في الذكرى المئوية لثورة 1919: دروس وعبر.. فهل استفاد منها المصريون؟

تحتفل مصر في هذه الأيام  بمرور مائة عام على ثورة 1919، أم الثورات وصانعة الرموز الوطنية وأكثرها تأثيرا في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية، والتي بفضلها عرف المصريون كيف يعبّرون عن مطالبهم والسعي نحو استقلالهم من وصاية الاستعمار ووكلائه الذين ما زالوا في سدة الحكم حتى الأن يحكمون نيابة عنه.

تعد ثورة 1919المهد الحقيقي لميلاد الوعى والممارسة بكل من: الاستقلال الوطني، ومرجعية حكم الدستور، والمواطنة، ورفض مفهومي الأقلية والطائفة، ومواجهة الاستبدادين السياسي والديني، والحريات المدنية والسياسية، وتأسيس المدرسة القومية في كل المجالات: الموسيقى، والفن، والأدب، والصحافة، والفن التشكيلي، والعمارة، والعلوم التطبيقية، وعمل اجتماعي، وفقه معاصر مصري، ورياضة، وتبلور الشخصية الوطنية والحضارية.كانت نموذجا فريدًا يخاطب مخيلة وأحلام المصريين في الحرية والعدالة الاجتماعية عبر الاجيال، لذلك لم يكن غريبا أن تستلهم ثورة 25 يناير عام 2011 ضد مبارك.

إن المئويات، ليست فرصة للتذكّر والاحتفال فقط، وإنما للتفكّر واستخلاص العبر، ومن ثم التدبّر أيضا. فالتذكر؛ يعنى المراجعة، وإعادة طرح القضايا في ضوء ما استجد من معلومات وشهادات تاريخية، أما التفكّر؛ فيعنى إعادة النظر فيما هو شائع، وإعادة مناقشة ما هو مسكوت عنه، وتجديد البحث في الملفات المغلقة، وتقييم التجارب التاريخية المتنوعة بحرية…ويعنى التدبر؛ هو رسم صورة المستقبل في ضوء التاريخ ودروسه المستفادة…لذا لم يبالغ القائل بأن التاريخ هو القاعدة التي ينطلق منها تقدم المجتمعات، فهل حقا استفاد الشعب المصري من ثورة 1919 واستخلص منها الدروس والعبر في تجربته الثورية في 25 يناير، أم أنه أخفق في التعلم والاستفادة منها لذلك سُرقت منه ولم يجنِ منها سوى ذكرى ثورية عابرة وأمل معقود في نواصي الأحلام، ينتظر ثورة جديدة تصلح ما أخطأ فيه الشعب في 25يناير واسترداد ثورته.

دروس وعِبر

تبدأ وقائع الثورة برغبة سعد زغلول وبعض قيادات الجمعية التشريعية للسفر الي لندن ثم الي باريس لعرض مطالب مصر في الاستقلال أمام مؤتمر السلام في فرساي، وقد رفضت سلطة الاحتلال البريطاني التصريح لهم وشككت في مشروعية تمثيلهم للشعب المصري، ما دفع زغلول ورفاقه لتشكيل ما عرف بهيئة الوفد المصري والتي سعت الي جمع توكيلات من كل المصريين في الريف والحضر، مسلمون واقباط ويهود، فقراء واغنياء، للحديث باسمهم والسعي بالطرق السلمية المشروعة لتحقيق استقلال مصر، هكذا تشكلت من اليوم الاول للحراك السياسي جبهة وطنية عريضة تضم ممثلين عن معظم الاحزاب والفاعليات السياسية علاوة عن ممثلين لكل الاديان، الامر الذي ضمن الوحدة الوطنية وأكد مفهوم المواطنة والمساواة بين الجميع، ومدنية الثورة، والسعي الى تأسيس دولة مستقلة ديموقراطية.

أما الدرس الثاني من دروس الثورة الام فهو حملة التعبئة والحشد والتي اعتمدت علي حراك شعبي واسع يرمي الي جمع التوكيلات من عموم المصريين، كانت صيغة جديدة تضمن التواصل السياسي والدعاية والتجنيد وبناء قواعد تنظيمية فضلا عن صيغتها القانونية والتي تنيب الوفد في الحديث باسم المصريين في قضية الاستقلال، وبحسب التقديرات فقد نجح الوفد في جمع اثنين مليون توكيل في شعب كان تعداده 14 مليونا! مما اضطر سلطة الاحتلال للموافقة علي سفر الوفد الي مؤتمر الصلح في باريس .

لكن على صعيد أخر تم توظيف تلك الصيغة الهادئة لحملة التوكيلات، فقد استخدمتها حركة تمرد التي مهدت لانقلاب 30 يونيو عام 2013، وقامت بجمع استمارات من المواطنين تطالب بعزل الرئيس المنتخب محمد مرسي والدعوة لانتخابات مبكرة، وقد ادعت الحركة انها جمعت 22 مليون استمارة، في عملية حشد واسعة ساهم في تسويقها الإعلام وبعض النخب السياسية للإجهاض على أول تجربة ديمقراطية في مصر، وهي اختيار المصريين من يحكمهم عبر صناديق الانتخاب.

