عبادة الذات

بقلم د محمد محسوب

 

لا أقصد به عبادة الشخص لذاته، إنما عبادة الإنطباعات التي يتبناها الشخص معتقدا أنها تصورات فكرية أسمى مما يحمله غيره..

مراجعة سريعة لجزء من تاريخنا الحديث ربما يشرح المعنى ويوضحه.

فالنظر لفترة محمد على باعتبارها فترة علمانية تأخذ بخناق كثير من الإسلاميين، بينما النظر لحسن البنا وجماعة الإخوان المسلمون باعتبارها تيارا دينيا رجعيا يحبس عقول كثير من الليبراليين.

يصعب على هؤلاء وعلى هؤلاء أن يروا الأمر من زاوية مختلفة.

فمحمد علي الذي انفتح أمامه الطريق لاحتلال اسطنبول سنة 1838 رفض – في رسائلة المتبادلة مع ابنه وقائد جيوشه ابرهيم باشا – أن يفعل لأنها دار الخلافة، ورفض نصيحة ابنه بإسقاطها وإعلان خلافة عربية على أنقاضها لأنه يتمسك بالبيعة التي في عنقه والتي أسماها “الرباط المقدس”. وهو أمر لا يمكن ربطه إلا بالتاريخ والتقاليد الإسلامية. وإذا كان ذلك لا يعني أننا أمام ممثل للتيار الإسلامي الحديث، لكنه بالتأكيد ليس علمانيا بالمفهوم الحديث أيضا.

من ناحية أخرى يمكن النظر لجماعة الإخوان المسلمين من زاوية مختلفة، باعتبارها محاولة جادة لإخراج الإسلام من النطاق التقليدي الذي كان سائدا لعدة قرون، وإعادة طرح مفاهيمه بصورة تتناسب مع العصر.

وبغض النظر عن تقييم نتائج التجربة، فإن الأمر لا يتعلق بجماعة دينية صرفة، بل بمحاولة تخطئ أو تصيب للإصلاح من خلال رؤية دينية أكثر انفتاحا.

الأمر لا يختلف كثيرا عن المحاولات الكبرى في التاريخ الأوربي لتجديد المفاهيم الدينية وبث الحياة فيها.

كذلك انعكس الاحتباس خلف الأيديولوجيا في تقييم كل شئ وفي تشكل مواقف التيارات الكبرى في مصر والأمة العربية.

الموقف مثلا من المادة الثانية في الدستور المصري هي الأكثر غرابة

فقد أضيفت بدءا من دستور 1923 من لجنة لم يكن بداخلها أي إسلامي بالمعنى المتعارف عليه حاليا، بل على العكس كانت أقرب للمفهوم العلماني.

كما إنها زادت تفصيلا في دستور 1971 بفضل لجنة أخرى شكلها الرئيس السادات ولم يكن من بينها من يمكن حسابه بالمقاييس الفكرية والسياسية على الإسلاميين,

ومع ذلك، فإن هذه المادة بالذات أحدثت نقاشات وخلافات كبرى بين الإسلاميين الذين يُدافعون عنها والليبراليين واليساريين الذين يتشككون فيها.

الأمر لا يعبر عن حقيقة تاريخ تلك القاعدة الدستورية، وإنما يُعبر عن خلل لحق أيديولوجيا كافة الأطراف، بحيث أصبح يرى عكس عقارب الساعة الخاصة به.

فوفقا للفكر العلماني يجوز وربما يفضل النص في الدستور على دين محدد للدولة ينهي خصوصية الدين واستقلاله ويحوله إلى مرفق عام تُديره وتتحكم فيه الدولة، وهي الرؤية التي تبنتها أغلب دول العالم الغربي حتى النصف الأول من القرن العشرين.

بينما أنه وفقا للمبادئ الكبرى للأديان السماوية، فإن عالمية الدين هي جزء من بنيانه، لا يمكن أن تختصره أو تحتكره دولة، ولا يجوز أن يتحول لخدمة عامة من الخدمات التي توفرها الدولة وتحتكر تنظيمها، فهو يتجاوز وظائفها ويتخطى حدودها ولا يتقيد بقيودها.

تتعاظم المشكلة لتُصبح خطرا على الحياة اليومية للمجتمعات، عندما يرى اتجاه أن اعتقال أحد أبناء الاتجاه الآخر أمر يُمكن أن يكون مبررا باعتبار أن ثمة شبهة تلتصق بالآخر تجعله أقرب للخطأ، بينما أن اعتقال من ينتمي إلى فصيله يُعتبر جريمة كبرى لأنه يحمل حصانة.

وكذلك، فإن عدم اليقين والتوجس من الطرف الآخر تُصبح عائقا أمام بناء جماعة وطنية متماسكة تكون حائط صد أمام تغول الحكام المستبدين، وتصبح ميزة للاستبداد تمنحه فرصة البقاء لمدد أطول مما تؤهله ملكاته أو حتى قدرته على القمع.

إن التراجع خطوة للوراء، بأن يحمل كل فريق بعض الشك في المسلمات التي يحملها، بما يسمح له بمراجعة نفسه وفتح حوار مع الآخر والاستماع له على اعتبار أنه ربما يملك جزءا من الحقيقة، هو الطريق الذي يسمح بإعادة نسج أوصال الجماعة الوطنية لأي شعب