ليبراسيون: الجزائر تدخل مرحلة غامضة .. لكنها مليئة بآمال الديمقراطية

نقلت صحيفة ليبراسيون الفرنسية عن المؤرخ الفرنسي المختص في الشأن المغاربي بيير فيرميرين أن الجزائر تدخل مرحلة ملتبسة وغير مسبوقة من تاريخها، مليئة بالتحديات، ولكنها أيضا مليئة بآمال الديمقراطية .

وأجرت الصحيفة مقابلة مع فيرميرين الذي هو مؤلف كتاب “منشقون في المغرب العربي” عام 2018 بالاشتراك مع خديجة محسن فينان، وهو كتاب يكرم -حسب الصحيفة- كل أولئك الذين قاوموا القوى الاستبدادية في منطقة المغرب العربي منذ الاستقلال حتى تأليف الكتاب .

وقالت الصحيفة إن المتظاهرين الجزائريين الذين حصلوا للتو على نصرهم الأول، يعتبرون ورثة لمقاومة طويلة، سماها فيرميرين وشريكته في التأليف خديجة، “بالانشقاق” تعبيرا عن مفهوم كان يطلق على معارضي الأنظمة الشيوعية الشمولية التي لا يسمح فيها بأي وجهة نظر مخالفة .

وفي هذه المقابلة، يقول المؤرخ الفرنسي – تحليلا لتنازل الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة عن الترشح لفترة خامسة – إن الضغط القوي الناتج عن إجماع الشعب الجزائري في الشوارع، ودعم العديد من النخب، جعلا هذا التنازل أمرا لا مفر منه، إلا بالنسبة لمن يريد إثارة عنف خطير وغير ضروري .

وأشار إلى أن الحكومة تحاول التراجع مع التحكم في الوضع، ولكنها ضعيفة للغاية وليست لديها أوراق كثيرة، منبها إلى أنه لا ينبغي الخلط بين السلطة الحالية ومؤسسات الدولة الجزائرية كالجيش .

مرحلة ملتبسة

ويرى فيرميرين أن الجزائر تدخل مرحلة ملتبسة وغير مسبوقة من تاريخها، مليئة بالتحديات، ولكنها أيضا مليئة بآمال الديمقراطية، وليس من المنطقي بالنسبة له أن يتراجع الشعب بشبابه المميز في هذه اللحظة، خاصة أن الجزائر تغيرت في غضون أسابيع قليلة، إلا إذا كانت الجمعية التأسيسية المعلنة مفتوحة لشخصيات جديدة كالمثقفين والقانونيين والمجتمع المدني والمعارضين .

وعند سؤال الصحيفة عمن له مصداقية لخلافة بوتفليقة، رد المؤرخ الفرنسي بأنه ليس من السهل معرفة ذلك في بلد لم يعرف الديمقراطية من قبل، وأشار إلى رشيد نكاز، وإن كان لا يرى فيه رجلا شعبيا، بل هو واحد من أعراض الإحباط السياسي لدى لشباب الجزائريين، واعتبر أن الضروري الآن هو وضع عملية دستورية انتقالية دون عنف وخلق وجهات نظر .

ورأى فيرميرين أن إعادة بناء طبقة سياسية كاملة عملية طويلة الأجل، خاصة أن الجزائر محكومة منذ عام 2003 من قبل قوة مجهولة الهوية، يسميها جميع الجزائريين اسم “السلطة” أو “النظام”، وكان بوتفليقة رمزا لها، وله شرعية ممتدة منذ حرب التحرير الجزائرية، ولكنه آخر ذلك الجيل الذي يسامحه الجزائريون في كل شيء حتى الاستبداد، واعتبر المؤرخ أن الجزائر بعد بوتفليقة داخلة إلى المجهول، ولكن مطالب الديمقراطية فيها ستكون بالضرورة أعلى .

وعند السؤال عن سبب تحرك الجزائر اليوم بعد أن تخلفت عن الربيع العربي، قال فيرميرين إن الشباب الذين يقفون في الشارع اليوم كانوا أطفالا في الغالب أيام الربيع العربي، أما الأكبر سنا فكانوا أطفالا في نهاية السنوات السوداء نهاية التسعينيات التي لا تدرس، ولذلك فهم يحملون شعارات مختلفة عن شعارات الربيع العربي، ويخرجون ضد مسألة محددة هي الفترة الخامسة .