وشتان بين التقليدين، فثورة 1919كانت تثور على كيان أجنبي محتل خرّب البلاد وحكم عليها بالتبعية لذلك كان الحشد الشعبي وراء القيادات وتفويضهم منطقي وضروري، لكن حملة تمّرد كانت موجهة من قبل أعداء 25يناير للانتقام من المصريين والحفاظ على مصالح الفاسدين من فلول الدولة العميقة، وكانت النهاية خسارة أخر مكاسب ثورة يناير وهو الدستور الذي يتم تغييره الأن على مقاس السيسي ليبقى مستبدا لحكم مصر مدى الحياة.

توحيد الجبهة

يمكن القول أن العمل الجبهوي هو أحد أهم دروس ثورة 1919، والذي فوّت علي الاستعمار فرصة اللعب بورقة «فرق تسد» بين الاحزاب، أو اللعب بورقة الفتنة الطائفية وهما ورقتان يجيد الاستعمار البريطاني اللعب بهما وتفتيت الحركات الوطنية . واعتقد أن هذا الدرس تعلمته الأجيال المصرية عبر التاريخ، فلم ينجح الحراك السياسي ضد دستور 1930 وحكومات الاقلية الاستبدادية إلا بعد تشكيل جبهة وطنية في العام 1935 نجحت في الضغط علي الملك فؤاد واجباره علي إعادة العمل بدستور 1923، وتكرر درس الجبهة الوطنية عند تشكيل لجان الطلبة والعمال عام 1946 للمطالبة بالاستقلال التام، وصولا الي جبهة العمل المشترك الواسعة في حركة كفاية عام 2004، ثم بين شباب ثورة 25 يناير في ميدان التحرير وميادين الثورة.

لكن بعد ثورة يناير تم توظيف هذا العمل الجبهوي في انقلاب 30 يونيو 2013 والذي أطاح بأول رئيس مدني منتخب، فقد وقف الازهر والكنيسة والقوي المدنية والجيش ضد حكم مرسي وأغرق البلاد في نفق مظلم ساهم في تراجع الاقتصاد وتردي الاحوال المعيشية وتفاقم الديون والاعتقال التعسفي بحق المعارضين بالإضافة إلى أحكام الإعدامات المسيسة التي لاقت إدانات دولية من منظمات حقوقية، ووصفت السيسي بأنه الأسوأ في تاريخ حكم مصر.

وسرعان ما عانت ثورة 1919 عندما ضرب الانشقاق هيئة الوفد المصري في باريس، وبعد أقل من سبعه اشهر من اعلانه، ليمهد الطريق امام ظهور حزب الوفد بقيادة سعد زغلول. الذي نجح في قيادة الحركة الوطنية المطالبة بالاستقلال التام غير المشروط والدفاع عن دستور 1923 شبه الليبرالي وحتي قيام ثورة يوليو 1952.

وهذا ما حدث لثوار يناير عندما ضرب بينهم الشقاق ولعب بهم المجلس العسكري وأوهمهم بتأيده للثورة وأعلن اعترافه بها بضمان الدستور المصري الذي أقرّ بالثورة، وهي الإجراءات الشكلية التي أبهرت المصريين ودفعتهم إلى تسليم مقدراتهم ومصيرهم للعسكر متوهمين أنهم شركاء الشعب غير مدركين أن كل هذه المشاهد كانت إجراءات مدروسة لاستيعاب الثورة المصرية لحين التمكن منها والتحكم في مجريات الأمور لتبدأ مرحلة العودة إلى السابق وتأديب الشعب على ثورته.
لا جماهير بدون قائد

من الدروس المستفادة المهمة من ثورة 1919 هو ضرورة وجود زعيم قادر علي تحريك الجماهير وبلورة أهداف الثورة، وقيادتها، وهنا يبرز دور سعد زغلول والذي نجح في تقديم نموذج للزعيم الوطني الصلب، القادر علي التفاوض مع القصر والاحتلال من موقع القوة، وفي الوقت ذاته يستطيع الرفض والعودة للجماهير التي منحته وهيئة الوفد المصري توكيلا للحديث باسمها، ورغم حدوث انشقاق داخل هيئة الوفد، إلا أن كاريزما سعد زغلول مكنته من تشكيل حزب الوفد، وادعاء أنه الحزب الذي يجسد الأمة المصرية كلها، المعني أن سعد زغلول وقيادة الوفد عبر تاريخه وحتي 1952 حرصت علي تأكيد فكرة أن الوفد ليس حزبا، وانما هيئة تجسد الشعب المصري استنادا الي حركة التوكيلات ثم الي ان الوفد فاز بأغلبية ساحقة في كل الانتخابات البرلمانية غير المزورة  والتي أجريت في مصر خلال الفترة بين ( 1923-1952 )، وتكفي الاشارة الي ان اجمالي الفترات التي تولي فيها الوفد الحكومة لا تزيد عن 8 سنوات فقط خلال هذه الفترة.

