مصر والجزائر.. ثورة وفوبيا وأمل

بقلم قطب العربي

 

حين تصاعدت عمليات الحرق والتخريب التي نفذتها مجموعات مخابراتية بواجهة شبابية مثل ” البلاك بلوك” وغيرها في مصر أواخر حكم الرئيس مرسي  بهدف توتير الأوضاع وصناعة غطاء لانقلاب الجيش عليه كتبت حينها في إحدى الصحف اليومية مقالا بعنوان “إلى جزائر التسعيينات يأخذوننا”، استحضرت خلاله انقلاب الجيش الجزائري على التجربة الديمقراطية عام 1992 وإلغاءه نتائج الانتخابات البرلمانية التي منحت الجبهة الإسلامية للإنقاذ أغلبية كاسحة من الجولة الأولى (188 مقعدا من إجمالي 232) بينما لم يحصل الحزب الحكام(جبهة التحرير سوى على 16 مقعدا في أول انتخابات ديمقراطية بعد الانفتاح السياسي الذي أطلقه الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد عقب انتفاضة الجزائرين في العام 1988، والتي أنتجت دستورا جديدا فتح الباب لتعددية حزبية ولعملية ديمقراطية تنافسية، ومن المفارقات أن عبد الفتاح السيسي حذر عقب أحداث الاتحادية في ديسمبر 2012 حين كان وزيرا للدفاع (حسب تسريب بثته الجزيرة)من تدخل الجيش في العمل السياسي حتى لا يكرر مأساة الجزائر، وبعد 6 أشهر فقط من التحذير أدخل مصر في المأساة من أوسع أبوابها.

عاشت الجزائر بعد انقلاب الجيش على التجربة الديمقرطية الوليدة عشر سنوات عجاف قتل فيها ما يقارب مائتي ألف جزائري مدني أو عسكري، ولم تلتقط البلاد أنفاسها  إلا بعد إقرار سياسة الوئام المدني والمصالحة الوطنية التي تضمنت عفوا عاما، وأعادت فتح الطريق للمنافسة السياسية المحدودة، وإن ظلت الجبهة الإسلامية محرومة من العودة للحياة السياسية حتى الآن.

الدماء الغزيرة التي سالت في الجزائر خلال تلك العشرية السوداء، سال مثلها في مصر عقب انقلاب الثالث من يوليو 2013 وحتى الآن، فبالاضافة إلى دماء آلاف المعتصمين السلميين في رابعة والنهضة والحرس والمنصة والمتظاهرين السلميين في رمسيس والدقي والإسكندرية والسويس وبقية محافظات مصر، فإن دماء المدنيين والعسكريين لم تتوقف عن النزف في سيناء حتى الآن، ولكن المؤكد بشكل عام أن أرقام القتلى في مصر هي أقل من نظيرتها في الجزائر لسبب رئيسي هو حفاظ القوة الرئيسية المناهضة للانقلاب على سلمية مقاومتها، ونقصد بها هنا جماعة الإخوان، والتي اطلق مرشدها صيحته المدوية من فوق منصة رابعة “سلميتنا أقوى من الرصاص”، ورغم حدوث بعض الاستثناءات إلا أن الجماعة تمكنت سريعا من إعادة ضبط الحراك في سياقه السلمي.

مثلت العشرية السوداء “فوبيا” للجزائريين طيلة السنوات الماضية خشية تكرار رعب ودماء التسعينات، ولكن الجيل الجديد من الشباب الجزائري الذي لم يحضر تلك العشرية استطاع تجاوز هذه”الفوبيا” التي كان أركان النظام يلوحون بها دوما في وجه أي دعوات للتغيير والإصلاح، وخرج ألاف الجزائريين إلى الشوارع رافضين للعهدة الخامسة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي يعاني أمراضا تمنعه من مباشرة عمله، ونزع الجزائريون من كبار السن الذين عاصروا أحداث التسعينات “فوبيا”العشرية السوداء، وانضموا لحراك الشباب، وهو ما أربك حسابات المؤسسة الحاكمة (جنرالات وبعض المدنيين)، واضطرت تلك المؤسسة الحاكمة لتقديم تنازل للشعب الجزائري بوقف انتخابات العهدة الخامسة وتنازل بوتفليقة عن الترشح مع تمديد فترة حكمه لمدة عام تجري خلاله ندوة حوار وطني تنتج دستورا جديدا تجري على أساسه انتخابات رئاسية جديدة، والهدف المستتر من هذا التمديد هو تمكين هذه الطغمة الحاكمة من تريب أوراقها، وتجهيز مرشح يمثلها، ويحفظ مصالحها بعد غياب بوتفليقة، لكن الشعب الجزائري لم يقنع بهذا التنازل حيث ارتفع سقف المطالب بالدعوة إلى إسقاط النظام بشكل كامل وليس رأسه فقط.

