صعود الشعبوية في أوربا

بقلم د تقادم الخطيب

 

الأسبوع الماضي ولمدة ثلاثة أيام متواصلة حضرت سيمنارا عن صعود الشعبوية، في إطار اهتمامي الشخصي والأكاديمي بدراسة تصاعد اليمين المتطرف في أوروبا خاصة منه في ألمانيا (لأنني أراها حالة منفردة عن بقية أوروبا)، وآلياتها والأسس التي تتكأ عليها،والمجموعات التي تتكون منها، أحد المحاضرين ولمدة يومين كان Christian Weißgerber,، العضوالسابق فيما يطلق عليه النازيين الجدد في ألمانيا، وواحد من المشهورين الذين خدموا في الجيش الألماني حينما كان يعتنق تلك الأفكار. قدم Christian وصفا في غاية الدقة للأفكار التي تعتنقها تلك المجموعات، وكيف تنشر أفكارها وما هي الأسس التي تتكأ عليها.

باختصار قال: إن هذه المجموعات مشغولة بإعادة تأويل التاريخ مرة أخري، وتقف عند اللحظات التي انتصر فيها الرجل الأبيض (بالنسبة لألمانيا الرايخ الألماني بحقبه التاريخية المختلفة)،وهناً يطل الرأس الكولونيالي مرة تانية برأسه؛ تجليات هذا الأمر أقرب لما هي عليه الأمر بتأويله لدي الإسلاميين مثل الفتوحات الإسلامية.

هذه المجموعات الأوروبية تري أن تفوق الرجل الأبيض هو أحد الأسس التي تنطلق منها تلك الفوقية، فتعبير التفوق العرقي أو ما يطلق عليه Überlegenheit يشغل جزءا مركزيا داخل تلك المجموعات،وارتباطه بالخطاب القومي المتعالي، وهو أقرب لعملية التعالي بالإيمان داخل المجموعات الإسلامية، التي تري أنها أحق الناس بالحكم والتفوق لما تملكه من معرفة دينية قوية علي حد تخيلها، ويتحول الأمر إلي جنون حينما يتم ربطه بالخطاب القومي.

من الأشياء التي تميز تلك المجموعات، هي الوشوم والرسومات الغريبة التي تظهر عندهم، وهي عبارة عن رسومات قد تكون تجميعية لأشياء ما غير واضحة لتكوين رمز ما غير محظور استخدامه في القانون، طابعه الأساسي العشوائية، والعنف.

يشغل العنف والكراهية حيزا كبيرا داخل تلك المجموعات ويمثل أحد الأسس المهمة والجوهرية داخلها.

الكراهية لكل ما هو غير أبيض، وغير ممثل لمركزية أوروبا، في السنوات الخمسة عشر الأخيرة وخاصة من 2002- 2017 مثّل الإسلام بنسبة تتراوح من 36- 45 % لتلك المجموعات أحد الأسباب التي أدت لزيادتها وانتشارها ومن بين تلك المجموعات كان مجموعة تسمي بجيدا وهي اختصار لجملة أوقفوا أسلمة أوروبا. وكان لها فروع في عدد من الدولة الأوربية

طبعا انتخاب ترامب علي حد تعبير Christian وخطابه العنصري يمثل محورا مهما وملهما لهذه المجموعات لتبني هذه الأسس والخروج بها للعلن وممارستها بصورة أوضح.

من القصص التي قالها Christian إن هذه المجموعات التي تواجدت داخل الجيش الألماني سعت لتنفيذ انقلاب ضد المستشارة الألمانية، والمخابرات الألمانية أحبطت هذه المحاولة.

في المقابل هناك عامل لا يمكن إغفاله ضمن العوامل الأخري ساهم في صعود هذه المجموعات مرة تانية وبصورة معولمة، وهو وجود جذور اقتصادية وأيديولوجية بعد عقود من هيمنة الليبرالية الاقتصادية والسياسية على العالم.

حينما قرأت المانفيستو للإرهابي الذي قام بجريمة نيوزلندا، وبالرموز والحروف التي كتبها علي الآلة التي ارتكب بها جريمته، تدل علي أنه نازي، هذه المجموعات الآن أصبحت أكثر انتشارا ولديها شبكات تواصل خاصة بها، شبكات علي الانترنت وكذلك شبكات اجتماعية. إن لم يتم كبح هذ الجماعات سيتحول الأمر إلي كارثة حقيقية، أقرب لما حصل في ألمانيا منذ سنوات حينما قام ألماني نازي بحرق بيت يقطنه احد عشر ألمانيا من أصول تركية؛ مما يعني أن موجة العنف والعنف المضاد من الجماعات التي تتبني هذه الخطابات قد تتصاعد أكثر، وطبعا وجود الأمريكي القذر سيساهم في هذا الأمر وانتشاره. أوروبا الآن بتواجه إرهاب جديد نابعً من قلب العولمة والحداثةً مختلط بأمور مثل العرق والقوميةً وهو أشد فتكاً من الإرهاب المتكئ علي التصورات الدينية فقط؛ نظراً لسيطرة البعد المادي في تجلياته

(نقلا عن صفحته)