بدعوى الاستقرار ومواصلة الانجازات..السيسي يُطلق أبواقه الإعلامية لتمرير التعديلات الدستورية !

لم تهدأ وسائل إعلام السيسي على مدار أكثر من شهر، بالقيام بحملات دعائية على مستوياتٍ متعدِّدة للترويج للتعديلات الدستورية المُزمَع إجراؤها، بغرض تمديد حكم الديكتاتور العسكري. وأطلق النظام نواب برلمان المخابرات، ووسائل صحفيه وإعلاميه، والموالين له من الأحزاب السياسية ، كي يسوِّقوا شتى أنواع التبريرات لهذه التعديلات؛ بدءًا من دعاوى “الحفاظ على الاستقرار” وصولاً إلى ضرورة “مواصلة الإنجازات”، وغير ذلك من الذرائع المثيرة للسخرية.

وفي إطار حملات القمع والتنكيل المتصاعدة منذ أعوام عديدة، دشَّنَت الداخلية حملةً خاصة بمعارضي التعديلات الدستورية بدأت باعتقال أربعة أعضاء من حزب الدستور خلال الأسبوع الأخير من شهر فبراير، وربما تتواصل خلال الفترة المقبلة، في مسعى السلطة لتمرير التعديلات دون أدنى معارضة تُذكَر.

تعكس التعديلات الدستورية توافقًا بين أجهزة الدولة ورجال الأعمال المؤيدين لها، على تمديد سلطة الديكتاتور السيسي وإحكام السيطرة العسكرية على كلِّ شيء (باستثناء معارضة محدودة من جانب قضاة مجلس الدولة الذين تنتقص التعديلات من صلاحياتهم).

لكن كبار ضباط الداخلية وجنرالات الجيش بالطبع يؤيدون هذه التعديلات التي “تشرعن” المزيد من الصلاحيات لهم، وكذلك كبار رجال الأعمال الذين يودون الحفاظ على الأوضاع التي تزيد فيها ثرواتهم (زادت ثروة نجيب ساويرس، على سبيل المثال، بمقدار 900 مليون دولار من 2016 إلى 2017، وناصف ساويرس بمقدار 2.9 مليار دولار خلال الفترة نفسها، وتجاوزت ثروة الأخير ضعف ممتلكات دونالد ترامب خلال العام الماضي).

هيمنة عسكرية على الحياة المدنية

الكارثة الأكبر في هذه التعديلات هي مد فترة بقاء السيسي في السلطة لفترتين إضافيَّتين، بعد انقضاء الفترة الراهنة -أي حتى العام 2034- وذلك بتعديل المادة 140 التي تعود إلى نظام 6 سنوات للفترة الرئاسية. لكن التعديلات لا تقتصر فقط على “دسترة” بقاء الديكتاتور، بل تمتد أيضًا إلى ترسيخ سطوة المحاكمات العسكرية (تعديل المادة 204)، والمزيد من هيمنة الجيش على الحياة المدنية (تعديل المادة 200)، وإلغاء وجوب نظر مجلس الدولة في مشاريع القوانين وعقود الدولة أو أيٍّ من مؤسساتها (تعديل المادة 190)، وغير ذلك. ولا شك أن النظام من خلال هذه التعديلات يسعى إلى تركيز السلطات في يد الديكتاتور وجنرالات الجيش.

من المتعارف عليه أن الدساتير والقوانين في أي دولة،  تعبِّر بصورةٍ عامة عن توازنات القوى بين الطبقات المختلفة في مرحلةٍ معينة. إذا رَجَحَت كفة الدولة وطبقة الأثرياء التي تنعم بحمايتها، وتستخدم مواد الدستور وبنود القانون كيفما تشاء لمصلحتها هي، بل وفي كثيرٍ من الأحيان يمكنها أن تناقض مواد الدستور، طالما أنها تُحكِم السيطرة على حركة الجماهير. دستور 2014، على سبيل المثال، يحفظ -على المستوى الشكلي فقط- حق تشكيل الأحزاب والجمعيات والمؤسسات الأهلية، وإنشاء النقابات، ومن المفترض أنه يكفل الحق في جميع أشكال الاحتجاج السلمي، ويحظر التفتيش أو المراقبة أو التنصُّت إلا بأمرٍ قضائي. لكن ما يحدث على الأرض هو العكس التام من ذلك؛ حيث الملاحقات والاعتقالات المفتوحة وحتى الإخفاء القسري والتصفيات الجسدية.

وفي الوقت الحالي يستعد نظام السيسي ليعصف بالدستور الذي وضعه بنفسه، ليتوافق مع متطلَّباته الجديدة. سبق أن فعلها مبارك من قبل، بتعديل المادة 76 الخاصة بطريقة انتخاب رئيس الجمهورية، وسبق أن فعلتها أيضًا ديكتاتوريات عتيدة في التاريخ؛ في الأرجنتين تحت حكم فيديلا، وفي تشيلي في ظلِّ بينوشيه على سبيل المثال. لكن تعديلاتٍ كهذه لم تنفع هؤلاء الطغاة حين هوت أنظمتهم.

ووفقا لخبراء فإن هذه الأنظمة التي ترسّخ للديكتاتورية لا تسقط من تلقاء نفسها ولا بضربةٍ قاضية تأتي من الفراغ، بل من خلال البناء الدؤوب وطويل الأمد للمقاومة في معارك يندمج فيها السخط السياسي والاجتماعي. وحتى وإن لم تحرز المعارضة انتصارًا ذا شأن فيها، فإن  هذه المعارك دائمًا ما تعد  خطواتٍ مهمة في طريق البناء.

وبالرغم من تحديات القمع الهائلة التي يمارسها السيسي، فمن المُرجَّح أن تتصاعد إذا مُرِّرَت هذه التعديلات بسلام كما يُخطِّط النظام. كلُّ تحدي جديد هو أيضًا فرصة جديدة للنضال، الذي لابد أن يبدأ الآن ويمثِّل نقطة انطلاقٍ لمعارضةٍ جادة ضد نظام الاستبداد والإفقار، بالأخص مع تصاعد الغضب الشعبي ضد الديكتاتور السيسي.