ثورة ..وإن أنكر أصحابها

بقلم قطب العربي

سجل الحراك الجزائري قبل يومين مكسبا جديدا على طريق حلمه في التغيير الشامل للنظام والذي صدحت به حناجر المتظاهرين خلال الأسابيع الماضية (الشعب يريد إسقاط النظام)، المكسب الجديد هو دعوة قائد الجيش قايد صالح لتفعيل المادة 102 من الدستور الجزائري والتي تقضي بإعلان شغور منصب الرئيس، ونقل سلطاته لرئيس البرلمان، والدعوة لانتخابات رئاسية جديدة، وهو موقف متقدم لقائد الجيش المعين من الرئيس بوتفليقة، والذي ظل يدين بالولاء له حتى هذه اللحظة، والذي حاول ترويع المتظاهرين في البداية حين حذر مما وصفه بالفوضى، وحين أشار في كلمة له في الخامس من مارس بعد أسبوعين من الحراك أن بعض الأطراف الخارجية يزعجها أن ترى الجزائريين في أمن واستقرار، ويريدون لهم العودة إلى سنوات الألم والجمر، في إشارة إلى العشرية السوداء التي مرت بها الجزائر عقب انقلاب الجيش على نتائج الانتخابات البرلمانية التي منحت الجبهة الإسلامية للإنقاذ أغلبية نيابية من جولتها الأولى نهاية العام 1991، كما أن قائد الجيش سبق أن حذر في 26 فبراير مما وصفه بنداءات مشبوهة ظاهرها التغني بالديمقراطية وباطنها جر هؤلاء المغرّر بهم إلى مسالك غير آمنة بل غير مؤمنة العواقب”!!!.

قبل 3 أيام من مليونية جديدة في الجمعة السادسة للحراك خرج قائد الجيش بما وصفه بالحل الدستوري، لكن هذا الحل وإن كان يمثل تقدما على طريق تحقيق مطالب الحراك في تغيير شامل للنظام، إلا أنه يظل حلا منقوصا، لا يلبي كامل مطالب الشارع الذي لا يقبل أقل من خلع كل رموز النظام بمن فيهم رئيس البرلمان عبد القادر بن صالح الذي ستؤول إليه السلطة بموجب حالة الفراغ الدستوري، فهو واحد من أبرز رموز عهد بوتفليقة الذين شاركوا في إفساد الحياة السياسية، وتثبيت الديكتاتورية، والذي يمكنه حال توليه المسئولية المؤقتة التلاعب مجددا بإرادة الجماهير والالتفاف عليها مع بقية العصابة الحاكمة. هي ثورة ( بمقاييسنا العربية) وإن لم يسمها الجزائريون بذلك لحسابات عندهم، فالثورات ترتبط عادة بالقتل والدماء، والجزائريون لم ينسوا دماء مائة ألف أو يزيد في العشرية السوداء، ولا يريدون لتلك المناظر أن تتكرر، والجزائريون لايزالون يعتبرون أن الثورة هي ثورة التحرير فقط، ويرغبون في الحفاظ على هذه الرمزية لها وفاء لدماء مليون شهيد، والجزائريون وعوا دروس ثورات الربيع العربي المغدورة ولا يريدون أن يثيروا حفيظة مراكز الثورة المضادة القوية ضدهم مبكرا، لكن المتابع لتطورات الحراك الجزائري يدرك على الفور أنها أخذت المسار ذاته للثورة المصرية مثلا، والتي بدأت بمطلب بسيط أقل من مطالب الجزائريين، وهو التخلص من وزير الداخلية حبيب العادلي، ولذا فقد خرجت أولى مظاهراتها يوم 25 يناير، والذي كان يناسب عيد الشرطة للاحتجاج على مظالم الشرطة بحق الشعب، ولو أن الرئيس المخلوع حسني مبارك أقال وزير الداخلية خلال الأسبوع الأول للثورة فلربما قنع المتظاهرون بذلك، بل لربما انقلب بعضهم دعما لمبارك، لكن غباء مبارك وحاشيته ساهم في رفع المطالب وظهور هتافات “الشعب يريد إسقاط النظام”، وعندما ضحى النظام بوزير الداخلية وقبض عليه وحبسه لم يقنع ذلك المتظاهرين، وتصاعدت مطالبهم فتم التضحية بالحكومة كلها، وتعيير رئيس وزراء جديد، وتعيين نائب لرئيس الجمهورية ولكن كل ذلك لم يعد مقبولا من الثوار حتى أعلن مبارك نفسه تنحيه عن السلطة يوم 11 فبراير 2011، وهذا المشهد يتكرر الآن في الجزائر، بدءا من تهديد قائد الجيش للمتظاهرين، واستحضار لمخاوف العشرية السوداء، ثم محاولته استرضائهم بادعاء أن الجيش والشعب على خط واحد، ثم بدفع الرئيس بوتفليقة لإعلان عدم تقدمه للعهدة الخامسة، والتي كانت هي المطلب الأساسي للمتظاهرين في الأسابيع الأولى، ثم أخيرا في طلب قائد الجيش لإعلان شغور منصب الرئيس والاستعداد لانتخابات جديدة خلال بضع شهور، ثم الرضوخ المتوقع لكامل مطالب الثوار خلال الأيام المقبلة.