تصلب الشعب الجزائري ورفع سقف مطالبه أربك المؤسسة الحاكمة بشقها العسكري وتابعه المدني، فخرجت تصريحات متضاربة لقائد الجيش بدأت بتهديدات رفضها الشعب، وأجبره على تغيير لغته، ثم قام نائب رئيس الحكومة الجديدة بزيارة روسيا طلبا لدعم القيادة الروسية، وهو ما حدث فعلا عبر تصريحات وزير الخارجية الروسي  الداعمة لخارطة الطريق التي أعلنها الرئيس بوتفليقة وهو ما عده الجزائريون تدخلا روسيا غير مقبول في بلدهم، وواصلوا مظاهراتهم لاستكمال تحقيق مطلبهم بإسقاط كل رموز النظام.

هكذا تحولت الجزائر من “بيت رعب” تلوح به الأنظمة العسكرية والديكتاتورية لشعوبها الحالمة بالحرية والساعيية للتغيير، إلى “ملهم جديد” لهذه الشعوب الحالمة، بعد حالة الإحباط التي عمت المنطقة نتيجة هزيمة أو تعثر ثورات الربيع العربي في مصر وسوريا واليمن، وقد ساعد على عودة الأمل أيضا حراك الشعب السوداني طلبا للتغيير، والذي نجح حتى الآن في إجبار الرئيس البشير على وقف تعديل الدستور بما يسمح له بالترشح مجددا.

حين وقعت انتفاضة الجزائر عام 1988 أجبرت الرئيس الشائلي بن جديد على إدخال تغييرات واسعة سمحت بتعديلات دستورية وبتأسيس أحزاب بينها أحزاب إسلامية، وصولا إلى إجراء انتخابات بلدية تبعتها انتخابات برلمانية فازت الجبهة الإسلامية في كلتيهما، في الوقت ذاته كانت مصر تشهد انفتاحا سياسيا سمح بدخول حوالي مائة نائب معارض لبرلمان 1987، وازدهر العمل السياسي والنقابي والطلابي، وحين وقع الإنقلاب على الجبهة الإسلامية في الجزائر عام 1992 تبعه تحول مصري من سياسة الانفتاح إلى القمع التي بلغت مداها في العام 1993 بقتل عدد من قيادات وكوادر الجماعة الإسلامية على رأسهم الدكتور علاء محيي الدين المتحدث الرسمي باسم الجماعة في ذلك الوقت، كما تبع ذلك فتح سلسلة للمحاكمات العسكرية لقيادات الإخوان بدءا من العام 1995.

اليوم حين يعود الشعب الجزائري إلى الشارع في ثورة عارمة، حققت بعض المكاسب ولا تزال في مسعاها لتحقيق ما تبقى، وحين يخرج الشعب السوداني طالبا التغيير ويحقق بعض المكاسب أيضا فإن ذلك ينعكس حتما ولو معنويا على الشعب المصري المتطلع للتغيير، والذي عانى كما الجزائريين والسودانيين فوبيا “الحرب الأهلية” التي روج لها النظام عبر أذرعه الإعلامية والثقافية والسياسية والأمنية، ثم هاهي “الكذبة” تنهار في الجزائر والسودان، وها هو الشعب المصري نفسه يكسر حاجز الخوف متجاوبا مع مبادرة بسيطة أطلقها الإعلامي معتز مطر بعنوان”اطمن انت مش لوحدك” وهو بذلك يثبت أنه جاهز للتجاوب مع أي مبادرة أخرى تقدم له خارطة طريق واضحة..