الصفارات إنذار سلمي لأُولي الألباب

معتز مطر معتز مطر

بقلم محمد منير

 

 

كلمة “إنذار” ليست عدائية أو تهديد أو “تهويش”، هي تعبير واقعي عن احتجاج على حالة ملتهبة ومحتقنة غض النظر عنها خطر كبير، فالإجراءات السلمية كلها سواء كانت احتجاجات أو تعبيرات أو حتى ثورات، ما هي إلا إنذار مبكر بمخاطر قادمة، يستقبلها أصحاب العقول الرشيدة باهتمام ودراسة ونيات حسنة، ويتجاهلها الحمقى والأغبياء وعميان البصر والبصيرة وأباطرة الظلم والفساد.

يقول الرئيس الأمريكي الراحل جون كنيدي: “إن الذين يجعلون من الثورات السلمية أمرًا مستحيلاً، إنما (يقضون) بحتمية الثورة العنيفة”.

 

صفارات معتز

الإعلامي معتز مطر أعلن من تركيا عن مبادرة تحت عنوان “اطمن انت مش لوحدك”، طالب خلالها بإجراء احتجاجي تعبيرًا عن الغضب، وهو إطلاق صفارات في وقت واحد محدد، وتسبب هذا الإعلان في حالة من القلق والجدل في مصر على كافة الأوساط، وحيث إنني أكتب كلماتي هذه من الوطن مصر، فيهمني قبل مناقشة مضمون الأساليب الاحتجاجية ودلالاتها، أن أسوق بعض الملاحظات المهمة بشأن الجدل السائد حول هذه المبادرة، وهي ملاحظات أقرب للشهادة الحية من أرض الواقع:

 

أولا: الزميل الإعلامي معتز مطر أطلق مبادرته كانعكاس للواقع في مصر، الذي يحمل احتقانا وتمردا وثورة على الأوضاع السائدة، وهو بذلك قام بدوره كإعلامي ملتزم بالتعريف الدقيق للإعلامي، وهو “ضمير الأمة”، وبصرف النظر عن وجوده في الخارج أو الداخل إلا أنه عكس حالة واقعية في مصر فتحية له.

ثانيا: المبادرة ربما لم تجد طريقها للتنفيذ بمساحة كافية، وهذا أمر طبيعي في ظل الحصار الأمني المحيط بالشعب المصري وسياسيات التخويف والترويع التي يمارسها الأمن على المصريين.

ثالثا: ورغم هذا لاقت الحملة نجاحا إعلاميا ربما لم يؤدِ إلى النتيجة التفاعلية المرجوة بنزول حركات احتجاجية للشارع، ولكنه أحدث شرخا كبيرا في السقف المنخفض للحريات في مصر، وهو ما يعتبر خطوة كبيرة في التراكم المستهدف، وكسر هذا السقف والارتفاع بسقف الحريات انتزاعا ليس منحة.

رابعا: الجزء الأكبر من الترويج والدعاية لحملة “معتز” هو رد الفعل الرسمي وما أحاط به من رعب وانفعال مرتبك، خاصة من الإعلاميين العسكريين، وبصرف النظر عن أن هذا الارتباك (كما يقول البعض) متعمد من النظام المصري لجذب انتباه الرأي العام المصري في طريق معاكس لطريق التعديل الدستوري، أو أنه ارتباك يعكس رعبا من غضب جماهيري محتمل يمكن أن يطيح بدوائر الحكم ويضع رقاب رجالها تحت المقصلة، إلا أن الواضح أن هذا الارتباك منعكس بوضوح على الحالة الأمنية في مصر، فلا يمكن لشاب أن يسير في وسط البلد دون أن يتم تفتيشه وسؤاله عن خط سيره ومراجعة “موبايله”، بالإضافة إلى قيام السلطات باعتقال شاب وقف بشكل سلمي منفردا يحمل لافتة احتجاج على النظام، وهو ما لم يتحمله النظام رغم كونه عملا فرديا لا يمثل أي خطورة عليه.

