بعد دعوته لعودة اليهود إلى مصر..لماذا يسعى السيسي لكسب رضا إسرائيل؟

“عندما تحدث أحد أعضاء الوفد الرفيع عن المقبرة اليهودية في البساتين، قال عبد الفتاح السيسي إنه سيتم تنظيف وتنظيم المكان على الفور وسيقوم بترميمه، وبعد أن طفت المسألة، قال أحد أعضاء الوفد إنهم سيجمعون الأموال، فرد السيسي: لا، نحن سندفع التكاليف، إنها مسؤوليتنا”.

لم تمر أيام قليلة بعد وعد “عبد الفتاح السيسي” هذا، حتى بدأت السلطات المصرية في القاهرة بإخلاء آلاف الأطنان من القمامة من المقبرة اليهودية في البساتين بعد سنوات من الإهمال، وهي مقبرة يعود تاريخها إلى القرن التاسع ويُعتقد أنها ثاني أقدم مقبرة يهودية في العالم.

هذا التطور غير المسبوق جاء بعد أيام قليلة من لقاء السيسي في القاهرة مع الوفد الذي تألَّف من أعضاء اللجنة الأمريكية التي دعمت منح الرئيس الراحل أنور السادات ميدالية الكونغرس الذهبية بعد وفاته، وسافر أعضاء اللجنة إلى مصر لدعوة السيسي للاحتفالية التي ستشهد منح زوجة السادات، جيهان السادات، الميدالية في الخريف المقبل.

عودة اليهود لمصر 

اللقاء الذي استمر ساعتين بين السيسي واللجنة الأمريكية، ترأسه رجال أعمال يهودي من الولايات المتحدة، بمن فيهم مؤسس اللجنة عزرا فلاندير، وهو يهودي أرثوذكسي متشدد وعضو بإحدى جماعات الضغط من نيويورك قاد جهودًا لإعطاء الجائزة للسادات، إذ تطلَّب هذا الأمر تمرير مشروع قانون احتاج للحصول على موافقة ثلثي أعضاء الكونغرس ووقَّعه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ديسمبر/كانون الأول الماضي.

كان من بين أعضاء الوفد الآخرين الذين التقوا السيسي رجل الأعمال المصري في مجال الصناعة شفيق جبر، بالإضافة إلى إسحاق دهب، المدير التنفيذي لشركة دلتا الجليل للصناعات، وهي الشركة التي تُشغِّل 4 مصانع في مصر؛ وكذلك تسيلي تشارني، أرملة ليون تشارني الذي كان مستشارًا لبعض المفاوضين في أثناء مباحثات كامب ديفيد التي أدت إلى معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية.

وخلال اللقاء، تكلم السيسي باعتزاز، ليس فقط عن المجتمع اليهودي السابق النابض بالحياة في مصر، لكنه قال أيضًا إنه ينبغي أن يكون هناك عودة للجالية اليهودية في مصر، وأبلغ الوفد الأمريكي أن في حالة عودة المجتمع اليهودي، فإن الحكومة ستبني لهم معابد ومؤسسات مجتمعية وستقدم كل الضرورات الدينية المطلوبة.

وجاءت تعليقات السيسي بعد أسبوعين من اعتراف الإمارات العربية المتحدة رسميًا بالجالية اليهودية الصغيرة، في خطوة يُنظر إليها على أنها محاولة لتقديم نفسها للغرب كدولة متسامحة مع الأديان الأخرى، ويؤكد ذلك وجود كنيس صغير في دبي، كملاذ يرحب باليهود في المدينة الرأسمالية التجارية في الشرق الأوسط.

وفي حين لم يكن هناك مجتمع يهودي تاريخي في الإمارات، فإن الطائفة اليهودية في مصر تعود إلى العصور القديمة، حتى قبل عام 1947، إذ أظهر عدد السكان بمصر لعام 1917 أن عدد اليهود بلغ 60 ألف نسمة، فيما أظهرت تقديرات مختلفة أن عدد الطائفة اليهودية المصرية كان يتراوح بين 80 ألفًا و120 ألف شخص في منتصف القرن العشرين، وقد حدثت أكبر الهجرات في الأربعينيات والخمسينيات؛ إذ هاجر معظم يهود مصر منها بعد حرب 1948، واستكمل العديد منهم الهجرة بشكل كبير عقب حرب السويس والعدوان الثلاثي عام 1956.

ثم ازدادت هجرتهم من مصر بعد فضيحة “لافون” عام 1955، تلك العملية التي قام بها الموساد الإسرائيلي بهدف إظهار عجز مصر عن حماية المصالح الأجنبية، وإفساد العلاقة بين مصر والدول الأجنبية، ثم  تضاءل عدد اليهود بمصر من 100 ألف إلى ما يقرب من بضعة أشخاص على مدار الستين عامًا الماضية، فبحسب رئيسة الطائفة اليهودية في مصر، ماجدة هارون، فإن “عدد اليهود بمصر 10 أفراد، سبعة بالقاهرة وثلاثة بالإسكندرية”.

