حرب باردة جديدة؟ نعم هي كذلك

بقلم الدكتور إبراهيم نوار

الآن أصبح الحديث عن الحرب الباردة الجديدة، حديثا عن حقائق، وأمرا واقعا، ومعطيات، ومحددات تحكم العلاقات الدولية، في هذا العصر الذي نعيشه، عصر الاضطراب العالمي.

الحرب الباردة تعبر عن نفسها بجلاء كل يوم، خصوصا منذ أعلن رئيس الولايات المتحدة دونالد طرامب الحرب التجارية على النظام العالمي القائم، وعلى ظاهرة العولمة.

طرامب بإعلانه الحرب التجارية على دول العالم، خصوصا الصين، وعلى قواعد النظام العالمي خصوصا حرية التجارة، يؤكد خوف الولايات المتحدة من المنافسة مع الصين، ويؤكد أن السياسة الخارجية للولايات المتحدة حاليا، تسير في عكس اتجاه التاريخ. هذه سياسة تندفع إلى الوراء للعودة إلى القومية الشوفينية (أمريكا أولا) ، وإلي الحمائية التجارية، وإلي “مرمغة” كل القيم، التي ناضلت من أجلها الإنسانية، وحققتها بعد أن دفعت ثمنا باهظا.

الحرب الباردة الأولى، التي شهدها العالم وقعت في النصف الثاني من القرن العشرين، بعد نصف قرن شهد حربين عالميتين. وإمتدت الحرب الباردة الأولى منذ العام 1946 حتى العام 1990. وخلالها تصارع القطبين الكبيرين، الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، مستخدمين كل وسائل القوة، باستثناء القوة المسلحة فى مواجهة كل منهما للآخر.

وقعت الحرب الباردة الأولى في ظل نظام قطبية ثنائية واضح جدا، كان يعكس تناقضا صارخا بين أيديولوجيتين نقيضتين، الرأسمالية والإشتراكية، وبين نظامين مختلفين تماما سياسيا واقتصاديا. كذلك شيد كل من القطبين تحت قيادته نظاما متكاملا للتعاون المتبادل والدفاع المشترك. وجرت (المباراة السلمية)، حسب مصطلح خروتشوف، على كل المستويات، من صناعة السيارات إلى صناعة سفن الفضاء. وكانت نتيجة الحرب، هي ما شهدناه منذ سقوط سور برلين، والذي جسد هزيمة كبرى للمعسكر الإشتراكي كمنظومة دولية، وللإتحاد السوفييتي كدولة.

لكن الحرب الباردة الجديدة، تجري في مناخ عالمي مختلف تماما، عن ذلك الذي ساد بعد الحرب العالمية الثانية. ليست هناك قطبية ثنائية، ولكن لدينا نظام دولي متعدد الأقطاب، شاءت الولايات المتحدة أم لا. ولدينا تقسيم جديد للعمل من خلال سلاسل القيمة والتبادل، يجمع داخله دولا اشتراكية (مثل الصين وفيتنام) مع دول رأسمالية (مثل اليابان وكوريا الجنوبية وألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة). وهذا التقسيم الجديد للعمل الدولي يرتكز على وحدات أساسية هي الشركات المتعددة الجنسية وليس الدول. كذلك فإن نظام العولمة القائم، يعمل من خلال مؤسسات وآليات وترتيبات عالمية متعددة الأطراف، نشأت وتطورت وتم القبول بها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى الآن.

هذا التشابك الإقتصادي، لم يكن موجودا في ظل انقسام العالم إلى معسكرين متناحرين، في النصف الثاني من القرن العشرين. لهذا فإن طرامب ومستشاريه يريدون تقويض النظام العالمي القائم، بغرض إقامة نظام جديد تقوده مجموعة من “الرجال الأقوياء” كما يردد طرامب. إن ما يريده طرامب هو “عصابة أشرار” تخرب العالم وتدمر النظام القائم، لإنشاء عالم جديد تحت سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية.

ولا يدرك طرامب، وأظنه لن يدرك، أن منحنى قوة الولايات المتحدة قد وصل إلى ذروته، ودخل مرحلة الهبوط، وذلك على العكس من الصين، التي لم يصل منحني قوتها إلى الذروة بعد. ببساطة الولايات المتحدة دخلت مرحلة (ذبول القوة)، في حين أن الصين بدأت طريقها إلى الصعود. وهذا هو الموضوع الرئيسي للصراع في الحرب الباردة الجديدة. خوف الولايات المتحدة من فقدان مكانتها التي تمتعت بها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

طرامب ما يزال يرى أن الولايات المتحدة هي سيدة العالم، وأنها يجب أن تظل كذلك، فأعلن الحرب على العالم، ولم يسلم حلفاؤه من شرر الحرب التي يستهدف بها الصين في الأساس.

