نحو حوار وطني حول ثورة 1919 في مئويتها..الثوابت والهوية والخبرات التاريخية

بقلم محمد عصمت سيف الدولة

 

هذه ورقة عمل مقترحة لقضايا وملفات الذكرى المئوية لثورة 1919، أدعو فيها كل المصريين بكافة أطيافهم وانتماءاتهم الفكرية والسياسية والحزبية والدينية بدون استثناء، لفتح وإدارة حوار وطنى شامل جامع حول تاريخ مصر وحاضرها ومستقبلها، وحول ثوابتها الوطنية، وهويتها الحضارية، وجيناتها الثورية. وفيما يلى أهم اسباب إجراء مثل هذا الحوار الآن:

لأن أهداف ثورة 1919 فى الاستقلال والحرية لم تتحقق حتى اليوم، رغم مرور مئة عام!

ولأهمية دراسة ثورات المصريين المتعددة ومحاولة استخلاص أسبابها ومآلاتها وخصائصها.

وكذلك للمقارنة بين مصر 1919 ومصر 2019.

والفروق فى المشهد العربى والدولى والاقليمى بعد مائة عام.

ولأن كثيرا من أفكار وتيارات ومؤسسات اليوم، بدأت ونشأت وتأسست فى 1919 وأكنافها.

ولحاجتنا الملحة اليوم إلى الحوار مع بعضنا البعض بعيدا عن حالة الاستقطاب والانقسام الحالية.

ولما فى ثورة 1919 من كنوز من الخبرات لا نزال فى أمس الحاجة إلى التعلم منها.

ولحاجتنا الدائمة لإحياء قيم المقاومة والثورة والنضال الوطنى.

ولأسباب أخرى كثيرة.

***

وفيما يلى بعض التفاصيل:

1) لأن هدفها الرئيسي فى الاستقلال لم يتحقق رغم مرور مئة عام، فبعد ان نالت مصر استقلالها عام 1956/1957 مع انسحاب قوات العدوان الثلاثى، تم احتلال سيناء عام 1967 وكان ثمن تحريرها هو السقوط فى التبعية للولايات المتحدة الامريكية منذ نهاية حرب اكتوبر 1973 وحتى اليوم.

***

2) وقد تكون فرصة هامة لرد الاعتبار إلى مشروع الاستقلال الوطنى المصرى والعربى وإعادة وضعه على راس اولويات الحركة الوطنية المصرية، التى دفعها استبداد انظمة الحكم وقسوتها الى تهميش هذا المشروع فى السنوات الخمس عشرة الماضية، أى بعد استتباب الغزو الامريكى للعراق.

***

3) ولأن الهدف الثانى الذى ناضل من أجله جيل 1919 وثلاثة أجيال تالية له، لم يتحقق حتى اليوم هو الآخر، وهو هدف بناء حياة دستورية وديمقراطية طبيعية ومستقرة، بل إنه رغم الفرق بين ظروف الاحتلال بالأمس وبين الاستقلال اليوم ولو كان صوريا، إلا ان الوضع الآن قد يكون أسوأ مما كان عليه حينذاك من حيث أحوال الحريات السياسية والحزبية ونزاهة الانتخابات ودرجة استقلال الحياة البرلمانية والنواب المنتخبين عن السلطة التنفيذية والقصر الحاكم….الخ، قارن بين الانتخابات البرلمانية والرئاسية فى السنوات الماضية وبين انتخابات 1924 على سبيل المثال.

***

4) بالاضافة إلى أهمية عقد مقارنة بين ثورتى 2011 و1919 بعد أن تعرضت كلتاهما للهزيمة والاجهاض على ايدى قوى الثورة المضادة، لعلنا نتمكن من استخلاص سنن ونواميس عامة للنجاح والفشل فى الثورات الشعبية المصرية.

***

5) وقد يكون من المطلوب ايضا مقارنتها بثورة 1952 التى لا نزال نعيش حتى اليوم فى ظل ما أنشأته من مؤسسات وهياكل وقواعد للسلطة والحكم والحكام والمحكومين. على أن تتركز المقارنة على مدى اقتراب أو ابتعاد الحصاد الختامى لكل من الثورتين من تحقيق غايتى الاستقلال والحرية على وجه التحديد.

***

6) كما قد تشكل مئوية 1919 منصة مناسبة ومظلة آمنة لتناول ودراسة ومناقشة قضايا الثورة بشكل عام بكل تحدياتها وشروطها واشكالياتها، فى ظل العداء والحصار والحظر المفروض اليوم على ثورة يناير وثوارها.

