دواعش اليمين المتطرف

                          

             

     بقلم/ أحمد إبراهيم                             

                            ” بذرة شيطانية تسيطر على صاحبها، تنطلق من شهوة التسلط والمخالفة والتمرد والتطرف “

فُجع العالم في صيف عام 2015، عندما أصدر تنظيم الدولة “داعش” أو ما تمسي بدولة العراق والشام الإسلامية حكمًا بالقتل على كل من يتجاوز عمره 14 عامًا من أبناء عشيرة الشيعطات السنة المسلمين في شرق سوريا مع مصادرة أراضيهم وبيوتهم وسبي نسائهم في مشهد من مشاهد التصفية العرقية باسم الدين، والدين منهم براء. قامت داعش بتكفير مئات الآلاف وملايين المسلمين من أهل سوريا الذين قادتهم اللعبة العالمية ليكونوا تحت رحمة جماعة لا تعرف من الدين الا المروق منه وارتدائه كعباءة تنفذ من خلالها اجنداتها واجندات من يمتطيها ويصنعها .

لم تكن البداية في صيف 2015 ولم تكن في أغسطس من عام 2014 حين ارتكبت داعش واحدة من أبشع المجازر التي شهدها العصر الحديث بحق المسلمين في دير الزور من أبناء قبيلة الشيعطات، ومن مقاتلي الفصائل السورية المقاومة للنظام السوري حيث قتلت الآلاف منهم رمياً بالرصاص وذبحاً بالسكاكين والسواطير أمام كاميرات عناصرها، الذين تلذذوا بتصوير هذه المشاهد كما تلذذوا بسفك الدماء التي حرم الله سفكها ونشروها إمعانا في اذلال أهل سوريا الذين كانوا قد رفضوا تواجدهم بينهم .

ولم تكن أيضا يوم حدث الشقاق والخلاف الشهير بين جبهة النصرة وداعش في سوريا، بل كانت البداية عميقا عبر السنيين قبل هذا بكثير , حين وقف ذو الخويصرة التميمي أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً له إعدل يامحمد , متهما رسول الله بعدم الإنصاف ومنذ ذلك اليوم حتى اليوم مازالت بذرة الخوارج تنبت وكلما خمدت نارها اشتعلت وكلما قطع الله لهم قرناً نبت غيره وكلما نبت غيره قطعه الله .

ومرورا عبر الأزمنة نرى علي بن ابي طالب يناصحهم فيقاتلوه ويتهموه بل ويكفروه ونراهم يفتون في عضد الخلافة الاموية حتى قطع الله قرنهم على يد المهلب بن صفرة , ولكن ما لبث ان نبت لهم قرناً أخر وهكذا عبر الزمان حتى نبت قرنهم في العصر الحديث في افغانستان في حقبة القتال ضد الاحتلال السوفييتي وترعرع في الجزائر والعراق وقطعه الله من جديد في الشام . ولتعريف الدعشنه وعلاقة الدواعش باليمين المتطرف فلا بد لنا أن ننظر إلى تاريخهم وحاضرهم نظرة فاحصة وعميقة , فمن الذي أسس داعش في العراق بداية الأمر؟

لقد كانوا كبار ضباط المخابرات العراقية في عهد صدام حسين وعلى رأسهم الملقب بالحجي بكر وأبو أيمن العراقي واخرين الذين كانوا من كبار ضباط المخابرات العراقية في عهد صدام حسين وكلنا نعلم وسمعنا عن حجم التعذيب والفساد والظلم والاضطهاد الذي كان يمارس في اروقة هذه المخابرات كما غيرها من اجهزة المخابرات العربية. ولكن كيف يصبح ضباط مخابرات عاشوا حياتهم في خدمة حزب البعث اللاديني وادبيات الاشتراكية , كيف يصبحون فجأة من كبار القادة في تنظيم يدعي انه اسلامي بل ورأس حربة المسلمين في قتال الكفار ويصبحون مدافعين عن الدين ومبادئه وأدبياته.

