قادة الغرب يروجون للدكتاتورية وليس الديمقراطية في مصر

عادل رفيق –المعهد المصري للدراسات السياسية

 

نشرت مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية في 14 فبراير 2019 مقالة لسارة خورشيد، وهي صحفية وكاتبة مصرية، بعنوان: “قادة الغرب يروجون للدكتاتورية، وليس الديمقراطية في مصر” ، وقد قام المعهد المصري بترجمة المقالة كاملةً على النحو التالي:

عززت زيارة إيمانويل ماكرون إلى القاهرة والتشجيع الذي قدمه دونالد ترامب، من موقف عبد الفتاح السيسي وهو يواجه احتجاجات شعبية مؤخراً بسبب الخطوات التي يتخذها من أجل تكريس سلطته.

 

لقد أدت قسوة الحملة القمعية التي شنتها السلطات المصرية ضد المعارضين للنظام في السنوات الأخيرة إلى عدم رغبة العديد من النشطاء في تحدي نظام الجنرال عبد الفتاح السيسي. فمنذ الانقلاب العسكري في 2013 تلاشت موجات الحراك السياسي التي سبقت ثورة يناير 2011 والتي بلغت ذروتها في أعقاب الثورة. فالقليل جداً من المنادين بالديمقراطية ونشطاء حقوق الإنسان من هم على استعداد لتعريض أنفسهم لغضب النظام، والذي قد يتمثل في إخضاعهم لمحاكمات العسكرية بالإضافة إلى “التعذيب والاعتقال التعسفي والاختفاء القسري”، حسبما ذكرت تقارير هيومن رايتس ووتش.

 

وفي ضوء هذه الظروف، كان من المفاجئ للجميع أن تبدأ سلسلة من مقاطع الفيديو القصيرة والمباشرة في إغراق شبكات التواصل الاجتماعي المصرية في السادس من فبراير، والتي تضم مواطنين لهم خلفيات سياسية واجتماعية متنوعة، حيث يقومون بإصدار بيان موحد يقول: “أنا مواطن مصري، وأقول لا للتعديلات الدستورية”. وفي حال أقرت الحكومة التعديلات المقترحة فإن ذلك كفيل بأن يمهد الطريق أمام السيسي للبقاء في منصبه حتى عام 2034. (فعندما كان الجنرال السيسي وزيراً للدفاع، قاد السيسي انقلاباً عام 2013 أطاح فيه بالرئيس محمد مرسي قبل أن يصبح بعد ذلك هو نفسه رئيساً بعد سنة واحدة من الانقلاب)

 

وفي الوقت الحالي، ينص الدستور المصري، الذي تمت صياغته واعتماده في يناير 2014 في أعقاب الانقلاب العسكري، على أنه لا يجوز إجراء أي تعديلات على المادة التي تُقْصر مدة الرئاسة على فترتين مدة كل واحدة أربع سنوات. وهذا بالضبط ما تحاول القوى الموالية للسيسي تغييره.

 

بعد طرح الفكرة لأول مرة في وسائل الإعلام من قبل خبراء معروفين بعلاقاتهم مع حكام البلاد، تم اقتراح التعديلات في البرلمان، والتي تمت الموافقة عليها من حيث المبدأ الخميس.

 

ويتم الآن مراجعة التعديلات في لجنة برلمانية قبل طرحها للتصويت. وإذا تم تمرير هذه التعديلات في البرلمان(الذي صنعته أجهزة المخابرات على عينها)، سيتم إجراء استفتاء وطني لإقرارها. ولسوء الطالع، فقد قوبل سعي السيسي لإحكام قبضته على السلطة مؤخراً بشبه صمت عالمي، وخصوصاً من القادة الغربيين الذين يدّعون الاهتمام بحقوق الإنسان والديمقراطية.

 

وقد أعلن العديد من المصريين معارضتهم لهذه التعديلات على صفحات الإنترنت. وتم نشر غالبية مقاطع الفيديو عن طريق أشخاص عاديين وليس نشطاء بارزين. فكثير من النشطاء على أي حال إما إنهم معتقلون سياسيون، أو أنهم يعيشون مشردين في المنفى، أو أنهم يحاولون تجنب الظهور هرباً من مصير أولئك الذين وقعوا بالفعل في قبضة قوات الأمن.

