الخيانة العظمى

بقلم ياسر عبد العزيز

 

في ظل النظم الاستبدادية تبرز فكرة الخيانة بكل أنواعها، وعلى رأسها الخيانة العظمى، تلك التهمة الكفيلة بإيصال المتهم بها إلى حبل المشنقة بخطى ثابتة مفروشة باتهامات النيابة المملوءة بالكيدية وبحيثيات مسيسة إرضاء للحاكم المستبد، ومدفوعة بجوقة الإعلام صاحبة الدور الأبرز في شحن الجماهير، على طريقة حلبات المصارعة عند الرومان، والتي تطالب فيها الجماهير بالإجهاز على المتهم لتستمتع بدم الضحية تهدر، دونما حاجة للتثبت من تهمته. شريعة الغاب تلك، هي التربة الخصبة التي تنبت فيها أشجار الدكتاتورية، فالجهل والحماسة المبنية عليها دون تثبت أو توقف أو مراجعة، تحول الشعوب إلى غوغاء يستطيع بكل سهول ترويضهم.

لقد أثارت زيارة الفنانين عمرو واكد وخالد أبو النجا ذعر النظام المصري ودفع زبانيته من أبواق الإعلام، للتحرك سريعا لشحن الشعب تجاه الرجلين اللذين زارا الكونجرس الأمريكي لشرح الموقف الحقيقي من الأوضاع الحقوقية والتشريعية في مصر في ظل رغبة النظام في تعديل الدستور لتكريس حكمه المستبد وإطالة أمده، بل والسماح بتوريثه، وتحصين ذلك بمزيد من التضيق على حرية الرأي والصحافة، وهي الحالة الحقيقية التي تعيشها مصر، هذه الزيارة التي استوجبت إيقاظ نقيب الفنانتين من النوم لإصدار قرار أشبه ما يكون بأحكام محاكم التفتيش، التي لا تسمع متهم ولا تنظر في تهم، إنما تقضي بالإعدام تنفيذا لهوىً متبع بالرأي، وأرادت النقابة أن تجود قرارها، فأضافت في حيثياته أن الرجلان ارتكبا جريمة الخيانة العظمى.

هذه التهمة التي بنت عليها النقابة قرارها إنما تدل على جهل مركب، فالخيانة العظمى لا يتهم بها آحاد الناس بحسب فقهاء القانون، وبحسب ما نصت عليه الدساتير المتعاقبة لمصر. لكن حقيقة أزمة عمر واكد وخالد أبو النجا، أن ذهابهما للكونجرس أوجع بشكل كبير النظام، لاسيما وأن الملف الحقوقي لمصر ملف سيء جدا، وهو ما جعل وزارة الخارجية الأمريكية في تقريرها الأخير عن الحالة الحقوقية في مصر تصنفها على أنها سيئة إلى حد كبير ووضعت توصيات للنظام بتلافي هذه الانتهاكات وعلى رأسها الإعدامات والقوانين سيئة السمعة التي تشرعن انتهاك حرية الرأي والتي يضعها النظام لضمان إسكات المعارضين والناشطين، وهنا مكمن المشكلة، فالأزمة في حقيقتها تنقسم إلى قسمين القسم الأول يتعلق بحرية الرأي وما يستتبعه من ردود  فعل النظام عليه إذا ما مارس أحد هذا الحق، وهي ردود عنيفة لا يمكن ان يتصورها عاقل، تبدأ بالتوقيف والتعذيب والاعتقال وتلفيق القضايا والإخفاء القسري والقتل خارج إطار القانون والإيذاء في العمل بقطع الراتب أو إنهاء التعاقد والوضع على قوائم الإرهاب والإيذاء في الأهل باعتقال الأبرياء من أهل الناشط أو المعارض أو حرق ممتلكات أهله، وأخيرا “تقنين” تكميم الأفواه بالقانون الأخير الذي صدر لمواجهة (الشائعات)!.

أما القسم الثاني في تصوري لأزمة عمرو واكد وخالد أبو النجا مع النظام مما دفع الأخير لاتهامهما بالخيانة العظمى، تكمن في تنظيم عمل الحقوقي في مصر ونظرة النظام له، فالنظام يخلط بين الحقوقي والسياسي، ويحسب كل صيحة عليه، فالنظام يرى كل من يدافع عن الحقوق والحريات ويسعى لترسيخها ضمانا لحياة أدمية تكرم الإنسان وتحافظ على كرامته، هو خائن وعميل وأداة في يد الأعداء لهدم الوطن وانتهاك سيادته وتقويض نظامه، هذا الخطاب الذي صدّره العسكر بقيادة عبد الناصر منذ انقلاب 1952 ولازال نهجا يمشي عليه من تبعه بظلم إلى يومنا هذا، وهو خطاب تحريضي يحض على الكراهية وتخوين الآخر، ولقد كانت أشهر القضايا التي يطيب لي تسميتها بمذبحة المنظمات الحقوقية، على غرار مذبحة القضاة في الستينات، كانت القضية التي اشتهرت في حينها بقضية المجتمع المدني والتي اتهم فيها 37 منظمة مجتمع مدني بتهمة الاضرار بأمن الدولة بعد الانقلاب مباشرة، هذه التهمة التي لا تبعد كثيرا عن تهمة الخيانة العظمى.

أما الخيانة العظمى فهي تهمة تستحق، في الحقيقة، لمن خان القسم وخان الرئيس وخان إرادة الشعب الذي انتخب برلمانا ورئيسا وفوض ذلك الرئيس باختيار حكومة، فانقلب عليه أحد وزرائها بعد أن نسق، باعترافه، مع جهات أجنبية لتنفيذ هذا الانقلاب، فرفقا أيها الخائنون، فلا يستوي الخبيث والطيب، ولا يستوي من يعمل للمبادئ مع من يخونها.