لقد حدث في تاريخ الإسلام الكثير من هذه الأحداث المشابهة اذ ينقلب حال احدهم من العصيان للطاعة ومن الكفر للإيمان ومن قتال الدين الى القتال معه ويدخل التاريخ من اوسع ابوابه , ولكن هل هذا ينطبق على ضباط المخابرات العراقية الذين أسسوا تنظيم داعش ؟ وهل ينطبق على الذين يغيرون مبادئهم وأدبيتهم حسب الظروف الراهنة والبيئة المحيطة؟ وبالنظر إلى تاريخهم فإننا نجد ان الفرق كبير بينهم وبين تلك الحالات عبر التاريخ , فهم في الحقيقة لم يتغير حالهم من العصيان للطاعه ومن الكفر للإيمان ومن قتال الدين للقتال معه , بل امتطوا الموجه لا اكثر .

بعد الاحتلال الامريكي للعراق نشأت حركات مقاومة مسلحة في الشارع السني لمقاومة المحتل الامريكي وتعددت الفصائل والاسماء ولان هذه الاحداث تتم في بلد اسلامي وفي المجتمع السني فان البيئة السائدة اصبحت بيئة اقرب للتيار الديني الراديكالي وصار لزاما على كل من اراد كسب القلوب ان يلبس عباءه الدين وينادي بشعاراته , وهذا ما فعله بالضبط ضباط المخابرات العراقية حيث لبسوا عباءه الدين وامتطوه وتغلغلوا في الجماعات الاسلامية التي نشأت لمقاومة المحتل الأمريكي وعلى رأسها جماعة التوحيد والجهاد والتي كانت بزعامة ابومصعب الزرقاوي حيث وجدوا فيها بيئة خصبة للتطرف الذي لا يعرفون الا هو عبر تاريخهم .

فقد كانوا متطرفين حين كانوا ضباط مخابرات , لقد عذبوا الناس وقتلوهم وسرقوهم وقمعوهم باسم القومية العربية وبعدها بقي الحال بالنسبة لهم على ما هو ولكن القتل والسرقة والقمع صار باسم الدين والاسلام بدلا من اسم القومية العربية . لقد تطرفوا في عودتهم للدين وتوبتهم عن تطرفهم باسم القومية , فهم متطرفون بالفطرة أسرتهم بذرة التطرف والمخالفة فصاروا بيئة خصبة بدورهم لدول اقليمية تستخدمهم في سبيل اجنداتها الخاصة .

فبدلا من مقاومة المحتل الأمريكي بدأوا يقاوموا باقي الفصائل المقاتلة في العراق بحجج واكاذيب عن الخيانة والتعامل مع الامريكان تارة وتارة اخرى بحجج التوحد , فكذبوا وساقوا الاتهامات وكفروا الناس واستباحوا دمائهم واموالهم تماما كما فعلوا دوما بعباءه القومية . وهذا بالضبط ما كان يخدم المحتل الامريكي ودول اقليمية اخرى وكانت قصة صناعة الدواعش وتقويتهم ودعمهم التي انتهت الى ما انتهت اليه .

وايران وامريكا ليست الدول الوحيدة التي استثمرت اسهما في الدواعش الذين باتوا لاحقا كشركة تعج بالمخابرات من كل دول العالم ولكل جهاز مخابرات اسهم بها يحاول ان يسيرها لصالح اجنداته. من المقدمة السابقة فإننا يمكننا تعريف الدعشنة عن انها سلوك وليست فكر ومنهج .

هي سلوك متطرف يقود صاحبه للتطرف والغلو بغض النظر عن البيئة التي هو بها وبغض النظر عن الشعارات والادبيات التي ينطلق منها , فهو كالطفيلي يدخل البيئة ويتأقلم معها ثم ينقلب عليها ويتطرف بها , فان كان في بيئة اسلامية فسوف يصبح متطرفا اسلاميا وان كان في بيئة علمانية فسوف يصبح متطرفا علمانيا وان كان في بيئة مسيحية فسوف يصبح متطرفا مسيحيا .

بل ان الداعشي المتطرف اسلاميا قد يتحول الى متطرف مسيحيا او علمانيا ان تحولت البيئة العامة التي من حوله , فقد سبق ان هرب الكثير من منتسبي داعش في سوريا الى اوروبا مع موجة اللجوء  وهناك اصبحوا متطرفين لكن في الطرف الاخر بل بعضهم غير دينه وبالتأكيد تطرف بدينه الجديد . وليس المدعو حسان الحسين الشاب السوري الذي كان قاضيا شرعيا في داعش ثم تنظيم القاعدة بفرعها جبهة النصرة والذي هاجر الى اوروبا واعتنق الديانة المسيحية هناك هو الحالة الوحيدة ولكنها احد الحالات الاشهر .كما ان سيرة هجرة الاوربيين والامريكيين الى سوريا وانتسابهم لداعش تعج بالمتطرفين المسيحيين والعلمانيين واللادينيين الذين اعتنقوا الاسلام وتطرفوا به ايضا , فهذا يتحول من مغني راب الى داعشي فجأة وذاك يتحول من مسيحي متعصب لداعشي بين ليلة وضحاها .