 

وبدلاً من ذلك، يتم التعبير عن الغضب من خلال المئات من مقاطع الفيديو التي يتم نشرها على صفحة مجهولة الهوية من صفحات الفيسبوك تقول بأن مهمتها هي أن تساعد المصريين على “التغيير نحو الأفضل” و “الترتيب” لإجراء هذا التغيير. فهناك أشخاص عاديون يصورون أنفسهم وهم يعبرون عن معارضتهم للتعديلات وينشرون مقاطع الفيديو الخاصة بهم على الإنترنت من خلال هذه الصفحة بشكل متزايد. وتضم مقاطع الفيديو وجوهاً عشوائية للنساء والرجال، صغاراً وكباراً، من البورجوازيين والطبقة العاملة، حيث يُدلون بتصريحات قصيرة على خلفيات منازل مصرية بسيطة.

 

ولا تظهر وجوه البعض منهم على الاطلاق. حيث لم يسجلوا سوى أصواتهم لتجنب التعرف عليهم وإلحاق الضرر بهم من قبل الأجهزة الأمنية الحكومية. ويُحيي المعلقون على هذه الفيديوهات أولئك الذين كانت لديهم الجرأة الكافية للتعبير عن رفضهم للتعديلات. كما يعبر المعلقون أيضاً عن مخاوفهم على أصحاب الفيديوهات قائلين لهم: “الله يحميكم” و “ابقوا آمنين”، ويشجعونهم قائلين “برافو” أو “حتماً سننتصر”.

 

نعم، لم يتم إلقاء القبض على أي من أولئك الذين نشروا مقاطع الفيديو أو إلحاق الأذى بهم، ولكن الخوف على سلامتهم يتزايد باستمرار وله ما يبرره. فعلى الرغم من أن نظام السيسي لم يتخذ إجراءات ضد كل شخص معارض، ولكنه عادة ما يتخذ إجراءات عشوائيةً، وعندما يفعل ذلك، يكون شريراً وقاسياً.

 

فهناك ما يُقدر بنحو 60000 شخص تم اعتقالهم “لأسباب سياسية” منذ الانقلاب.

 

لقد بدأ يظهر رد فعل النظام بالفعل – ليس تجاه أولئك الذين ينشرون مقاطع فيديو لمعارضتهم التعديلات على الإنترنت – ولكن تجاه شخصية عامة بارزة: وهو خالد يوسف، المخرج السينمائي المعروف وعضو البرلمان الذي كان يدعم السيسي في الانقلاب الذي قام به عام 2013 وكان بعد ذلك عضواً في اللجنة التي صاغت الدستور في عام 2014. فقد أعلن يوسف في 3 فبراير على صفحته الرسمية على فيسبوك وتويتر أنه ضد التعديلات، مضيفاً أنه يدرك أن هذا الموقف قد يؤدي به إلى السجن بناءً على “اتهامات ملفقة”.

 

وقد تحقق توقعه جزئياً. فقد تم اعتقال اثنتين من الممثلات في 7 فبراير واتهامهما بارتكاب “الفعل الفاضح” وذلك في شريط فيديو تم تسريبه لهما أثناء رقصهما وهما ترتديان الملابس الداخلية. وبحسب ما ورد في بعض التقارير، فقد اعترفت الممثلتان أمام المحققين بأن الفيديو تم تصويره من قِبل خالد يوسف في شقته، وذلك وفقاً لفضائيات مصرية. وبينما لم يتم القبض على خالد يوسف نفسه (حيث استطاع الهرب إلى فرنسا)، فإنه يتعرض لما يمكن أن يكون “”اغتيالاً معنوياً” حسب تصريحات أدلى بها لشبكة بي بي سي – عربي. “. ففي ظل المجتمع المصري المحافظ، يمكن أن تؤدي العلاقات الجنسية خارج نطاق الزواج إلى الإضرار بسمعة أي شخصية عامة. وربما كان اعتقال الممثلتين أيضاً يشكل تهديداً غير مباشر ضد يوسف (الذي لولا سفره للخارج لتم اعتقاله).

 

وفي حادثة مماثلة، رفع محامٍ مؤيد للحكومة دعوى قضائية ضد عضو آخر في البرلمان، هو هيثم الحريري، الذي عبر عن انتقاده للتعديلات. ويتهم المحامي الحريري بـ “التحرش عبر الهاتف” فيما يتعلق بتسريب مكالمة هاتفية بينه وبين مديرة مكتبه.

