزعيم في سورية في مارس/آذار 1949م، وهو الانقلاب الذي استفاد منه عبد الناصر فيما بعد، وسار على خطاه بإرادة أمريكية!

يؤكد فتحي رضوان، وهو ممن عملوا مع عبد الناصر واقتربوا منه، أن نجاح الانقلاب العسكري في مصر بالإطاحة بفاروق وأسرة محمـد علي كان انتصارا للأمريكان على البريطانيين في صراعهم على تركة الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الثانية التي خرجت منها بريطانيا مستنزفة أمام أميركا القوية. كانت الصدمة الأولى في مجلس قيادة الثورة انقلابه على أهدافه التي جاء معلنا لها، وعلى رأسها القضاء على الفساد والمحسوبية، والعودة إلى الشعب ليحكم نفسه بنفسه، لكن الأمر كان بعكس ذلك كما يعترف محمـد نجيب الرئيس الأول لجمهورية مصر العربية، في مذكراته، يقول:

“تولّد في داخلي إحساس بأننا فتحنا بابا أمام باقي الضباط ليخرجوا منه إلى المناصب المدنية، ذات النفوذ القوي والدخل الكبير، وحاولت قدر استطاعتي إغلاق هذا الباب، وابتعاد الجيش عن الحياة المدنية، وعودته إلى الثكنات وترك البلد للسياسيين، لكن كان الوقت على ما أعتقدُ قد فات؛ فقد اخترق العسكريون كل المجالات وصبغوا كل المصالح المدنية باللون الكاكي”.

يقول محمد جلال كشك :

“كان انقلاب يوليو/تموز تعبيرا عن إرادة القهر الاستعماري لسحق هذه الثورة، سحق الرأسمالية الوطنية في مصر والوطن العربي كله ، تسليم مصر والوطن العربي مرة أخرى للإنتاج الأجنبي ، سوقا مفتوحة بلا مقاومة أو قوة قادرة وصاحبة مصلحة في المقاومة ، وقد حقق عبد الناصر ذلك بالتأميم والمصادرات التي كانت صريحة في استهدافها القضاء المبرم على الرأسمالية المصرية، ووأد محاولتها إقامة اقتصاد عربي موحد، كما دمّر عبد الناصر القيادة الفكرية والسياسية بالاستبداد والإرهاب وإفساد التعليم على نحو لم ينجح استعمار بربري في إلحاقه بعدو لدود تمكن منه” .