“أنا أو الإخوان “

لم يقتصر اللقاء على دعوة السيسي لحضور احتفالية تكريم السادات، بل استغل اللقاء للتأكيد على ضرورة مواصلة الدعم الأمريكي لنظامه، حيث نقل رئيس الوفد عزرا فريدلاندر عن السيسي قوله إنه إن لم يحصل على دعم الولايات المتحدة قد يستعيد الإخوان المسلمين السلطة، مضيفًا أن السيسي “يتطلع بوضوح للحصول على الدعم في واشنطن”.

يبدو أن هذه الجملة، التي تتكرر في أحاديث السيسي، أصبحت شعارًا لسياساته من أجل جلب دعم الغرب ومساومته عبر البوابة الإسرائيلية، فكثيرًا ما يصاحبها طلب واضح من الإسرائيليين ورجال الأعمال اليهود في أمريكا، بضرورة الضغط على الإدارة الأمريكية لمواصلة دعم السيسي.

وبحسب ما ذكره فريدلاندر للصحافة الإسرائيلية، لاقى طلب السيسي ترحيبًا من أعضاء الوفد، حيث قال فريدلاندر: “أعتقد أنه من واجبنا الأخلاقي دعمه إلى أقصى حد ممكن”، داعيًا إلى “احتضان السيسي في الغرب” خاصة من الإدارة الأمريكية وكل أعضاء الكونغرس باعتباره حليفًا إستراتيجيًا، مضيفًا: “أعتقد أن دور اليهود الأمريكيين هو التحالف علانية مع السيسي”.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل كانت الدعوة إلى صمت الغرب عن انتهاكات حقوق الإنسان في مصر حاضرة بقوة، حيث أكد فريدلاندر أن الوفد لم يثر مخاوف السيسي بشأن انتهاكات حقوق الإنسان، مبررًا ذلك بقوله: “لن يقنعني أحد بأن الذين ينادون بحقوق الإنسان في مصر يقدمون للعالم خدمة”. وأضاف بنفس المنطق الذي يكرره السيسي دائمًا، وفي إشارة إلى ثورة 1979 في إيران: “في هذا الجزء من العالم، يسيء الناس استخدام مصطلح حقوق الإنسان، ويستخدمونه كطريقة للإطاحة بالحكومة واستبدالها بحكومة أخرى دون أي مظهر من مظاهر حقوق الإنسان”.

السيسي يغازل الانجليين أيضا 

بقدر ما شكلت دعوة عبد الفتاح السيسي اليهود للعودة إلى مصر من مغازلة غير مسبوقة، بقدر ما جاءت انعكاسًا لجذور راسخة في عقيدة الرجل حتى من قبل أن يطيح بالرئيس المنتخب محمد مرسي، وهنا، لا يمكن الفصل، كما يردد البعض، بين اليهود في دعوة السيسي من جانب، وتملقه للاحتلال الإسرائيلي ورغبته في نيل رضا أمريكا والغرب عمومًا من جهة أخرى.

لكن هرولة السيسي – للضغط على الإدارة الأمريكية – لم تقتصر على الطائفة اليهودية فقط، بل انصبت خلف المسحيين الغربيين أيضًا، فالسيسي أجرى لقاءين استثنائيين خلال العام الحاليّ، مع شخصيات بارزة ومعروفة جدًا من تيار المسيحية الإنجيلية المعروف بقربه من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ودعمه لـ”إسرائيل”، وذلك لإقناعهم بدعم عملية السلام في المنطقة”.

ووفق ما أورده موقع “المصدر” الإسرائيلي، كان اللقاء الأول في مصر في مطلع العام الماضي، حيث التقى السيسي وفدًا مسيحيًا مؤلفًا من رجال دين وكتاب ونشطاء ينتمون إلى التيار الإنجيلي، وجاء اللقاء الثاني في أكتوبر عام 2018، في نيويورك، وفق الموقع الذي قال: “الملفت أن اللقاء الثاني تم قبل ربع ساعة من لقاء رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على هامش الدورة الـ73 للجمعية العامة للأمم المتحدة”.

وتساءلت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، عن السر في هرولة زعيم النظام المصري خلف شخصيات بارزة في التيار المسيحي الإنجيلي، وبينت أن “غاية السيسي هي تحسين صورة مصر لدى اليمين الأمريكي وإقناع اليمين بدعم السلام مع الفلسطينيين”، كاشفة أن “هم السيسي من وراء مغازلة الإنجيليين الذين يشكلون اليوم ربع طائفة المسيحيين في أمريكا، ويعدون مؤثرين جدًا في السياسة الأمريكية في عهد ترامب، هو بناء مراكز دعم له قريبة من ترامب الذي يحظى بدعم كبير من هذا التيار”.

