تدمير شمال سيناء بذريعة الحرب على “الإرهاب”

بقلم د.نادر فرجاني

 

نشر مراسل مجلة ميدل إيست آي البريطانية صورا التقطتها الأقمار الصناعية تكشف كيف أصبحت المنطقة في شمال شبه جزيرة سيناء في مصر قاحلة بعدما تعرضت له من تجريف جراء قتال الجيش المصري ضد المقاتلين المسلحين. ويشير التقرير إلى أن صور الأقمار الصناعية تظهر حال البلدات في شمال سيناء وقد تحولت إلى قرى أشباح، حيث تكتظ مجموعات من رقع الرماد التي تحيط بها بساتين الزيتون المقفرة. هذه البلدات التي هجرها سكانها أصبحت قاحلة بفعل آثار المسارات المدمرة للمركبات العسكرية.

المنطقة كانت خلال أكثر من خمس سنوات من الحرب بين الجيش المصري والمسلحين مغلقة في الأغلب أمام الغرباء، لكن صور الأقمار الصناعية تظهر كيف أن منطقة سيناء الشمالية أصبحت ممزقة بسبب القتال

منطقة شمال سيناء أصبحت أكثر عسكرة منذ 2013، وعدد سكانها انخفض بشكل كبير. تم طرد الآلاف من سكان رفح على الحدود مع قطاع غزة، ومن مدينتي الشيخ زويد والعريش.

في الواقع لم تعد هناك الآن مدينة اسمها رفح على الحدود مع غزة فلقد اختفت بشكل كبير. وأنشأت الحكومة منطقة عازلة مكان منازل رفح إلى جانب الجيب الفلسطيني

البيئة الحضرية لرفح تراجعت في 2012 خلال سير العملية العسكرية ، وبحلول 2016 لم يعد هناك ما يشير إلى أن البلدة كانت موجودة في يوم من الأيام سوى الجحور الطباشيرية الجرداء التي خلفها هدمها. فقد تم هدم رفح بالكامل، وتقلص سكانها الذين كانوا يشكلون بين 70 و80 ألف نسمة الآن إلى مئات من الأشخاص المتناثرين.

سكان رفح لم يمنحوا سوى القليل من الوقت قبل عمليات الهدم، والتعويضات التي قدمت لهم كانت غير منصفة في كثير من الأحيان، اونقلبت حياة الناس رأسا على عقب. فقد انتشرت نقاط التفتيش والقواعد العسكرية، والسيارات لم تعد تنتقل من رفح إلى العريش، وأصبحت بلدات المنطقة مقفرة

فيصف المسافرون عبر شمال سيناء مرورهم بعشرات نقاط التفتيش التي تحول رحلات الساعات إلى أيام، ويقول مسافر فلسطيني إنه تم إيقافه عند نحو ثلاثين نقطة تفتيش في رحلته من غزة إلى القاهرة، وهو الطريق الذي سلكه الآلاف بعد فتح الحدود مع غزة في أبريل الماضي.

 

معاناة االأطفال

حين تتجول في محافظة شمال سيناء بمدنها الرئيسية؛ رفح والشيخ زويد والعريش، ومدن وبلدات وسط سيناء من دون أن ترى متنزهاً مجهزاً للأطفال ، أو مركزاً يهتم بشؤون الأطفال، خصوصاً في ظلّ الظروف الأمنية السيئة التي تعيشها المنطقة، وتأثيراتها النفسية على الأطفال، وكذلك عدم توافر رياض الأطفال والمدارس في نواحٍ كثيرة، الأمر الذي أفقد الأطفال أبسط حقوقهم في الحياة كالتعليم والترفيه والصحة، بالتزامن مع غياب مؤسسات المجتمع المدني المعنية برعاية الأطفال.

وشملت قوائم ضحايا العمليات العسكرية ضد “الإرهاب” في سيناء عشرات الأطفال الذين تعرضوا للقتل أو الجرح أو الإعاقة، كما تعرض المئات للتيتم في سن الطفولة، بعد مقتل آبائهم في عمليات الجيش، والتي كان يتخللها قتل عشرات المواطنين من دون أي وجه حق وبلا توجيه تهم. فيما عانى كلّ أطفال سيناء من الجو النفسي الصعب الذي تسببت به عمليات الجيش التي تشمل أصوات قصف وإطلاق نار ليلاً ونهاراً، من دون أيّ مراعاة للأطفال أو النساء أو حتى المرضى.

بحسب مصدر طبي في مستشفى العريش العام، فإن ما لا يقل عن 50 طفلاً قتلوا خلال عمليات الجيش خلال الأعوام الخمسة الماضية، خصوصا في الغارات الجوية التي يشنها الطيران الحربي على أهداف بمدينتي رفح والشيخ زويد، وكذلك جراء إطلاق النار العشوائي الذي حصد أرواح عشرات المواطنين في سيناء على مدار سنوات الحرب. كما إن هناك تجاهلا متعمدا للإحصائيات التي تتعلق بتفاصيل ضحايا الحرب في سيناء لما تشمله من أسماء أطفال ونساء وكبار في السن، قتلوا خارج إطار القانون، فيما أصيب عشرات الأطفال بعضهم بإعاقة دائمة نتيجة فقدانهم لأعضاء في أجسادهم نتيجة تعرضهم لرصاص أو شظايا قذائف وصواريخ، بالإضافة لفقدان البعض لحاسة السمع أو النظر نتيجة الإصابات

إن جميع أطفال سيناء بحاجة إلى رعاية نفسية نتيجة الحرب القائمة، لما يتعرضون له من صدمات يسببها القصف والاعتداءات، وفقدان الأقارب. بالإضافة إلى أنّ المصابين من الأطفال بحاجة إلى اهتمام صحي من نوع خاص، لما يتضمنه من تأهيل نفسي وجسدي للاستمرار في الحياة، في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها سيناءورغم الادعاءات الرسمية لا توجد أيّ لجنة أو جهة مختصة في شؤون أطفال سيناء خصوصاً المصابين منهم، ما يشير إلى إهمال واضح لأمرهم من قبل الجهات الحكومية على الأقل.

كما تعاني قرى عديدة في مدينتي رفح والشيخ زويد من ضآلة أعداد المؤسسات التعليمية والصحية والترفيهية منذ سنوات، إما لعدم بنائها من الأصل، أو تعرضها للتدمير على يد الجيش خلال حملاته العسكرية، فيما تعاني المؤسسات المتبقية من انعدام الاهتمام الحكومي بها، ما يعني عدم توافر طواقم عاملة ذات كفاءة عالية، أو إمكانات ذات مستوى متوسط على الأقل،  بالرغم من الدعاية الإعلامية المخادعة عن التنمية في سيناء.

إنّ جيلاً كاملاً من أهل سيناء بات فاقداً لحقه في أبسط الحقوق التي كفلها القانون المصري، والشرائع الدولية والقانونية، في ظلّ تدمير غالبية مدارس مدينتي رفح والشيخ زويد والتي كان آخرها مدرسة في قرية ياميت، شمالي رفح أخيراً، ما أدى إلى حرمان مئات الطلاب من سكان المدينتين من حقهم في التعليم

في النهاية، لا يمكننا الحديث عن تقصير مؤسسات المجتمع المدني والأهلي في ظل تقصير الجهات المسؤولة بالدرجة الأولى والمتمثلة بالوزارات المختصة  والمقصرة في مسئولياتها تقصيرا جسيما