انتخابات في المنطقة السوداء

 

قطب العربي

 

يوم الجمعة المقبل يتوجه آلاف الصحفيين المصريين إلى نقابتهم للإداء بأصواتهم في انتخابات التجديد النصفي التي تشمل منصب النقيب ونصف أعضاء المجلس، وهي الانتخابات التي تتم وسط لحظة حالكة السواد بالنسبة للصحافة المصرية التي سكنت منذ انقلاب الثالث من يوليو 2013 (المنطقة السوداء) في مؤشرات حرية الصحافة الدولية.

ولأن الرقص أصبح أحد المظاهر الملازمة للانتخابات في مصر خلال السنوات الأخيرة، فمن المتوقع أن نشهد شيئا من ذلك في انتخابات الصحفيين رغم الدماء النازفة للمهنة وأبنائها، خصوصا إذا علمنا أن بعض المرشحين سعوا خلال الأيام الماضية لاستئجار فتيات جميلات للقيام بمهمة الدعاية أمام اللجان، ولم لا فقد حدث الرقص والطبل بعد أنهار الدماء التي سالت من المصريين في مذابح كبرى في رابعة والنهضة ورمسيس والقائد إبراهيم وسيناء الخ والتي كان من بينها عدد من الصحفيين؟!!

 

الرونق الخاص

كان لانتخابات نقابة الصحفيين دوما رونق خاص، فجمعيتها العمومية تضم كل التيارات السياسية في مصر، والمرشحون للانتخابات يمثلون أيضا كل أو أغلب الأطياف، ولم يخلُ مجلس لنقابة الصحفيين من تمثيل متنوع ، لكن الحالة التي تعيشها الصحافة المصرية حاليا لا تسمح بتنافس حقيقي بل لا تستدعي انتخابات من الأساس، ذلك أن نقابة الصحفيين التي كانت كل النظم السابقة بدءا من السادات وحتى مرسي تهابها، وتقدر لها قدرها، وتحاول أن تتجنب غضبها، لم تعد كذلك اليوم بعد أن أصبحت النقابة محض بوق للنظام، تبرر قمعه لحرية الصحافة، وتغسل سمعة رموزه الذين يهينون أعضاءها بدلا من مطاردتهم، ولا ترغب في تقديم واجب الدعم النقابي لأعضائها السجناء بسبب ممارستهم للمهنة أو تعبيرهم السلمي عن أرائهم حتى إن النظام الحاكم ممثلا في النيابة العامة رفض تنفيذ قرار قضائي بإخلاء سبيل صحفيين عضوين بالنقابة ( أحمد عبد العزيز وحسام السويفي) قبيل أيام من الانتخابات، فيما بدا وكأنه احتقار للنقابة بمن فيها. .

 

ما فعله النظام في المجال السياسي كرره بالتوازي في المجال الصحفي والإعلامي، فالقمع في الفترة الأولى اقتصر على الكيانات والشخصيات المناهضة للانقلاب فقط (وأغلبيتهم من الإسلاميين) تجاوزهم لاحقا إلى بقية القوى المدنية بمن فيهم من شاركوا في مظاهرات 30 يونيو 2013 وفي دعم انقلاب الثالث من يوليو، حدث ذلك على المستويين السياسي والصحفي معا، حيث تم إغلاق العديد من الصحف والقنوات والبرامج، وحبس عشرات الصحفيين بمن فيهم شخصيات ليست محسوبة على الإسلاميين بل هي مناهضة لهم، وبعضهم أعضاء بنقابة الصحفيين لهم عليها حق الحماية والمساندة، وهو مالم تفعله النقابة.

جزاء سنمار

رغم أن نقابة الصحفيين كانت أحد مقار الحشد والتعبئة ضد الرئيس مرسي، ومن ثم كانت أحد أكبر الداعمين لانقلاب الثالث من يوليو 2013، إلا أنها لاقت جزاء سنمار من النظام الجديد الذي دعمته بقوة، ومع ذلك لم تتخذ الموقف المناسب لرد تلك الإهانات.