 

الإنذار بالاحتجاج السلمي

في 4 مارس 1946 اتشحت شوارع مصر وبيوتها وشرفاتها بالسواد بعد إعلان اللجنة الوطنية للعمال والطلبة الحداد على شهداء 21 فبراير من نفس العام، وعددهم 28 طالبا شهيدا و342 مصابا، خرجوا يطالبون باستقلال الوطن وتحريره من المحتل الإنجليزي فقتلتهم رصاصات مصرية بأيدي شرطة مصرية (ياللعار).

 

واستجابت الأمة لدعوة الحداد وتم إعلان إضراب عام في ذلك اليوم واحتُجبت الصحف، وأغلقت المتاجر والمقاهي والمحال العامة، وأضربت المدارس، وتعطلت المصانع، وزحفت جماهير الإسكندرية كزحف يوم 21 فبراير في القاهرة، ومع انتقال الأنباء وقتها إلى عدة دول عربية مجاورة، منها سوريا والسودان والأردن ولبنان تم إعلان إضراب عام في تلك الدول وقتها، تضامنًا مع طلاب مصر، كما تضامنت عدة حركات طلابية أخرى حول العالم مع الحركة الطلابية بمصر، وتم اختيار يوم 21 فبراير يومًا عالميًا للطالب.

وشاركت الأمة بهذا الاحتجاج السلمي في استمرار الثورة ومراحلها التي انتهت بجلاء الإنجليز عن مصر.

والحقيقة أن الاحتجاج ليس سلوكا ثابتا خاملا، وإنما هو سلوك ديناميكي فعال نشط متطور بفعل القهر والكبت والقمع، فكلما ضاقت مساحة الحريات زادت مساحة الاحتجاجات التي تتحدد سلميتها أو عدم سلميتها طبقا لمدى المواجهة القمعية للسلطة والنظم الحاكمة، ولهذا فالاحتجاجات تتطور وسائلها بحسب طبيعة الشعوب المحتجة وثقافتها وأدواتها السائدة، ولهذا استخدم المصريون الشعر والأغاني  والنكات و”القفشات” في الاحتجاج في مواجهة قمع السلطة وقيد الحريات، ففي عام  1919 وأثناء نفي زعيم الأمة سعد زغلول، ومنع تداول سيرته في المجتمع ومطاردة مؤيديه، استمرت أخبار الثورة والشحن لها من خلال الأزجال والأشعار والأغاني، وكان من أشهرها أغنية يا بلح زغلول التي كتب كلماتها بديع خيري ولحنها فنان الشعب سيد درويش وغناها الشعب المصري كله، ومن كلمات الأغنية:

 

“يا بلح زغلول يا حليوة يا بلح.. يا بلح زغلول يا زرع بلدي

 

عليك يا وعدي يا بخت سعدي.. زغلول يا بلح يا بلح زغلول

 

ماعيتشي أبكي وفيه مدبر.. مين بس ينكر زغلـــــــول يا بلح

 

يا روح بلادك ليه طال بعادك تعا صون بلادك

 

سعد وقال لي ربي نصرني وراجع لوطني”

 

والسلطات الذكية هي التي تهتم بالاحتجاجات السلمية وتعتبرها إنذارا مبكرا وتستجيب لمطالب شعوبها وإلا تحول الاحتجاج السلمي لفعل عدائي يستهدف تغيير الواقع، ورفع الظلم بالقوة إذا لم ينجح الطريق السلمي، إلا أن الخبرات التاريخية تشير- للأسف – إلى أن النظم الفاشية الباطشة والتي تستند على القمع العسكري، لا تمتلك الذكاء السياسي لإدراك هذه الحقائق، حيث إن طبيعتها تصيبها بنوع من عمى البصيرة والقصور الذهني يمنعها من رؤية المشاهد بوضوح وإدراك الحقائق، وهو ما يجعل تغيرها بالقوة أمرا حتميا وفعلا بالضرورة.

 

ولا أستطيع أن أتجاهل تأثير ثورة الاتصالات وظهور مواقع التواصل الاجتماعي على تطور وسائل الاحتجاج وتأثيرها وانتشارها، وأصبحت وسائل استخدامها وسائل سهلة ومتاحة، وأصعب ما فيها وجود المستخدمين الشرفاء والمعبرين عن هموم أوطانهم مثلما فعل “معتز” في دعوته التي أثارت كثيرا من الجدل.