ويرى طرامب ومعاونوه ما يطلقون عليه “التهديد الصيني” على أكثر من جبهة، ومن ثم فإن الحرب الباردة ضد الصين تجري أيضا على أكثر من جبهة. ومن أهم المؤشرات التي تنظر إليها الولايات المتحدة على أنها مصادر للتهديد من جانب الصين ما يلي:

الصين تملك أقوى قوة عسكرية برية في العالم،

وهي صاحبة ثاني أكبر ميزانية عسكرية في العالم،

وتملك ثالث أكبر قوة جوية في العالم، وتقوم بتطوير طائرات متقدمة بتكنولوجيا محلية، لاغراض الدفاع المحلي والتصدير،

وتقوم بتطوير سلاحها البحري بسرعة فائقة ، ونجحت في إنتاج حاملة طائرات محلية ،

صعدت إلى الفضاء ، وأرسلت سفينة إلى سطح القمر مصنوعة بتكنولوجيا محلية،

بدأت تسعى لإقامة قواعد عسكرية في الخارج (قاعدة جيبوتي)، كما تتوسع في الحصول على تسهيلات في الكثير من الموانئ، وامتلكت شركاتها حصصا في 13 ميناء في أوروبا، وأنشأت العديد من الجزر الصناعية في بحر الصين الجنوبي للتحكم في حركة الملاحة،

تتبنى استراتيجية اقتصادية توسعية لربط الصين بالعالم من خلال مبادرة الحزام والطريق BRI

تملك نفوذا متزايدا في سوق المنتجات التكنولوجية المتقدمة في مجالات الإتصالات، وتكنولوجيا المعلومات، والطاقة الشمسية ، والسيارات وأجهزة الذكاء الإصطناعي وغيرها،

قادرة على المنافسة لدرجة أنها تحولت فعلا إلى “مصنع العالم” في فترة قصيرة زمنيا،

تستخدم فوائضها المالية من أجل إقراض الدول التي تستهدفها ثم تقتنصها عندما تقع في “مصيدة الديون” كما وصفتها الولايات المتحدة

وفي مواجهة هذه التهديدات، يشن طرامب حربا شرسة على الصين في مجالات التجارة (رفع الرسوم الجمركية)، والتكنولوجيا (حظر نشاط الشركات الصينية مثل هواوي)، العلوم (تقليل عدد الطلاب الصينيين في الجامعات الأمريكية بحجة انهم جواسيس)، إضافة إلى استخدام كافة مقومات القوة الناعمة، وتحريض حلفاء الولايات المتحدة ضد الصين في هذه المجالات وغيرها. وفوق كل ذلك يحاول طرامب استعارة الأداة التي ابتكرها رونالد ريجان ودمر بها الاتحاد السوفييتي الا وهي سباق التسلح.

وأعتقد أن انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة القوى النووية المتوسطة المدى اعتبارا من أول فبراير الماضي، يمثل خطوة ضد الصين على هذا الطريق. القرار ليس موجها ضد روسيا فقط.

لكن الحرب الباردة الجديدة لا تقتصر فقط على الصراع بين الولايات المتحدة والصين للهيمنة على العالم. هذه الحرب إتسعت رقعتها، لتشمل إيران وروسيا والإتحاد الأوروبي. وفي تقديري أن قضية خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي تمثل علامة من علامات الحرب الباردة الجديدة، وأظن أن كلا من الولايات المتحدة وروسيا ضالعتان فيها، وأنه قد تم هندستها بعناية has been carefully engineered عن بعد.

الولايات المتحدة سوف تواجه مقاومة شديدة من الإتحاد الأوروبي، فيما يتعلق بالتحريض ضد الصين وروسيا وإيران. وقد شهدنا حتى الآن خلال الزيارة التي يقوم بها الرئيس الصيني إلى أوروبا ، حفاوة الإستقبال الأوروبي له، والصفقات التي عقدها في روما وفي باريس، وامتداد مبادرة الحزام والطريق من آسيا وأفريقيا إلى أوروبا رسميا. في الحرب الباردة الأولى لم تكن الأمور على هذا الشكل. كانت واشنطن تأمر وكان على الآخرين طاعتها not any more..

الولايات المتحدة لا تحاول احتواء الصين، وإنما تتعمد استفزازها وإشعال العداء معها. هذا أدى إلى خلق حالة من عدم الثقة بين الصين والولايات المتحدة. وهذا ما سيؤدي إلى دعم اتجاه الصين لتطوير تكنولوجياتها المتقدمة المستقلة بسرعة، لمواجهة حرب التكنولوجيا، وإلي تعزيز قوة الطلب المحلي لتوسيع سوق المنتجات الصينية محليا، اعتمادا على طبقة وسطى ضخمة وواعدة، وإلي تطوير قوتها العسكرية بسرعة لتصبح القوة العسكرية الأولى في العالم. وبذلك تسقط كل الخيارات الأمريكية الحالية للحرب الباردة ضد الصين.

الولايات المتحدة، أقوى دولة في العالم حتى الآن، دخلت فعلا في مرحلة “أفول القوة” ، بينما الصين تصعد إلى أعلى بثقة، وعندما تبلغ القمة في منتصف القرن الحالي على أقصى تقدير، ستجد الولايات المتحدة نفسها في عالم جديد، إما أن تعترف به وتتلاءم معه، وإما أن تنتحر.
(نقلا عن صفحته)