قمع حرية الصحافة الذي تجاوز كل الحدود، والذي وضع مصر في المنطقة السوداء في قوائم حرية الصحافة دوليا لم يتوقف حتى اللحظة، بل إنه يتسع ليشمل قطاعات وشخصيات جديدة كانت تشعر بأمان نسبي، فبعد الهيمنة المخابراتية شبه التامة على منابر الإعلام الخاص (قنوات – صحف- مواقع- شركات دعاية وترفيه) عبر واجهات مدنية معروفة، وبعد سلسلة من التشريعات المقيدة لنصوص الدستور المتعلقة بالصحافة والإعلام، وبعد هيمنة السلطة التنفيذية على تشكيل مجالس الهيئات الإعلامية (ذات الاستقلالية المفترضة دستوريا)، وبعد حبس أكثر من تسعين صحفيا وإعلاميا، هاهي السلطات المصرية تستعد للتخلص من جزء كبير من المؤسسات الصحفية القومية، بذريعة مواجهة نزيف الخسائر والمديونيات التي تزداد يوما بعد يوم حتى لامست 25 مليار جنيه (حوالي 1.5 مليار دولار).

الحديث عن إعادة هيكلة المؤسسات الصحفية القومية خرج من الغرف المغلقة إلى السموات المفتوحة، وأحدث قلقا كبيرا داخل تلك المؤسسات التي ظلت في مأمن من أي مساس بها على مدار العقود الماضية حيث كانت النظم المتعاقبة تتعامل معها باعتبارها جيشا لا يجوز المساس به مثل الجيشين الثاني والثالث الميدانيين، بحكم ما كانت تقدمه من إسناد إعلامي لتلك النظم، ولا يستثنى من ذلك إلا الفترة القصيرة بعد ثورة يناير2011 وحتى يوليو 2013 حيث تمتعت هذه الصحافة باستقلالية كاملة بعيدا عن النظام الذي لم يكن قد حدد رؤيته للتعامل معها.

الموقف الحكومي تجاه تلك المؤسسات عبر عن جزء منه الناطق الرسمي باسم مجلس الوزراء، ويتعلق بضرورة التخلص من الصحف الخاسرة، ودمج بعضها مع بعض، وتحويل بعضها لمواقع إلكترونية، وبيع أصول بعض المؤسسات لسداد مديونياتها، وخرجت بعض الأصوات الداعمة للنظام عبر بعض الفضائيات لتشرح المزيد من توجهات السلطة أو تقدم لها نصائحها، والتي تتمحور حول دمج المؤسسات الإعلامية الحكومية الثمانية في مؤسستين فقط، ( دمج دار التحرير مع أخبار اليوم ودمج بقية المؤسسات في الأهرام مع الإبقاء على وكالة الأنباء الرسمية منفصلة)، وسيتبع هذا الدمج إجبار هذه المؤسسات على التصرف في الأصول (مباني ضخمة في وسط القاهرة وعلى نيلها، وفي أماكن أخرى من محافظات مصر) لسداد المديونيات المتراكمة عليها، والإكتفاء بعدد محدود من الصحف، وكل هذا يعني مباشرة التخلص من أعداد كبيرة من العمالة في تلك المؤسسات، وبالطبع عدم توظيف أي عمالة جديدة.

لم تفلح تصريحات رئيس الهيئة الوطنية للصحافة كرم جبر التي نفى فيها المساس بتلك المؤسسات، أو إعلانه عن موافقة الحكومة على زيادة بدل التدريب للصحفيين في طرد المخاوف من نفوس الصحفيين والعاملين فيها لأن الجميع يدركون أنها تستهدف تمرير انتخابات نقابة الصحفيين بأمان، على أن تبدأ الخطوات التنفيذية بعد الانتخابات.

كثيرون نأوا بأنفسهم عن هذه الانتخابات ترشحا وتصويتا احتجاجا على هذا القمع، والبعض قرر المنافسة لعله يستطيع وقف التدهور، لكن المناخ العام الذي تجري فيه الانتخابات حالك الظلام بما لا يسمح بتغيير حقيقي، ولا يسمح بإنتاج مجلس نقابة قادر على حماية الصحافة والصحفيين.