لماذا تجب مواجهة “التعديلات الدستورية”؟

المعتقل جمال فضل عضو حزب الدستور المعتقل جمال فضل عضو حزب الدستور

 

بقلم د محمد مجسوب

 

إدراك الواقع شرط للفتوى، أما القفز عليه فيورث الخلط والخرط.

الواقع أن النظام الدولي لا يعرف شرعية انتخابية للحكومات، إنما يتعامل مع الحكومات ولو كانت انقلابية طالما فرضت سلطتها، ولا تهتم لتلك الشرعية التي تفشل في ذلك.

فالنظام الدولي ليس واحة ديموقراطية، بل حلبة صراع يفرض فيها القوي قواعد اللعبة التي تسمى القانون الدولي.

هذا الأخير هو تعبير عن إرادة الدول نفسها التي من المفترض أن تخضع له.

وعند التدقيق نكتشف أنه تعبير عن توازن مختل في العلاقات الدولية. فهو في النهاية تعبير عن إرادة الدول المهيمنة على هذا النظام.

ما علاقة تلك المقدمة بالموقف من “التعديلات الدستورية” ؟

يجب أن لا نسقط في فخ العناوين، ففي السياسة تختبئ المصائب الكبرى خلف عناوين براقة.

فنحن أمام كارثة تعيد الدولة المصرية إلى ما كنت عليه في الفترة من 1882 حتى 1919، من حيث وضعها تحت حماية قوة أخرى أيا كانت، سواء قوى مالية أو عسكرية، إقليمية أو دولية، لكنها تبقى تحت الحماية ربما تجري على أرضها حروب لا علاقة بها، وتشارك في مؤامرات لا صلة لها بمصالحها، وتدفع ثمن شجار الآخرين. بينما يبقى شعبها مكبل الأيدي ومعصوب العينين، لا يرى إلا ما تريد القوى المتسيدة عليه أن يراه.

تذكروا أنه في تلك الفترة اعتقد الناس بالفعل أن “هوجة عرابي” هي التي أسست لكل الفقر وقلة القيمة والانهيار الذي عاشته مصر في تلك الفترة.

لم يجرؤ أحد – حتى النخبة – أن يسميها ثورة أو أن يسند ذلك البلاء للاحتلال، حتى هجاها وهجاه أحمد شوقي قائلا:

صـَغـار في الذهـاب وفي الإيابِ *** أهــذا كـــل شــأنك يـا عرابي؟

عفـا عــنك الأبـاعد والأداني *** فمـن يعـفو عن الوطـن المصـابِ؟

لسنا أمام نكتة، بل تاريخا عاشه شعبنا، ويمكن أن يعيشه مرة أخرى لو مرت تلك التعديلات الدستورية.

 

وبالتالي فإن عدم الاشتباك في معركة ما يسمى التعديلات الدستورية يسمح للسلطة بأن تستمر في بناء “المحمية” التي سيصبح فيها الحديث عن الحرية والكرامة والعدل ضربا من الكوميديا السوداء أو الدراما الهزلية.

كما إن وضع تلك التعديلات في إطار أنها تعديلات على دستور 2014 هو جريمة لا تُغتفر، لأن المستهدف بالتعديلات هو أحكام أجمع عليها الشعب وثار لأجل إقرارها ولم يستحدثها دستور 2014.

ووضعها في إطار أنها إقرار بشرعية السلطة هو نوع من السفسطة إذا أخذنا في الاعتبار أن العالم كما أشرنا إنما يتعامل مع الحكومات الفعلية لا الحكومات الشرعية.

أما المقارنة بين الاشتباك مع معركة هذه التعديلات الباطلة والمشاركة في الانتخابات الرئاسية الصورية التي جرت في 2014 ، فهو استخفاف عير مقبول بالعقول، لأن سرقة السلطة لا يجب أن يستتبعه إقرار الضحية بأن المسروقات أمست ملكا للسارق.

سيبقى السارق سارقا في عيون كل من يراه.

