هربا من بطش السيسي..حملات مقاطعة للتنديد بتردي الأوضاع المعيشية

صمت مطبق وسخط خامل مترسخ داخل النفوس، ينتظر لحظة الانفجار ليعبر فيها عن غضبه ورفضه لشظف العيش الذي طوّق حياتهم وأذل كرامتهم، وسياسة التقشف المتعمدة، التي لم تثمر سوى مزيد من الكوارث الانسانية والحط من مكانة مصر دوليا وإقليميا. يحاول الشعب المصري أن يخلق صورا جديدة لمواجهة غلاء الأسعار والسياسات الاقتصادية التي قصمت ظهره، بعيدا عن أي عمل تظاهري بميادين مصر التي احتضنت ثورة 25يناير واسقطت نظام مبارك في 18 يوما، فلجأ العديد منهم إلى تنظيم حملات المقاطعة التي تواترت مؤخرا في محاولة للضغط باتجاه تخفيض أسعار عدد منها.

وبينما نجح بعض تلك الحملات وفشل بعض آخر.. فإن القاسم المشترك أن بوصلة الغضب الشعبي المصري توجهت إلى قضايا ووسائل أقل كلفة من الناحية الحقوقية، وأكثر أمنا من الاعتقال والملاحقة. لكن البعد عن ميادين السياسة واللجوء إلى المواجهة المباشرة مع التجار دون مطالبة أجهزة الدولة بالقيام بدورها، لم يفلح في الفوز برضا أجهزة الدولة التي حاولت عبر عدد من وسائل الإعلام المحسوبة عليها التهوين من تلك الحملات، ومهاجمتها، وإظهار ألا أثر لها.

حتى الصحف ومقدمو البرامج التليفزيونية الموالية للنظام التي تغنت بتلك الحملات في البداية ظنا منها أنها تصرف النظر عن محاسبة السيسي، عادت بعدها لتطالب بالتفكير جيدا في تلك الحملات وأثرها لضمان ألا تكون مضرة بالاقتصاد الوطني بشكل عام، وألا تؤثر على حياة عمال بسطاء وأسرهم يعملون في القطاعات التي تطالب الحملات بمقاطعتها. لكن الحقيقة أن هؤلاء لا يهمهم سوى مصالح رجال الأعمال الذين يسيطرون على مفاصل الاقتصاد المصري، ومحاولة تشويه هذه الحملات لعدم إلحاق أي ضرر بمصالحهم وأموالهم التي جمعوها من مص دماء المصريين.

“خليها تحمض”.. تفتح الشهية

“خليها تحمض” أو “خليها تعفن” كانت واحدة من أنجع تلك الحملات التي أطلقها ناشطون مصريون احتجاجا على غلاء الفاكهة. وتوفرت لتلك الحملة عدة عوامل للنجاح، أبرزها أنها حددت أسبوعا معينا لمقاطعة الفاكهة، وأن السلعة المستهدفة للضغط على التجار من السلع سريعة التلف، وأنها تزامنت مع حالة ضغط شعبي بسبب غلاء متزامن في عدد من السلع، كانت الفاكهة أبرزها. وبالفعل، اضطر تجار فاكهة إلى تخفيض أسعار عدد من أنواع الفاكهة التي شهدت ارتفاعا كبيرا تحت وطأة تلك الحملة التي هدد القائمون عليها بتكرارها إذا لم يستجب التجار.

نجاح “خليها تحمض” فتح شهية المصريين لتنظيم عدد آخر من الحملات، جاء من بينها “خليها تكاكي” لمقاطعة الدواجن التي شهدت ارتفاعا مضطردا في أسعارها. حاولت حملة “خليها تكاكي” الاستفادة من أهم عوامل نجاح الحملة السابقة، وهي قصر عمر السلعة، إذ إن الدواجن تكبر وتشيخ سريعا، كما أن وجودها حية عند البائع يستهلك تكاليف إضافية لإطعامها وإيوائها. لكن الحملة واجهت معضلة أن معظم محال الدواجن لم تعد تبيعها حية وإنما مجمدة وفقا لقرارات حكومية أخيرة، كما أن الدواجن تعتمد عليها معظم الأسر المصرية لتوفير البروتين لأبنائها من مصدر يعد أقل سعرا من اللحوم الحمراء، وذلك رغم غلائها.

خليها تصدي

على غرار الحملتين السابقتين، انطلقت أيضا “خليها تصدي” التي استهدفت مواجهة غلاء أسعار السيارات. لكن الحملة واجهت أن السيارات ليست سريعة التلف، ولا تفقد قيمتها إلا بمرور الموسم الذي يقدر بنحو عام كامل. ورغم ذلك اعترفت صحيفة “أخبار اليوم” بأن تلك الحملة أصابت سوق السيارات بالشلل، وأقرت بأن القائمين على الحملة على دراية بسوق السيارات وهامش الربح المرتفع الذي يطبلون تقليله، ولم يقتنعوا بدعاوى التجار أن أرباحهم منخفضة. عقب ذلك شهدت أسعار السيارات في مصر انخفاضا لافتا، وهو ما عزاه خبراء إلى أنه راجع إلى إلغاء الجمارك عن السيارات الأوروبية وفقا لتفاهمات سابقة.