وفي تفسيره لأسباب خروج الطلاب، قال فيرميرين إن الطلاب الجزائريين يعرفون جيدا أن الوضع السياسي الذي يعيشونه غير موجود في أي مكان آخر، إذ لا توجد دولة يشارك فيها المرشح في الحملات الانتخابية وإعادة الانتخابات دون أن يقول كلمة واحدة، واعتبر أن في الأمر إهانة عندما يقود البلاد رجل لم يعد بإمكانه الكلام.

وأضاف أن المتظاهرين هادئون كما هو مطلوب، إذ لا يوجد عنف ولا حواجز، منبها إلى أن ما يحدث في هذه المرحلة من المظاهرات يمكن أن يعتبر نوعا من التفاوض مع السلطة.

مثقفون بلا دور

أما دور المثقفين فلا يراه فيرميرين مؤثرا، لأنهم –حسب رأيه- إما موظفون تدفع لهم الدولة مع استثناءات قليلة، وإما ناقدون من خارج البلاد يعبرون عن أنفسهم فقط، أو عائدون من المنفى تنقصهم الشرعية لأنهم لم يشاركوا المواطنين آلامهم في السنوات المظلمة .

وعلل فيرميرين عدم تدخل الشرطة بأن لدى الجزائر قوات شرطة كافية لاحتواء الحركة عندما يكون حجمها طبيعيا، أما عندما يتعلق الأمر بشعب بأكمله فذلك شيء آخر، حسب تعبيره .

أما المعارضة في البلاد، فقسمها المؤرخ الفرنسي إلى معارضة إقليمية؛ كما هي الحال في منطقة القبائل، كما أن هناك انشقاقا إلكترونيا نشط على الشبكات، حسب رأيه، إضافة إلى معارضة بين المكونات المهنية مثل المحامين أو حتى التكوينات السياسية المتواضعة التي انضمت إلى الحركة أو أبدت تضامنها معها .

وعند سؤاله عن سبب اختياره تسمية المعارضة المغاربية بالانشقاق، قال المؤرخ إنه، قبل فترة طويلة من الربيع العربي حصل لديه انطباع من خلال قراءته للصحافة بأن هناك مقاومة ما في المنطقة .

وأضاف “لقد عشت فترة طويلة في البلدان المغاربية، ورأيت الأنظمة الاستبدادية كيف تعمل، ومقاومة هؤلاء المعارضين كانت دائما تبدو غير معقولة بالنسبة لي واعتقدنا أننا يجب أن نحييهم” .

وأكد أن المعارضين في المغرب العربي عانوا من النوع نفسه من المعاملة التي عانى منها المنشقون في الأنظمة الشيوعية الشمولية، كنبذ خطابهم وتعريض حياتهم للمخاطر، وقال إنهم كانوا في البداية معارضين، لكن بعد عقود من المعارضة المستحيلة أصبحوا “منشقين”، قبل أن يخرجوا إلى المنافي .

وختم بالتعريف بمن يسميه المنشق، إذ هو – خلافا للمعارض – لا ينتمي بالضرورة إلى حزب سياسي، والذي يميزه بشكل أفضل ليست أيديولوجيته السياسية بل متطلباته الأخلاقية والفلسفية .

وخلص إلى أنه في المنطقة المغاربية تؤمن الشخصيات بوعود الاستقلال، الاستقلال الوطني والديمقراطية، ولسوء الحظ فإن العديد من الأنظمة التي ظهرت بعد الاستقلال لم تحقق الوعد بالديمقراطية، وفي الوقت نفسه كان ذكر أوجه القصور فيها غير مقبول مثل التشكيك في الاستقلال نفسه، ولذلك تم طرد المعارضين الذين طالبوا بتعددية الأحزاب أو حرية التعبير أو العدالة الاجتماعية من اللعبة السياسية فأصبحوا “منشقين”.

 

المصدر : الجزيرة نت