كان لسعد زغلول وحزب الوفد دور في تمكين  ثورة 1919 من تحقيق بعض اهدافها، ومع أن مصر حصلت علي استقلال منقوص من بريطانيا، ودستور1923 شبه الليبرالي إلا أن ثورة 1919 نجحت نظريا في تأسيس مملكة دستورية، تقوم علي مدنية الدولة وعدم خلط الدين بالسياسة، والمساواة بين المواطنين أمام القضاء، اضافة الي تامين مناخ ثقافي وسياسي يقوم علي التعددية وحرية التفكير والابداع، وهو ما سمح بظهور مفكرين ومبدعين في كل المجالات واثر بعمق في أجيال عديدة من المصريين كما اثر في المنطقة العربية .

والمفارقة ان انتفاضة 25 يناير لم تتعلم او تستوعب هذا الدرس من ثورة 1919 حيث لم تمتلك تنظيما قادر علي حشد وتعبئة الزخم الثوري الذي انفجر في ميادين الثورة، كما افتقدت للزعامة الكارزمية التي جسدها سعد زغلول، وعانت من تنافس وصراع الزعامات، من هنا بقيت مجرد انتفاضة وعجزت عن أن تتحول الي ثورة، اذ تعثرت وفشلت في تحقيق اهدافها.

الشباب قاطرة التحرك دوما
أما الدرس الرابع من دروس ثورة 1919 فهو أن الجماهير سبقت القيادة تماما كما حصل في انتفاضة 25 يناير، فقد سبق تحرك شباب الثورة كل الأحزاب السياسية القائمة وفضح ضعفها، وهو ما حدث تقريبا في ثورة 1919، حيث أرسل سعد زعلول احتجاج إلى لويد جورج رئيس الوزارة الإنجليزية، أعلن فيه أنه يطلب «الاستقلال التام» لمصر، ما دفع سلطات الاحتلال في 8 مارس الي اعتقال زعماء الوفد، ثم نفيهم في اليوم التالي إلى «مالطة». وبمجرد انتشار اخبار النفي يوم 9 مارس خرجت مظاهرات الاحتجاج في القاهرة والمدن الكبرى.

وكان الشباب – كما في 25 يناير وغيرها من الانتفاضات الشعبية – قاطرة التحرك الثوري خاصة طلبة المدارس الثانوية والعليا ثم انضم لهم بقية المصريين. هكذا تجاوزت تحركات الشارع قيادة الوفد وسعد زغلول، والذي لم يدعو الي الثورة! ولعل مقابلة شباب الثورة مع عبدالعزيز فهمي أحد زعماء الوفد تؤكد ذلك حيث قال لهم: «انكم تلعبوا بالنار دعونا نعمل في هدوء ولا تزيدوا النار اشتعالًا»!!

لكن لحسن الحظ لم يستمع الطلبة الثائرين للنصيحة وانطلقت الثورة، وانتشرت ولأول مره في الريف وشارك فيها كل الطبقات والفئات في أوسع وأهم تحرك شعبي، ما أرغم سلطات الاحتلال – بعد اقل من شهر علي بداية الثورة – من اطلاق سراح سعد زغلول وزعماء الوفد، والسماح لهم بالسفر الي مؤتمر فرساي، لكن المفاوضات تعثرت، ما أدي الي اطلاق بريطانيا تصريح 1922 الذي اعترف باستقلال منقوص لمصر وكتابه دستور جديد، وهي نتائج مهمة.. لكن هناك من يري أن ثورة 1919 فشلت في تحقيق الاستقلال، ولم تهتم بالعدالة الاجتماعية او البعد العربي لمصر، لكن مهما كان من أمر هذه الانتقادات.

فإن ثورة 1919 كانت ثورة حقيقية غيرت المجتمع المصري والحياة السياسية حيث شاركت المرأة فيها، واثرت الثورة في زعماء ثورة العشرين في العراق وكانت بمثابة نموذج ملهم لهم وللثورة السودانية عام 1924، وفي ثورة 1925 في الشام، اضافة الي تأثيرها العميق في شخصية المهاتما غاندي الذي أعرب عن اعجابه الشديد بها والاستفادة منها في صياغة افكاره. كما أن ثورة 25 يناير كانت أيضا مصدر الهام للشعوب العربية وشرارة التحرك التي عمت نيرانها باقي البلاد العربية، بعد إسقاط نظام مبارك الذي استبد بالحكم ثلاثين عاما، وحين صرخ الشعب وعلا صوته أسقطه في 18 يوما فقط.