لماذا تراجع الدولار مؤخرا؟

بقلم د مصطفى شاهين

 

كنت قد توقعت ان الدولار سيرتفع في مصر في شهر أغسطس المقبل نظرا لما صرح به أحد المسؤولين المصرفيين لأحدى الوكالات الامريكية عن خروج ما لا يقل عن ١٠ مليار دولار أمريكي من السوق المصري
والان ينخفض سعر الدولار في مصر
السؤال هنا لماذا ينخفض الدولار في مصر وهل يمكن أن يستمر الدولار في الانخفاض وما المطلوب منى عمله حيال هذا الموقف ؟
اود أولا ان أوضح بعض النقاط الأساسية: –

أولا: تعكس بينات وزارة المالية المصرية ان هناك عجزا في الموازنة العامة للدولة وهذا العجز يودي مباشرة الى مزيد من التضخم، والذي يؤدى الى مزيد من الطلب على الدولار

ثانيا: وفق بيانات البنك المركزي فان الحكومة تعمل على طباعة النقود لسد العجز مع الاقتراض من الجهاز المصرفي والتي ستودى الى خفض في قيمة الجنيه المصري حقيقيا وهو ما يسميه الاقتصاديون بالقوى الشرائية للجنيه المصري ، ولكن اسميا ممكن للحكومة ان تساند الجنيه المصري عن طريق الاقتراض من الخارج فتجعل قيمة الجنيه ترتفع في مقابل الدولار لكن هذا الارتفاع مصنوع وليس بقوة دفع اليات الاقتصاد، وهذا الوهم لارتفاع الجنيه امام الدولار يتلاشى اذا رفع البنك المركزي يديه عن دعم الجنيه

ثالثا: هذا الدعم للجنيه ليس مجانا ولكن له ثمن فكلما تريد الحكومة تثبيت سعر الدولار فالحل امامها هو الاقتراض من الخارج وتأكيدا لذلك فقد صرحت الحكومة لوكالة رويترز ان سقف الاقتراض الخارجي للسنة المالية 2018-2019 عند 16.733 مليار دولار. (المصدر في اول تعليق)

رابعا معظم هذه الديون الخارجية لتمويل الواردات من السلع التموينية والمشتقات البترولية ودعم الجنيه، ولم تتبن الدولة أي سياسات من شانها زيادة الإنتاج من المحاصيل او من السلع الغذائية المستوردة فيكفي نظرة الى هيكل الواردات ان تنظر الى وارداتنا من الأرز والقمح والذرة الصفراء ويكان مصر عقمت ان تطعم نفسها

خامسا: الحكومة ملتزمة بسداد أقساط الدين الخارجي والتي تبلغ في حدود ١٢ مليار دولار يزيد او يقل قليلا حسب جدول استهلاك القروض، وهي ما تقترضه الحكومة سنويا حتى تسد الديون رغم اعلان الحكومة منذ فترة عن الحد من الاقتراض من الخارج ورغم ذلك فان الحكومة لم تستطع الوفاء بهذا الوعد وتزداد المديونية الخارجية الى ان وصلت ضعف ما كانت عليه بعد وصول السيسي للسلطة

سادسا: ان الحكومة لا تلبى كافة طلبات الشراء على الدولار من الافراد او الشركات وهذا يعكس ان الحكومة تتحكم في السوق وتدير وتتدخل في أسواق الصرف، فشركات الصرافة في حالة ارتباك يومي نتيجة خفض سعر الدولار المدار من قبل البنك المركزي فلا تستطيع شركات الصرافة شراء الدولار من الجمهور امعانا في تقليل خسارتها

سابعا: ان البنوك التي تشترى الدولار تمنى بخسائر ظاهرية لأنها تشترى الدولار وكل يوم سعرة ينخفض ولكن يبدوا لنا ان البنك المركزي لا يمانع من ذلك حتى لربما انه يعوض هذه البنوك عن هذه الخسائر في مقابل حيازة الدولار.

ثامنا: أصبح الدولار الأمريكي أكثر قوة امام العملات الأخرى في الآونة الأخيرة، لكن الامر في مصر اختلف حيث فوجئنا ان الدولار في مصر ينخفض وهذا يعطى دلالة واضحة على ان البنك المركزي المصري يعطى دعما للدولار، وان انخفاض الدولار لأسباب تخص مصر وحدها

تاسعا: ونظرا لقوة الدولار الأمريكي وانخفاض معدل التضخم في الولايات المتحدة سيعطى دفعة قوية للمستثمرين ان يستثمرون في الدولار داخل الولايات المتحدة وهذا يجعل السوق المصري لأذون الخزانة غير جاذب للأجانب مقارنة بالدول الأخرى وهو ما يدفع بالحكومة المصرية الى رفع سعر الفائدة على الجنيه المصري حتى تحافظ على الأموال الساخنة القادمة من الخارج مما يجعل كثير من المستثمرين في سوق سندات الخزانة المصرية غير جاذبة لهم الا اذا رفعت الحكومة المصرية الفائدة
خلاصة الامر فان انخفاض الدولار هو امر وقتي مرتبط بمزيد من الاستدانة الخارجية فمجرد رفع البنك المركزي يديه او عجز الحكومة عن الاقتراض حينها سيرتفع الدولار اما اذا اردت الحكومة ان تعيد الدولار الى ما قبل ذلك، فلربما ان سعر السوق للدولار مقوما بأعلى من قيمته الحقيقة ولربما السعر الحقيقي للدولار لا يتجاوز ٦ جنيهات او اقل او اكثر حتى تستطيع ان تصل الى السعر التوازني الجديد على الحكومة ان تنشط الإنتاج وتعمل على زيادة النمو والتشغيل وزيادة الصادرات والحد من الواردات وتقليص العجز الحكومي وهذا لا نراه من السياسات الاقتصادية الحالية التي تدفع الاقتصاد الى انكماش حاد