***

7) كما ان من المسائل المشتركة بين مصر 1919 ومصر اليوم والتى من المهم دراستها والتعرف عليها، هو دور الوضع الدولى والاقليمى، ودرجة ونسب تأثير كل من الارادة الوطنية والارادات الخارجية فى تقرير مصائرنا، ومتى يتقدم أو يتراجع تأثير أى منهما؟

***

8) وفى السياق ذاته من المهم والمفيد الإجابة على أسئلة من نوعية لماذا لم تتضامن كل الشعوب العربية، فى مطالب ومواقف واحدة فى مؤتمرات الصلح، بدلا أن تطرح كل منها قضيتها بشكل منفرد ومستقل؟ رغم أنهم جميعا كانوا ضحية لترتيبات وصفقات استعمارية واحدة أدت إلى تقسيم واقتسام أقطارهم وتوزيعهم كغنائم حرب بين المنتصرين؟ وهى ذات الخطيئة الكبرى التى تتكرر اليوم مع الولايات المتحدة و (إسرائيل)

***

9) وماذا كانت السمات المشتركة أو الفروق الجوهرية بين الثورة المصرية فى 1919 وبين أخواتها من الثورات العربية المتزامنة معها مثل ثورة العشرين فى العراق وثورة الريف فى المغرب 1921 والثورة السورية الكبرى 1925.. الخ؟

***

10) ولماذا خرجت مصر وكافة البلاد العربية من الحرب العالمية الأولى محتلة بينما استقلت تركيا؟

***

11) وهل يمكن مقارنة وتشبيه سلسلة ثورات التحرر الوطنى العربى بعد الحرب العالمية الاولى بسلسلة ثورات الربيع العربى الاخيرة؟

***

12) كما أنه قد يكون من المفيد والمشوق فى آن واحد ان نعقد مقارنات بين مصر 1919 ومصر 2019، لدراسة درجات ومعدلات ونسب التقدم والتطور أو التخلف والتراجع فى عديد من مجالات الحياة، وعلى سبيل المثال ما هى فرص وإمكانية تداول السلطة فى كلا العصرين؟ وأحوال الدستور والبرلمان والتشريعات والقوانين ونزاهة الانتخابات؟ والمقارنة بين الاحكام العرفية حينذاك وحالة الطوارئ اليوم؟ والعلاقات بين السلطة التنفيذية والتشريعية؟ والفرق بين سلطات الملك وسلطات الرئيس اليوم؟ وحالة أجهزة القمع وفرض النظام وموقف الشرطة من الثورة ردعا أو تعاطفا؟ ونظام المحاكم ودرجة استقلال القضاء والأزهر والكنيسة عن القصر والسلطة؟ وأحوال المجتمع المدنى والأهلى والتعليم وتطور النقابات العمالية والحركات الطلابية؟ بالإضافة إلى الخرائط الطبقية والإجتماعية ومستويات الغنى والفقر وتوزيع الملكية والثروات، وأحوال الصحف والصحفيين والحياة الفكرية والثقافية والفنية والوحدة الوطنية والعلاقة بين الوطنى والقومى والدينى ..الخ؟

***

13) كما أن فى دراسة تاريخ ومسارات وتفاصيل ثورات المصريين منذ الحملة الفرنسية حتى يومنا هذا، أهمية كبيرة للإجابة على عديد من الأسئلة من نوعية: متى يثور المصريون؟ ومتى يلتزمون الصمت خوفا أو قهرا؟ وهل هناك سمات عامة ومشتركة بين كل ثوراتهم تفرقها عن ثورات الشعوب الأخرى؟ وما هو دور كل من العوامل الموضوعية والعوامل الذاتية فى تفجير الثورات وفى نجاحها؟ وما هى خصائص ومواصفات الرجال والقادة الذين تمنحهم الشعوب ثقتها ومبايعتها بالإجماع؟ وهكذا.

***

14) ناهيك بطبيعة الحال على ما فى أحياء ذكريات كل معارك وثورات ونضالات شعبنا، من إعلاء لكل قيم الثورة والمقاومة والروح الإيجابية لتحفيز الشعوب والأجيال الجديدة وتربيتها على العزة والكرامة والشجاعة والإقدام وتحصينها ضد الخوف والمذلة والاستكانة والاستسلام أمام أى مستعمر أو ظالم أو مستبد أو مستغل أو فاسد أو فرعون.

***

15) ولأن بدايات وتكوينات جديدة فى حياتنا اقترنت وارتبطت بثورة 1919 وتفاعلاتها وآثارها:

بدءا بنمو وعي قومي مصري مستقل بشكل كبير عن الروابط العربية والإسلامية، كان له “حينذاك” دورا إيجابيا فى مواجهة الاحتلال.

ومرورا بنشأة أول دستور وحياة دستورية وحزبية وبرلمانية بالمعنى الحديث.

بالإضافة إلى ظهور أول معالم واضحة وصريحة للخريطة الفكرية والايديولوجية للنخب المصرية والتى لا تزال قائمة حتى اليوم، ليس فى مصر وحدها بل على امتداد الأمة العربية، وأقصد بها تقسيم وإنقسام النخب الفكرية والسياسية إلى اربعة تيارات رئيسية هى التيار الوطنى/القومى، والتيار الليبرالى، والتيار الاسلامى، والتيار الاشتراكى/الشيوعى.

