الشهادة طريق البناء

د محمود القلعاوى

 

صور الشهداء التسع  الذين فاضت روحهم بمشنقة ظالمة ، جعلت صفحات التواصل الإجتماعى تقطر دموع وآهات على فراق أحبة تسع من أنبل الشباب ، فارقونا بظلم الظالمين ، ترى الآهات فى حديث كل صديق ، وبالطبع مشاعر الفراق لها جل الإحترام والتقدير ، ولكن دعونا ننظر من جهة أخرى أهى البداية أم النهاية ؟!

أليست هذه المشانق هى التى نقلتهم من حيزهم الضيق إلى السعة ، فجرت  الكثير من المعانى ، جعلتهم روحاً جديدة فاضت بفيض روحهم ، وجوههم المضيئة وأكفانهم البيضاء هزت المشاعر بداخلنا ، أعادت إلينا المصالحة مع الموت ، أعادت الحديث عن الحور العين .

ترى الصفحات تتكلم عن أحبة كانوا بينا ، وأخرى تكتب وصية من فارقنا ، وثالثه تنبض بفضائل ومناقب ، ورابعة تنشر صور لهم ، صدقونى نقترب من رحلة الرحيل التى نفر منها  .

الموت الذى طالما دفعنا كثيراً من سلفنا الصالح لنتذكره ونتذاكره ونقترب منه يقول الخليفة الخامس للخلفاء الراشدين :- ” لو فارق ذكر الموت قلبي ساعة لفسد ” .. ثم انظر إلى كلمات الرجل الصالح الربيع بن خثيم وهو يقول:-  ” لو غفل قلبي عن ذكر الموت ساعة واحدة لفسد قلبي  

لكن أهى النهاية كما يراها البعض ؟!

أجدنى أمام ذكر متكرر للشهادة فى القرآن الكريم بالتاكيد لما لها من أجر ومثوبة ولكن : أليست لأنها حياة جديدة لنا بحياتهم الجديدة لهم ، وإليك بعض النماذج من القرآن الكريم قال تعالى: ” انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ” سورة التوبة: 41

 وهو التجارة الرابحة، قال تعالى: ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ” سورة الصف: 10 – 13

الشهادة بها تحيى الهمم الميتة كتبت الكاتبة الفلسطينية أ . لمى خاطر : ” فحين قرن القرآن الكريم الشهادة بالحياة في أكثر من موضع فيه كان ذلك ليس فقط لتبيان جزائهم المديد عند الله، بل لأن أثر الشهداء يحيي نفوساً ميتة ويرمم أخرى خربة، ويعيد تعريف كثير من الأشياء في وعي الناس، حتى وإن لم يشعروا بذلك مباشرة، فتلك الطاقة غير الملموسة التي تصنعها الشهادة تتفاعل ببطء داخل الأرواح والأفئدة ويتمدّد نورها شيئاً فشيئا في ساحات الألباب، حتى تصوغ وعياً خاصاً وتنتج نفوساً جديدة، في إبائها وعنفوانها وفهمها لدورها، وقدرتها على احتمال تكاليفه ”

ولنا فى النهاية العجيبه للإمام حسن البنا في بواكير شبابه، حين حاولوا بقتله إنهاء دعوته وقتل فكرته فكانت شهادته وقوداً في نفوس اتباعه ومن جاء من رجال النور والخير، كانت شهادة حياة لدعوته وفكرته .

ويكتب بدمائه : ” إنّ الأمّة التي تحسن صناعة الموت، وتعرف كيف تموت الميتة الشريفة،يهب لها الله الحياة العزيزة في الدنيا والنعيم الخالد في الآخرة، وما الوهن الذي أذلنا إلا حب الدنيا وكراهية الموت، فأعدوا أنفسكم لعمل عظيم واحرصوا على الموت توهب لكم الحياة ”

ولنا فى قصة الغلام عبرة فى هذا الباب : ” …. فَقَالَ لِلْمَلِكِ: إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ، قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: تَجْمَعُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَتَصْلُبُنِي عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي، ثُمَّ ضَعِ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قُلْ: بِاسْمِ اللهِ رَبِّ الْغُلَامِ، ثُمَّ ارْمِنِي، فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتَنِي، فَجَمَعَ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَصَلَبَهُ عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قَالَ: بِاسْمِ اللهِ، رَبِّ الْغُلَامِ، ثُمَّ رَمَاهُ فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي صُدْغِهِ فِي مَوْضِعِ السَّهْمِ فَمَاتَ.

فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ، فَأُتِيَ الْمَلِكُ فَقِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَحْذَرُ؟ قَدْ وَاللهِ نَزَلَ بِكَ حَذَرُكَ، قَدْ آمَنَ النَّاسُ، فَأَمَرَ بِالْأُخْدُودِ فِي أَفْوَاهِ السِّكَكِ، فَخُدَّتْ وَأَضْرَمَ النِّيرَانَ، وَقَالَ: مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ فَأَحْمُوهُ فِيهَا، أَوْ قِيلَ لَهُ: اقْتَحِمْ، فَفَعَلُوا حَتَّى جَاءَتِ امْرَأَةٌ وَمَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا فَتَقَاعَسَتْ أَنْ تَقَعَ فِيهَا، فَقَالَ لَهَا الْغُلَامُ: يَا أُمَّهْ اصْبِرِي فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ” رواه مسلم .

يا سادة أؤكد لكم أن الشهيد ليس كحال غيره أنانياً يعيش لنفسه بل هو الكبير الذى يفيض حباً وعطاء ، يقدم نفسه قرباناً ليعيش غيره ، يضحى بأحلامه وآماله فى الأرض ليحقق غيره أمانيه ، واستشهد بكلمات الأستاذ سيد قطب في تفسير سورة المزمل: ” إن الذي يعيش لنفسه قد يعيش مستريحاً ، ولكنه يعيش صغيراً ويموت صغيراً ، فأما الكبير الذي يحمل هذا العبء الكبير .. فماله والنوم، وماله والراحة، وماله والفراش الدافئ والعيش الهادئ والمتاع المريح ” .

ومضرب المثل في ذلك مصعب بن عمير الذي عاش مترفاً، ثم آثر العيش الخشن في جوار رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وقد رق له رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ذات مرة وأشار إليه قائلاً: “انظروا إلى هذا الفتى الذي نوَّر الله قلبه، وصل به حب الله وحب رسوله إلى ما ترون، ولقد رأيته في مكة بين أبوين يغذوانه أطيب الطعام ويلبسانه أفخر الثياب ” ..

وما الشهادة إلا رحمة من الله لصاحبها بها ينهى حياة الكروب والهموم والأحزان قالت‏ فاطمة رضى الله عنها :‏ “واكرب أبتاه”، فأجابها‏ الحبيب صلى الله عليه وسلم:‏ “ليس على أبيك كرب بعد اليوم”‏،‏ انتهت حياة المكروب يا بنيتى ، ويكتب فضيلة الشيخ عبد الملك اليمنى : ” الشهادة هي السبب الوحيد لانتقالك من هذه الحياة فإذا فرضنا أنك لم ترزق بالشهادة فتبقى في هذه الحياة لا.. بل هي أفضل وأرقى وأسمى عملية استثمار من فناء محتوم وموت لابد منه وانتقال حتمي، انتقال لابد منه، إذاً الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بفضله بكرمه برحمته فتح فرصة أمام عباده لاستثمار هذا الفناء وهذا الموت وهذا الانتقال من هذه الحياة المحتوم الذي لابد منه باستثماره بشكل ينتقل الإنْسَان فيه إلى درجة عالية منزلة رفيعة نعيم عظيم فضل عظيم أجر كبير عن طريق الشهادة في سبيل الله “

يا أحبة القلب لندع البكاء والنحيب على من فاروقنا ونشد المأزل لنلحق بهم ، رزقنا الله وإياكم شهادة فى سبيله