وبالأمس القريب طل علينا داعشي اخر ولكن في الطرف الاخر , وباسم الدين ولكن الدين المسيحي , يحمل نفس بذرة التطرف والغلو وتحت شعار الصليب وانغام اغنية متطرفة عنصرية صربية , طل علينا ليرتكب واحدة من ابشع المجازر , حيث دخل على مسجدين للمسلمين في نيوزيلاندا وقتل العشرات من الركع السجود , اطفالا وشباب وشيوخ , قتلهم بدم بارد لا لسبب الا لانهم مسلمون وابناء مسلمين .

هذه المجرزة لم تكن الا امتداد لتلك الاغنية التي ارتكب السفاح مجزرته على انغامها , الاغنية التي تخلد وتمجد ذكرى ابشع المجازر والابادة الجماعية في العصر الحديث , حرب ابادة جماعية شنها الصرب الأرثودكس و الكروات الكاثوليك على مسلمي البوسنه والهرسك لا لشيء الا لانهم مسلمون واسفرت على مدر ثلاث سنوات 1992 – 1995 عن مقتل مالا يقتل عن 200 الف مسلم منهم 12 الفا في يوم واحد وتهجير مليونين منهم وحالات اغتصاب لأكثر من 60 الف مسلمة .

لقد تمت هذه المجزرة ايضا باسم الدين ولكن باسم الدين المسيحي , تماما كما فعل عضو اليمين المتطرف ارهابي نيوزلندا , فهم يحملون نفس البذرة الشيطانية التي يحملها الدواعش .وكما ان المتطرفون الاسلاميون لهم عمقهم التاريخي الذي يعود لذو الخويصرة والخوارج الاوائل فان المتطرفون المسيحيون لهم عمقهم التاريخي المتمثل بدواعش فرسان الهيكل ان صح تسميتهم وكبار متطرفي الحروب الصليبية على العالم الاسلامي .

ان الدعشنة والتطرف لا دين لها , فهي سلوك متطرف طفيلي يتغلغل في بيئة ما ويتأقلم معها ويسايرها ثم يحرفها لصالح شهواته وملذاته ولصالح بذرة التطرف المتغلغلة به , فيفسد البيئة كلها لاحقاً .

هل تصدق ان متحف الإنسان في فرنسا يحتفظ ب 18 الف جمجمة تعود لجزائريين تم قطع الجنود الفرنسيين رؤوسهم في حقبة الاستعمار الفرنسي للجزائر ؟ تتحدث الارقام عن اعداد مهولة من الجزائريين الذين قتلهم الجنود الفرنسيين بالسواطير والسكاكين وقطعوا رؤوسهم وتلذذوا بهذا كما تلذذوا بتصوريهم والاحتفاظ بهذه الذكرى .

ولكن هل يجب ان يكون اختلاف الدين طرفاً في المعادلة وسبباً في التطرف ؟

تاريخ التطرف يجيب على هذا ب لا , ليس فقط الدواعش الذين قتلوا ابناء دينهم وفرسان الهيكل الذين ازاحوا كل صليبي عارضهم وقتلوه بل ان هناك العديد من المجازر البشعة التي كان بها الجلاد والضحية من نفس الدين , حمل جلادها بذرة التطرف ولبس عباءه البيئة العامة المحيطة وتبنى شعاراتها .

فقد قتل خلال مئة يوم فقط من المذابح الجماعية في رواندا نحو 800 ألف شخص في عام 1994 على يد متطرفين من قبائل الهوتو الذين استهدفوا أفراد أقلية التوتسي بالإضافة إلى خصومهم السياسيين الذين لا ينتمون إلى أصولهم العرقية . لقد كانوا جميعا من نفس الدين ولكن سكنت بذرة التطرف بعضهم فكانت الابادة الجماعية بأبشع صورها .  المتطرفون هم جنود الشيطان يوزعهم بين الاديان والاعراق , يتطرفون في كل دين وعرق , ويكشفهم لنا السلوك الواحد والبذرة الواحدة والاسلوب الواحد في التعامل مع المخالف .