***

16) وما تتيحه هذه النقطة الأخيرة من فرصة للتعرف على أهم الاشكاليات والقضايا الفكرية التى هى محل تفاعل واجتهاد وخلاف فى تلك الحقبة من تاريخنا، والتى امتدت آثارها إلى اليوم ومن أمثلتها:

  • الموقف من التفاوض من الإستعمار، بين أنصاره كحزب الوفد وبين رافضيه كالحزب الوطنى الذى كان يرفع شعار لا مفاوضة إلا بعد الجلاء، وإسقاط ذلك على قضية مثل الصراع العربى الصهيونى اليوم بين المقاومة والتفاوض.
  • مسألة الهوية وروابط الانتماء، بين الوطنى المصرى، والقومى العربى، والإسلامى الأممى.
  • وكذلك الاختلاف فى المواقف وردود الفعل من الغرب المستعمر المتقدم المنتصر، بين رافض ومقلد ومنتقى.
  • وكذلك مدى نضوج الوعى الطبقى والاقتصادى والاجتماعى والانحياز الى الفقراء والاهتمام بعدالة توزيع الثروة بين طبقات الشعب المختلفة.
  • بالاضافة إلى مدى إدراك النخبة والقيادات السياسية والفكرية لخطورة المشروع الصهيونى حينذاك، وكذلك مدى إدراكهم لحقيقة ومخاطر اتفاقيات سايكس بيكو، التى لم نولها اهتماما أو تركيزا كبيرا فى كتابات مؤرخين وطنيين كبار امثال عبد الرحمن الرافعى حينذاك.
  • وهكذا.

***

17) وأيضا لما تمثله هذه الذكرى الوطنية الكريمة من فرصة نادرة للتفاعل والحوار بين كافة التيارات والشخصيات بعيدا عن أجواء الانقسام والصراع والتكفير والتخوين التى ضربتنا فى السنوات الماضية، من حيث أن ثورة 1919 هى جزء من تاريخ طويل وعريق نتشارك فيه جميعا على المشاع، لا فضل فيه لتيار على الآخر.

***

18) ناهيك على ما فى ثورة 1919 من كنوز ثمينة من المعارك والبطولات والملاحم والعبر والدروس ما أحوجنا إلى التعرف عليها والتعلم منها والإقتداء بها ودراسة ظواهرها مثل:

  • حالة الإجماع الوطنى النادر الذى لم يجرؤ أحد على تحديه والخروج منه علانية فى شهور الثورة الأولى.
  • وظروف وعبقرية ميلاد وانطلاق الشرارات الأولى للثورة، بسبب الهدنة والظرف الدولى وإقدام وشجاعة عدد محدود من القيادات الوطنية على أخذ زمام المبادرة والمطالبة بالاستقلال وما إلى ذلك من حركة التوكيلات ودورها فى اشراك كافة فئات الشعب وتنظيمها ونقل المعركة الى كل مكان فى مصر.
  • وملاحم البطولات الشعبية فى مواجهة قوات الاحتلال، وأدوات وإبداعات حركة المقاطعة والمقاومة السلبية لسلطات الاحتلال.
  • وأساليب التفاوض ومبدئيته وصلابة المفاوضين الوطنيين، فى مواجهة محاولات ومناورات الإنجليز لشق الصف الوطنى، ودور قوى الثورة المضادة، وكيف ومتى ينجحون فى زرع الفرقة والانقسام؟
  • وغدر الأمريكان الذى لم يتوقف منذ ذلك الحين، حين رفضوا استقلال مصر واعترفوا بالحماية البريطانية فى مؤتمر الصلح.
  • والدور الخطير والمركزى لتنظيم الثورة سرا وعلانية.
  • ويوميات الثورة ومظاهراتها وشهدائها.
  • ثم المحاكمات الظالمة التى تلى كل الثورات وأحكام السجن والإعدام بالجملة.
  • وغيره الكثير.

***

19) بالإضافة إلى حاجتنا لمقاومة حالة اليأس الحالية التى أصابت كثيرين منا بعد إجهاض ثورة يناير، فان تراجع الثورات وهزيمتها ليست هى نهاية العالم، فهناك جولات جديدة آتية لا محالة. فمن كان يتصور بعد فشل ثورة 1919 فى تحقيق الاستقلال، وبعد أن تم وأد كل مكتسباتها عقب مقتل السير لى ستاك واستقالة سعد زغلول ثم وفاته، أن موجات عديدة من النضال ستتوالى على امتداد العقود التالية إلى أن يتم تطهير البلاد من آخر جندى بريطانى؟ وهكذا.

***

20) وأخيرا وليس آخرا لانها فرصة للتذكير بزمن التفاعلات الشعبية والنضالات الوطنية والسياسية فى غياب ادوات ووسائل التواصل الاجتماعى الحالية. ثورات تفجرت وقامت بدون الفيسبوك وإخواته. فقد تكون مفيدة لنا اليوم وفى السنوات المقبلة فى ظل السياسات الحالية والنوايا المبيتة لفرض مزيد من الحصار والمراقبة والإغلاق والمصادرة لكل هذه الوسائط الحديثة فى وجه المعارضة السياسية.

*****