ولعل سياسة السيسي في استغلال “إسرائيل” للحصول على الدعم الغربي خاصة الأمريكي ظهرت منذ اليوم الأول لتوليه الرئاسة عام 2014، وهو ما كشفهالإعلامي المقرب من الأجهزة الأمنية توفيق عكاشة، الذي قال في تصريحات تليفزيونية لم يتم نفيها رسميًا حتى الآن، نتنياهو بطلب من السيسي، هو الذي ضغط على واشنطن للاعتراف بشرعية السيسي، وما حدث في مصر ليس انقلابًا، كما أنه رتب اللقاء الأول للسيسي مع الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما على هامش اجتماعات الأمم المتحدة عام 2014.

ويأتي تودد السيسي للوفود اليهودية والإنجيلية الأمريكية استمرارًا لتصريحاته الداعمة لـ”إسرائيل”، التي كان أشهرها حديثه عن ضرورة إرساء ما وصفه بالسلام الدافئ معها، وتأكيده المتكرر على منع الهجمات المسلحة ضد “إسرائيل” انطلاقًا من سيناء، ودعمه لما يعرف إعلاميًا بـ”صفقة القرن”.

وفيما يقرأ بعض المحللين هذه التحركات في إطار مؤامرة للتمهيد العقلي والفكري للشعب المصري للقبول بعلاقات أكثر بروزًا مع “إسرائيل”، يقول الكاتب الإسرائيلي أرئيل لافين: “هناك من يعتبرون تلك الخطوات استدرارًا لتعاطف الغرب، وهناك من يقولون إن هذه الخطوات تحدث الآن فقط، في وقت لم يعد هناك يهود في البلاد”، ويضيف لافين: “ربما بعد أربعة عقود من توقيع معاهدة السلام بين مصر و”إسرائيل”، بدأت مصر في قبول اليهود داخلها”.

بناء معابد لليهود وترميم تراثهم 

ربما لا يقتصر الأمر على علاقات وثيقة تزداد متانة يومًا تلو الآخر بين السيسي واليهود، بل يسبقه إلى حوادث أخرى، إذ شهدت العلاقات بين السلطات المصرية والجالية اليهودية الصغيرة التي بقيت في بلاد النيل تطورات غير مسبوقة في الآونة الأخيرة، بعد أن كانت مصر تعمل ببطء وبسرية في ترميم معابد اليهود، قبل وصول السيسي لسدة الحك عام 2014،  بسبب الغضب الشعبي تجاه “إسرائيل”.

لكن يبدو أن الوضع تغير كثيرًا، ففي أواخر العام الماضي، وتحديدًا في الـ6 من ديسمبر/كانون الأول الماضي، وللمرة الأولى منذ عقود، احتفل يهود مصر على أرضها بعيد “الحانوكا”، أو عيد الأنوار كما يعرف أيضًا، وللمرة الأولى أيضًا كان هناك دعوة عامة للاحتفال على الصفحة الرسمية للطائفة اليهودية بالقاهرة على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، وسجل اليهود العشر الموجودون في مصر إنجازًا بهذا الاحتفال العلني النادر لهم.

في الشهر ذاته، وفي خطوة تبدو متناقضة مع الظروف الاقتصادية المتردية التي تمر بها البلاد، خرجت الحكومة المصرية بقرار لحماية ممتلكات وتراث اليهود المصريين داخل مصر، إذ أُعلن عن تكريس عبد الفتاح السيسي مليار و270 مليون جنيه مصري (71.1 مليون دولار تقريبًا) لترميم التراث اليهودي “دون انتظار أن يُطلب ذلك من الخارج”، بحسب ما قاله وزير الآثار خالد العناني.

الإعلان عن ترميم التراث اليهودي سبقه تصريح للسيسي في كلمته بمؤتمر الشباب في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، حيث أدلى بتصريح لا لبس فيه عما إذا كان المجتمع اليهودي يستحق نهضة حقيقية في مصر، وقال وقتها: “لو في عندنا يهود سنبني لهم معابد، لأن دا حق المواطن إنه يعبد كما يشاء”.

وفي نفس الشهر، وعلى عكس السنوات السابقة، أُقيم حفلان لإضاءة شموع عيد الأنوار في معبدين يهوديين في القاهرة، حضر أحد الحفلين السفير الإسرائيلي في القاهرة دافيد غوفرين، وفي السنوات الأخيرة، زار غوفرين الأماكن المقدسة اليهودية، بما في ذلك كنيس إلياهو هانمبي في الإسكندرية، وقبر الحاخام يعقوب أبو حصيرة في شمال مصر.

وسبق أن أقدمت حكومته في أغسطس/آب 2017 على مشروع ترميم المعبد اليهودي في الإسكندرية بتكلفة 100 مليون جنيه مصري ممولة من الحكومة المصرية، وكان ذلك جزءًا ضمن حزمة مشاريع ترميم تراث، وكانت الحكومة المصرية قد شكلت عام 2016 لجنة لتسجيل التراث اليهودي بمصر، ولتحديد جميع المعالم الأثرية اليهودية وجميع المجموعات اليهودية في المعابد اليهودية.