الإنفجار الحتمي في مصر.. متي؟!

بقلم محمد الصباغ

تأسس في مصر وضع سياسي خاص بعد أن حصل المصريون علي دستور أبريل ” نيسان ” عام 1923 كأحد المكاسب عن تضحيات سنوات البناء السياسي ” الثلاثين ” والتي بدأت مع تولي الخديوي عباس حلمي الثاني الحكم خلفا لأبيه الخديوي محمد توفيق في عام 1892 ولكن المصريون لم يحافظوا علي مكتسبات ثورة عام 1919 بالإنقسام الذي حدث بعدها بين من كانوا يسمون ” زعماء الثورة وقادة الأمة ” وأصبح ” حزب الوفد ” الذي قاد جزءاً من وقائع الثورة وأحداثها هو المفرط في حقوق المصريين تجاه السلطة البريطانية في مصر بدلا من أن يكون هو “حزب الجبهة ” التي تصارع البريطانيين علي مزيد من الحقوق السياسية للمصريين.

كانت الخسارة في جني مكتسبات الثورة عاجلة ؛ رغم أن الثورة كانت ما تزال حاضرة وساخنة في قلوب الشعب . وقد بدأ نزيف الخسائر بعد أن بدأ موسم جني ثمار الثورة ؛ كل لصالحه في عام 1922 وخديعة البريطانيين يإصدارهم وعد الإستقلال ” التابع” في 28 فبراير ” شباط ” 1922 والذي مثل جانبا مما خسره المصريون بالإنقسام في إدارة الحياة السياسية في الوقت الذي كان عليهم أن يحصلوا علي نتائج أفضل من خلال ثورتهم في عام 1919.

وقد كشف الصراع بين زعماء الأحزاب المصرية وقادة الثورة وأصحاب المصالح والنفوذ والقصر الملكي وممثلوا الغرب المسيحي عن أزمة معقدة في مصر استمرت منذ ذلك الحين وحتي الآن ؛ فعلي مدي أكثر من 95 عاما ظلت مصر تبحث عن ” نظام سياسي ” كاف لضبط مصالح كل القوي المتصارعة علي الحكم ولكن دون جدوي ، وقد فشل الجميع إلي الآن في تحقيق هذا النظام ، وضاعت الفرصة تلو الفرصة لأسباب داخلية وأخري خارجية.

فمن الأسباب الخارجية التي أثرت بالسلب علي الحياة السياسية في مصر منذ ذلك الحين وحتي الآن : أن “الغرب المسيحي ” لم يكن مثلا : هادفاً إلي مساعدة الشعب المصري علي أن يكون ” نظام الحكم ” في الدولة المصرية عادلا أو ديمقراطياً ، بل ساعد ” طغاة الحكام المصريين ” علي أن يتمادوا في الإستبداد مادام ذلك لصالح الغرب ومشروعاته . كما أن أزمة الحكم في مصر استمر تصاعد تأزمها حتي إنتهاء العصر الملكي وتجربته الليبرالية ؛ ثم تصاعد التأزم في طفرة كبيرة بعد حكم الضباط في مصر في يوليو ” تموز ” 1952 واستمرار سلسلة إنقلابات الحكم العسكري حتي محطتها الأخيرة في 3 يوليو ” تموز ” 2013 .

سوف يستمر التأزم السياسي في إدارة منظومة الحكم في مصر؛ وسوف تستمر ” طفرات ” التعقد في ” أزمة الحكم ” لأن من أمسكوا بالسلطة ” غصباً أو طوعاً : كل انشغل بمصالحه عن الهدف الذي يحقق ” النظام ” الذي يحمي كل المصالح للقوي المختلفة في السلطة وخارجها ، ولم يأت علي مصر إلي الآن النظام الذي يعتلي السلطة وفي نفس الوقت لا يتجاهل الشعب أو يتلاعب به أو يخدعه أو يستخدمه كوقود للثورات ، ثم بعد ذلك يهمشه في إدارة السلطة ويهمشه في ميزان العدالة الإجتماعية .

لقد تضاعف السوء في أزمة الحكم في مصر ؛ لأن الأزمة تعقدت بفعل أزمة أخري، هي أزمة الحاكم نفسه ؛ إلي جانب ” أزمة النظام ” الذي كان من المفترض أن يمثل الشعب أساسا في إدارة الدولة ، ثم تعقدت الأوضاع ؛ بأكثر من ” أزمة النظام وأزمة حاكم النظام ” إلي أزمة أخطر وهي فشل الحاكم في إدارة السلطة وتبديد أساس وجود الدولة ؛ بل أن نظام الحكم خلق إشكالية مهددة لترابط الدولة المصرية نفسها بعد الإنقلاب ” الثالث ” في سلسلة الإنقلابات المصرية الرئيسية ؛ فقد حدث بعد إنقلاب 3 يوليو ” تموز ” 2013 أن تمترس الإنقلاب العسكري ” خلف الشعب” وأخذ الأغلبية من الشعب دروعا بشرية ؛ بل أنه أخذ الشعب في الواقع “رهينة ” بإدعاء أنه أخذ تفويضاً من الشعب ؛ علي أساس أنه سوف ” يحمي الشعب من أعداء الشعب “.