المشكلة أن التعديلات الدستورية تسمح للسارق بأن يرتدي رداء الضحية ويظهر بمظهر المالك، بينما أن الضحية ستكون في قفص الاتهام باعتبارها متهمة بأن لديها نية سلب الحق من أصحابه.

لا يجب التعويل على أن الشعب سيقاطع بشكل منطقي وكما أثبتت تجارب ستين سنة سابقة، وبالتالي سيقول العالم أننا قاطعنا. فتلك مخاطرة يتمناها كل مستبد، لأنه يمتلك الأدوات التي تُظهر قدرا من إظهر حضور يكفي لستر عورته. كما إن غياب الروح الواحدة والصف الوطني الواحد سيترسخ في ضمير الشعب وفي ذهن العالم، وهو ما سيجعل يد السلطة طليقة أكثر في ارتكاب ما كان يصعب تصوره قبل عبورها جسر التعديلات الدستورية.

كما إن القوى السياسية التي تعتمد على يأس شعبها من التغيير، ومن ثم تُراهن على بقائه في بيته، عوضا عن استفزازه للخروج لا تستحق أن تمثل شعبا ولا أن تكون صوتا له.

كما إن التزوير المؤكد للإرادة الشعبية، لا يجب أن يثنينا عن الاشتباك مع الحدث، فهي الفرصة الأولى منذ 2012 التي يُمكن فيها إعادة الوعي بقضية الحريات وأهمية قيم مثل مدنية الدولة والفصل بين السلطات والتزام الجيش بواجباته دون تدخل في الشأن العام، وتأقيت السلطة وتفعيل المحاسبة.

هذه الفرصة تحوط بها عناصر إيجابية لا حصر لها، منها أن تراث ثورة يناير لم يغب بعد، وأن من شارك فيها من الشعباب العشريني لازال بين الثلاثين والأربعين من أعمارهم، ويحملون روح التحدي التي نبتت في يناير.

وبالتالي فإن الحديث عن الحرية وأهمية الديموقراطية واحترام القيم الدستورية الكبرى التي لا يجوز لحاكم أن يمسها، ستكون لغة معقولة ومقبولة عن ملايين الشباب، وهو الأمر الذي سيتبدل بعد عشر سنين مثلا، فيما لو تركنا المهمة وفضلنا المتابعة بديلا عن التفاعل.

كما إن أجواء المنطقة ومشاهدات الشعوب التي تنتفض من حولنا رفضا لتعديلات دستورية مشابهة ولمد رؤساء مدد حكمهم كما يجري في بلادنا، هو وازع إضافي يجعل الكفة تميل لصالح أولئك المتمسكين برفض مد فترات الرئاسة وضررورة التغيير ورفض تنصيب أي مؤسسة وصية على الدستور، لأن الدستور ليس له مالك إلا الشعب ولا يحرسه إلا الشعب نفسه.

أما عن القدرة على التأثير والضمانات وغيرها فهي قضية تأتي لاحقا بعد بناء جسور التواصل مع الشعب، وإعادة ترتيب الأولويات والنجاح في إقناع من لم يقتنع أن النظام السياسي الصحي هو الذي يُمكنه أن يوفر الرخاء للشعب، بينما الاستبداد لا يمنح سوى الدعاية بأنه ليس بالإمكان أفضل مما كان، وأنه هو الساحر الذي يمنح ويمنع.

نحن أمام اختبار مهم، فإما أن يرتفع الجميع للدفاع عن قيم كافح لأجلها الشعب عشرات السنين، ونجح في وضعها نصوصا دستورية بين دفتي الدستور منذ 2012، أو أن نترك الامر يمر وكأنه لا يعنينا، فنرسل رسالة لشعبنا وللعالم بأننا لا نكترث، وأن الذين ضحوا لبناء دولة مدنية حرة أصبحوا اليوم مهتمين بقضايا نظرية لا علاقة لها باهتمامات الشعب ومعاناته.