السترات الصفراء

واستخدام الأدوات والأشياء المادية كرمز للاحتجاجات والرفض سلوك سائد في العالم وأحدثه وأشهره السترات الصفراء في باريس، وهي السترات التي فرض القانون الفرنسي على السائقين في باريس ارتداءها كعاكس ضوئي لهم في حالة خروجهم من السيارة، وعندما انفجر الشعب الفرنسي محتجا على سياسات الإصلاح الاقتصادي، التي طبقها الرئيس الفرنسي “ماكرون” والتي رأي فيها الشعب الفرنسي انحيازا للأثرياء وتحاملا على الطبقة الوسطى ودفعها للتحول لطبقة فقيرة، فاتخذوا من السترات الصفراء رمزا لتحديد هويتهم الطبقية وتحديد ملامح انحياز المحتجين، ومع تجاهل النظام الفرنسي تحولت حركة السترات الصفراء من شكل رمزي لشكل احتجاجي سلمي إلى تحركات عنيفة، حتى بدأت السلطات الفرنسية في البحث عن حلول بعيدا عن التشدد والعناد مع مطالب الشعب الفرنسي.

 

مأساة النوبة والاحتجاج بالسواد

مصائب النظام المصري لم تقف عند حدود العاصمة أو الحضر بل شملت أهل النوبة في محاولة للقضاء نهائيا على حضارتهم بل على العرق النوبي كله، وهو ما دفع النوبيين إلى إعلان يوم 3 ديسمبر من كل عام يوم حداد يتشحون فيه بالسواد، احتجاجا على القرار رقم 444 الصادر في 3 ديسمبر 2014، والذي بموجبه أتاح للحكومة الاستيلاء على مساحات كبيرة من الأراضي النوبية على الحدود كمناطق عسكرية، والحقيقة أن اعتبار الحدود النوبية مناطق عسكرية هي حجة لتطبيق ما فشلت الحكومة في تطبيقه قبل عدة أسابيع من صدور القرار، عندما أعلنت عن مشروع قانون إنشاء الهيئة العليا لتنمية وتعمير بلاد النوبة القديمة، وكان يستهدف تقنين عدم أحقية استرداد النوبيين المساحات الشاسعة من أراضيهم التي تم نزعها واعتبارهم مقيمين عليها حق انتفاع، وعندما فشلت الحكومة في الاستيلاء على أراضي النوبيين بهذا القرار لجأت للقمع العسكري واعتبار أراضيهم أراض عسكرية، وحاليا يتم تملكيها لرجال الأعمال، وانضمت أراضي النوبة لجزيرتي تيران وصنافير وجزيرة الوراق وجزيرة الذهب وغيرها، إلا أن النوبيين أطلقوا صافرات الإنذار السلمي بيوم الحداد السنوي وهو ما يدل على أنهم لم يتلقوا العزاء في أراضيهم بعد.

 

“الحلل” المصرية

المصريون مبدعون في الاحتجاج، أتذكر عندما تقاعست محافظة القاهرة في السبعينيات من القرن الماضي عن توصيل المياه لبعض أحياء السيدة زينب وقلعة الكبش (حي مجاور لحي السيدة بالقاهرة القديمة) وأهملت صيانة شبكات المجاري، فقام أهل الحي بحمل “الحلل”- أواني الطهي- ونظموا مسيرة حتى المحافظة، وهم يطرقون على الأواني، وكانت المسيرة سلمية، ولكنها مقدمة لغضب أشد فاستجابت المحافظة وتم توصيل المياه.

 

وهو نفس ما فعله شباب العمرانية (حي في محافظة الجيزة) عندما أهملت الدولة الحي وتركته غارقا في القمامة فنظموا مسيرة سلمية تحمل أكياس القمامة وساروا بها للمحافظة وألقوها على مكتب المحافظ، الذي أدرك أنها إنذار ومقدمة سلمية لأحداث غير سلمية فتحول التجاهل إلى اهتمام.

 

وأخيرا هل سينتبه النظام المصري لاحتجاج الصفارات السلمي أم سيتجاهل آلام ومتاعب ومشكلات المحتجين ليتحول إلى احتجاج غير سلمي؟

 

أوجه سؤالي لأولي الألباب نصحا وليس تهديدا.

(نقلا عن الجزيرة مباشر نت)