خبراء أسواق رفضوا التقليل من حملة “خليها تصدي” مشددين على أنها إذا لم تكن سببا مباشرا في رخص أسعار السيارات، فإنها على الأقل حافظت على ضمان وصول فارق السعر إلى المستهلك بعد إلغاء الجمارك، حيث وجهت إنذارا إلى التجار الكبار بوجود رقابة شعبية عليهم.

الأطرف.. “خليها تعنس”

وعلى تعدد أنواع الحملات وشعاراتها والسلع المستهدفة منها، فإن أطرفها كان حملة “خليها تعنس” التي رفعها شباب غاضبون من مغالاة الأهل في اشتراط تكاليف الزواج، ما دفعهم إلى محاولة الضغط على أولياء أمور الفتيات للتنازل عن المبالغة في التكاليف. لكن الحملة التي قوبلت بغضب من الفتيات واجهتها حملة أخرى رفعت شعار “خليه في حضن أمه”، ردا على إظهار الشباب استغناء عنهن. ولم ترصد جهات متخصصة، ما إذا كانت الحملة التي حملت طابعا ساخرا، قد حققت نتيجة ملموسة على تكاليف الزواج.

حملات المقاطعة لم تقتصر على الطبقات الكادحة أو الفقيرة فقط، لكنها شملت أيضا طبقات أفضل في المستوى المادي، إذ رفع مربو الحيوانات الأليفة، الأفضل حالا من الطبقات السابقة، شعارات “خليها تنونو” و”خليها تهوهو”. جاء ذلك ردا على الغلاء الكبير الذي لحق بطعام الحيوانات الأليفة، وكذلك الأطعمة الجافة لها (داري فود)، ومستلزماتها من الإكسسوارات، والرمال المعالجة كيميائيا لزوم إخراج (تغوُّط) تلك الحيوانات، ما ترك مربيها عاجزين عن شراء أنواع الطعام التي اعتادوا عليها.

وبرر التجار ذلك بأن طعام الحيوانات الأليفة هو غالبا مستورد، وأن السلطات المصرية رفعت الجمارك عليه باعتباره من السلع الترفيهية، بدعوى الحفاظ على رصيد الاحتياطي النقدي الأجنبي وتوفير العملة الصعبة. ونقلت صحيفة “الوطن” عن أصحاب عدد من محلات طعام الحيوانات الأليفة أن مبيعاتها انخفضت بنحو 70% بعد حملات المقاطعة، وأن المربين لجؤوا إلى بدائل محلية كأجنحة الدجاج ومواد أخرى أرخص سعرا.

هجوم إعلامي 

ورغم بعد جميع هذه الحملات الشعبية عن الطابع السياسي، فإن اللافت للنظر أن عديدا من وسائل الإعلام الموالية للنظام السياسي في مصر لجأت إلى التقليل منها، ومهاجمتها ونفي أي إنجاز عنها. ففي سلسلة تقارير، حرصت صحيفة “اليوم السابع” الموالية للنظام، على إبراز وجود إقبال على شراء الفاكهة في خضم الحملة المطالبة بمقاطعتها، ونقلت عن التجار عدم تأثر حركة البيع والشراء. وتكرر الهجوم  مع كل حملة، كما أن مقدمي البرامج الذين هللوا للقائمين على تلك الحملات باعتبارها حلا إيجابيا دون انتظار النظام في كل صغيرة وكبيرة، عادوا للتشكيك في جدواها.

واكد معارضون أن نظام السيسي ينظر بقلق إلى أي حراك شعبي، حتى لو لم يكن يستهدف بالأساس أي تغيير سياسي، أو يرفع شعارات سياسية. وأوضحوا أن ذلك راجع إلى أن أجهزة النظام تحافظ على حالة من فقدان الثقة شعبيا، وهي تخشى أن تستعيد أي قطاعات من الشعب الثقة في نفسها، وتحقق نجاحا ولو رمزيا، ما يغريها بالمضي قدما نحو مطالب أكثر عمقا. لكن آخرين لفتوا إلى أن نجاح تلك الحملات يحمل في طياته أيضا فشلا لأجهزة الدولة والنظام. وأشاروا إلى أن المسؤول الأول عن ضبط الأسعار وضمان عدم الاستغلال والاحتكار هي مؤسسات الدولة وأجهزتها، وليس الحملات الشعبية التي تتدخل عند فشل النظام.

وفسروا سبب فشل النظام في ضبط الأسعار بأنه راجع إلى تربح النظام نفسه من حالة الغلاء، أو على الأقل رجال النظام النافذين الذين يستولون على قطاعات تجارية واسعة. ويشير المعارضون بذلك إلى أن كثيرا من المحسوبين على النظام الحاكم هم رجال أعمال ومالكون لشركات ومؤسسات تجارية تستفيد من التضخم الذي يعصف بالبلاد.