كان هذا الشعار الأجوف وآليات تنفيذه حيل ” إبتدعها ” الرئيس ” جمال عبد الناصر ” ؛ وقد إتبعها من بعده ” عبد الفتاح السيسي . والحاصل أن : الواقعية الشخصية والسياسية غائبة فيمن يتولون السلطة الآن في مصر ؛ فلا أحد لديه القناعة بشفافية ” إدارة الحكم ” أو أن ” الديمقراطية ” واجبة وأن الإلتزام بالدساتير التي أقرها الشعب ” سيف ” علي رقبة الحاكم ، لا يجوز التنصل من حده القاطع ؛ إذا ما تم الإخلال بأي من تعهدات الحاكم للشعب ودستوره .

والحاصل في مصر الآن : أن دروس التاريخ الثمينة مهملة ؛ بل التاريخ الآن في مصر يداس عليه بالبيادة وتمزق وثائقه ؛ والإعلام السلطوي يستخدم أحط حيل التلاعب بوعي المصريين ويتمادي في إغراقهم في ضباب لا يمكن الرؤية الصحيحة من خلاله . ولم يبق من ” حيل السلطة ” الآن للإستمرار في الحكم غير : مخاصمة الواقع والحقائق وخلخلة مؤسسات الدولة ؛ لصالح ” حكم الفرد ” المعتلي ” جيش السلطة ” ؛ منذ التخطيط لإجهاض “الثورة الشعبية ” وألا تصبح واقعاً في مصر ؛ كان المكر السيء وراء إعتلاء عبد الفتاح السيسي ومجموعته الحكم في أعقاب محاولة المصريين الثورة في بدايات عام 2011 فقد تم إجهاض مشروع الثورة بمخطط للثورة المضادة ؛ وكان السيسي من مجموعته المنفذة ؛ وقد تمادي المخطط ؛ حتي أصبح السيسي رئيسا للدولة وهو في نفس الوقت يمثل “الثورة المضادة بوجهها الناعم المخادع والمحطم” لكل أحلام المصريين ؛ ولا أظن ان هذه الإزدواجية وهذا الخداع سوف يستمر .

فلا يظن فردا مهما كانت قدراته أنه بإمكانه حكم مصر منفردا ؛ والحاكم العاقل النزيه يكفية أغلبية مرجحة مساندة ؛ وأجهزة ومؤسسات في الدولة تكون معاونة ؛ لا مخاصمة ؛ ولا معادية وغير ذلك سوف يصححه الشعب في ثورة غضب ووعي .

لقد وعي الكثيرون من المصريين أن عبدالفتاح السيسي أتي إلي الحكم عبر إنقلاب عسكري واضح في هدفه بأن يسود السلطة في الدولة ؛ ولكنه تخفي في ثوب إدعاء الضرورة باﻹنقاذ ومنع توغل “جماعة اﻹخوان المسلمين ” في مفاصل الدولة ؛ بأكثر مما توغلت ؛ وحدث أن اﻹنقلاب ” العسكري ” في يوليو ” تموز ” 2013 قد أتي في أول عهده بمن يمكن وصفه بأن “شبيه الرؤساء ” دون أن يكون رئيسا ولا شبيها للرئيس ؛ ليُسير من خلاله مجموعة الإنقلاب وإجهاض الثورة الشعبية ما يريدون دون ظهور .

هكذا كان ” السيسي ” حاكما خفيا مستبدا ودون أن يتحمل أدني مسئولية ؛ ثم أتي الوقت الذي كان علي قائد اﻹنقلاب أن يترك البدلة العسكرية التي حُملت بالحد اﻷقصي من الرتب العسكرية ، وليلبس “البدلة المدنية” التي تخفي بداخلها الغلظة العسكرية و تَسلط المؤسسة العسكرية وأذرعتها المخابراتية ؛ وحصل “السيسي ” علي المنصب المدني ولكن بسلطات عسكرية ؛ وخلال فترة هذا الحكم المستبد ؛ فقد قدم “السيسي” ما لم يقدمه غيره أبدا من تنازلات في قضايا تمس وجود الدولة المصرية ، وهي التنازلات التي لم يسبقه في تقديمها أي حاكم لمصر في تاريخها المعروف ، وأغلب الظن أن السيسي سوف يستمر في السلطة حتي يتركها مجبرا وبدون سلاسة التنازل عن الحكم طواعية أو بوسائل التغييرالديمقراطي . وفي هذه اللحظة المرة التي سوف تأتي حتما نأمل ألا يكون الدم المسفوح هدراً ؛ كثيرا ويقتصر فقط علي من أخطأوا اﻷخطاء العظمي