 

القضية ليست ما إذا كانت التسجيلات المسربة حقيقية أم مفبركة، أو ما إذا كان يوسف والحريري قد تورطا في سلوك يتطلب المحاكمة عليه – بل يتعلق بالتوقيت الذي ظهرت فيه أخطاؤهم المزعومة. فلا يُعرف عن الأجهزة الأمنية والنظام القضائي الحاليين في مصر أنهم يدعمون النساء ضد التحرش والإساءة.

 

فقبل أقل من خمسة أشهر، حكمت محكمة مصرية على ضحية للتحرش بالسجن لمدة عامين بسبب مقطع فيديو نشرته على فيسبوك أدانت فيه التحرش الجنسي وأعربت عن استيائها لفشل السلطات في حماية النساء. لذا عندما يتهم محامي مؤيد للحكومة، معروف بأنه يتصرف بتكليف من النظام منذ سنوات، عندما يتهم نائباً في البرلمان، الحريري، بذلك، فإن هذا يعني أن النظام ببساطة يتصرف بشكل انتهازي. ومما يُذكر أن نفس المحامي رفع دعوى قضائية في ديسمبر 2018 ضد ممثلة، متهماً إياها “بالتحريض على الفجور” بعد أن اتهمها بارتداء فستان كاشف وغير مناسب، مما يدل أنه بالتأكيد لا يدعم حقوق المرأة وحرياتها.

 

وعلى الرغم من ذلك، فإن أشرطة الفيديو المعارضة للتعديلات الدستورية لا تزال تُغرق وسائل التواصل الاجتماعي، في تحدٍ للخوف الذي ظل السيسي وجهاز أمن الدولة يزرعانه في نفوس الناس منذ عام 2013. وهذا ليس بالتأكيد مؤشراً على احتمال حدوث تغيير وشيك للنظام أو إحراز تقدم كبير للانتقال لحكم أكثر ديمقراطية. حيث أنه من المهم أن يقوم المصريون بعمل جماعي لتحقيق ذلك وأن يكونوا مدركين لقدرتهم على تحدي النخبة الحاكمة التي حولت البلاد إلى ما تسميه منظمة العفو الدولية “سجناً مفتوحاً لمنتقدي النظام”.

 

ويتصاعد الغضب الشعبي ضد السيسي بوتيرة بطيئة. فلم يعد السيسي يتمتع بالشعبية التي كان يتمتع بها عندما استولى على السلطة لأول مرة في عامي 2013 و2014، حيث تراجعت شعبيته من 54% في 2014 إلى 27% في عام 2016 حسب استطلاع أجراه مركز “بصيرة” المصري لاستطلاعات الرأي. وبالإضافة إلى الاستياء من انتهاكات حقوق الإنسان في ظل حكمه، فإن الغضب يتصاعد ضد سياسات السيسي الاقتصادية بعد أن خفض قيمة العملة المصرية وألغى الدعم على الوقود المستمر منذ عقود. حيث تم تنفيذ هاتين الخطوتين في عام 2016، مما أدى إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية. وقد أثر هذا بدوره على مستوى المعيشة للمصريين وجعل من الصعب على العديد منهم أن يفي باحتياجاتهم الضرورية.

 

وفي العام نفسه، كانت هناك احتجاجات نادرة وواسعة ضد قرار السيسي بالتنازل عن سيادة مصر على جزيرتي تيران وصنافير في البحر الأحمر لصالح المملكة العربية السعودية، التي ساند حكامها السيسي وأمدوه بالمساعدات والقروض منذ الانقلاب العسكري عام 2013. ولكن تم قمع الاحتجاجات، واعتُقل عشرات المتظاهرين، ولكن بعد توصيل رسالة للنظام بأن ما يقوم به السيسي لا يمكن أن يمر دائماً دون مواجهة.

 

وللأسف، فإن المجتمع الدولي، من خلال الانحياز إلى السيسي، يتحدى إرادة الشعب المصري. وينطبق هذا على الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي كان من الواضح أن زيارته لمصر في أواخر يناير 2019 مثلت دعماً للسيسي والنخبة الحاكمة. وكان انتقادات ماكرون للحالة التي وصلت إليها حقوق الإنسان في مصر مجرد ذر للرماد في العيون عندما ننظر إليها في سياق حقيقة أن فرنسا قد أصبحت أكبر مورد للأسلحة إلى مصر في السنوات الأخيرة. فبالإضافة إلى مقاتلات الرافال، والسفن الحربية، والقمر الصناعي العسكري، أمدت فرنسا أيضاً النظام بعربات مدرعة “اعتادت على سحق المعارضين بالقوة في القاهرة والإسكندرية”، وفقا لتقرير لمنظمة العفو الدولية.