التطور الطبيعي للحراك والمكاسب التي يحققها مع الوقت سيفضي في النهاية إلى جمهورية جديدة بمقاييس ديمقراطية، وهذا ما يتم الإلحاح عليه من المتظاهرين والقوى السياسية الآن، والرئيس بوتفليقة الذي لا يزال حتى لحظة كتابة هذه الكلمات متمتعا بسلطات الرئيس الدستورية يستطيع ان ينهي حياته نهاية سعيدة تخلد ذكراه، وذلك بالتنحي طواعية، ونقل سلطته إلى مجلس رئاسي اقترحته المعارضة، أو والدعوة لانتخابات رئاسية عاجلة (خلال الشهر المتبقي له في الحكم) تتوفر لها كل ضمانات النزاهة، لينتقل الحكم منه إلى رئيس جديد بشكل مباشر دون المرور بفترة انتقالية، وفي حال التمسك بالحل الذي طرحه قائد الجيش فإن بإمكان الرئيس بوتفليقة إصدار قرار عاجل بتعيين رئيس جديد للمجلس الدستوري وآخر لمجلس الأمة الذي ستنتقل إليه صلاحياته في الفترة الانتقالية، على ان يكون الرئيس الجديد مقبولا من الشارع الجزائري، وأيضا تأسيس لجنة وطنية مستقلة للانتخابات وتعديل قانون الانتخابات، وإصدار للمراسيم التي تضمن تحرير العمل السياسي. تدخل قائد الجيش – والذي يتبوأ أيضا منصب نائب وزير الدفاع الذي هو بوتفليقة شخصيا- بما وصفه بالحل الدستوري يؤكد الحضور القوي للمؤسسة العسكرية في المشهد السياسي الجزائري، وهو حضور لا ينكره أحد، وإن تركزت المطالبات على اقتصار هذا الحضور على مرافقة الوصول إلى الحل السياسي والتوافق الوطني والمحافظة على الدولة، ويبدو أن الجيش الذي لا يختلف كثيرا في تركيبته عن جيوش عربية كبرى مثل الجيش المصري لا يريد أن يتخلى عن مكاسبه في إدارة شئون البلاد ولو بطريقة غير مباشرة كما كان يفعل من قبل، لكنه في الوقت نفسه حريص على تجنيب الجزائر مجازر جديدة كالتي حدثت خلال العشرية السوداء، وناله قدر منها، وهذا ما يفسر تطور موقف قائد الجيش مع صمود الحراك الذي لم يأبه بتحذيراته وتهديداته