 

ولا عجب أن يرافق رئيس الشركة المنتجة لطائرات الرافال ماكرون في زيارته إلى القاهرة، وهي الزيارة ذاتها التي قال فيها في مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره المصري إن “الاستقرار لا يمكن أبداً فصله عن قضية حقوق الإنسان”. ورد السيسي على ذلك بقوله إن “مصر لا تتقدم عبر المدونين”.

 

إن سياسات ماكرون ليست سوى جزء من توجه أكبر يتبناه المجتمع الدولي الذي شارك في الآونة الأخيرة في التواطؤ غير المسبوق مع السلطة الاستبدادية للسيسي.

 

وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد صرح للرئيس المصري خلال اجتماع عُقد بينهما في سبتمبر 2018 بأن “العلاقة بين الولايات المتحدة ومصر لم تكن أبداً أقوى مما هي عليه الآن. ونحن نعمل مع مصر على العديد من الجبهات المختلفة، بما في ذلك العسكرية والتجارية … وإنه لشرف أن أكون معكم مرة أخرى.” ويُعتبر ترامب أيضاً مؤيداً بشدة للنظام السعودي، الذي دعم السيسي اقتصادياً وسياسياً منذ الانقلاب. ومؤخراً، في 10 فبراير، تولى السيسي رئاسة الاتحاد الأفريقي – وهو ما يحدث لأول مرة منذ تأسيس المنظمة الإقليمية في عام 2002.

 

وبعد تعيينه رئيساً للاتحاد الإفريقي، قال السيسي في خطاب أمام الجمعية العامة للاتحاد الإفريقي إن القارة تواجه خطر الإرهاب. وبقيامه بذلك، فإنه يلعب بورقة خدمته بشكل جيد في المنتديات الدولية. وعلى الرغم من حديثه المتشدد عن الإرهاب، فقد فشل السيسي في هزيمة التنظيم الذي يدين بالولاء لداعش في شبه جزيرة سيناء المصرية بعد حوالي خمس سنوات من توليه الرئاسة. وقد ضلل مراراً وتكراراً داعميه الدوليين بحجة أن جميع خصومه هم إرهابيون إسلاميون وأن هذا يبرر احتجازهم. هذا ليس صحيحاً على الإطلاق. فالعديد من منتقدي النظام هم علمانيون وليبراليون.

 

أما أولئك الذين ينتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين ذات التوجه الإسلامي فلا يمكن وصفهم أبداً بالإرهابيين. فقد شددت الجماعة مراراً وتكراراً على تمسكها بوسائل المعارضة السلمية. وقد ضعفت بشكل كبير قدرتها على تهديد سلطة السيسي بأي شكل من الأشكال، لأن الآلاف من أعضائها قد تم سجنهم أو أنهم فروا من البلاد بعد عام 2013. ولم تتحول سوى أقلية صغيرة من أعضائها حسب بعض التقارير إلى التطرف والشعور بالإحباط من مسلك قيادة الجماعة في الآونة الأخيرة. وإذا أصبحت أقلية صغيرة من الإسلاميين الأصغر سنا في عداد المتطرفين، فإن ذلك يُثبت بشكل لا يدع مجالا للشك أن الظلم الصارخ يولد المظالم ويزيد من فرص التحول إلى التطرف.

 

لم يعد المشهد السياسي لمصر بعد عام 2011، الذي شهد انقساماً حاداً بين الإسلاميين وغير الإسلاميين، هو نفسه المشهد السائد في البلاد الآن. فالاستياء والشعور بالمرارة يتصاعدان الآن في وسط المصريين على اختلاف توجهاتهم السياسية، والعديد من منتقدي السيسي هم أناس عاديون بلا خبرة سياسية أو اهتمام بأي أيديولوجية.

 

والأمر يعود إلى القادة الأوروبيين والأمريكيين في الوقوف إلى جانب الشعب المصري أو مع نظام داس حقوق الإنسان لمواطنيه. الأمر متروك للقوى الغربية أن تدعم مزاعمها بأنها تثمن وتدافع عن العدالة والحقوق والحريات – أو أن تغمض عينها لأن من ينتهك هذه القيم هو حليفهم.