“بي.بي.سي” تكشف عن ما يحدث من انتهاكات داخل السجون السرية بالسودان

كشف تحقيق أجرته هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”، تعرض ناشطين ومتظاهرين سودانيين معارضين للنظام الحالي، لانتهاكات حقوقية صارخة أثناء اعتقالهم، فضلا عن انتهاج الأجهزة الأمنية أساليب تعذيب تحول دون ترك آثار تعذيب على أجسامهم. وحدد التحقيق عدة أماكن تتم فيها ممارسة هذه الانتهاكات، وفقا لتحليل للصور، ومقاطع الفيديو، وشهادات العديد من المعتقلين السابقين الذين أكدوا وجود هذه الممارسات المجرمة، والتي نفت السلطات وجودها من الأساس.

وأوضح التحقيق أن مقاطع فيديو وصورا (درامية) وثقها متظاهرون في السودان كشفت عن وجود عناصر أمن مقنعة، تطارد المحتجين وتعتدي عليهم بالضرب، ثم تقتادهم إلى مراكز اعتقال سرية. ووصف التحقيق تلك العناصر الأمنية بفرق “التصفية”، وحدد مراكز الاحتجاز التي يقتادون المتظاهرين إليها، وماذا يحدث داخل جدرانها، حيث حللت قناة BBC Africa Eye، عشرات الفيديوهات المأساوية، التي تم تصويرها خلال الانتفاضة الأخيرة، كما أوردت شهادات تم جمعها من ناجين سابقين من التعذيب.

وذكر التحقيق أن بعض هؤلاء المحتجين أكدوا وجود منشأة احتجاز سرية ومخيفة تسمى (الثلاجة) حيث يستخدم البرد كأداة لتعذيب المعتقلين.وأظهر التحقيق المصور مشاهد لمجموعة من الجنود والعملاء السريين وهم يطاردون المتظاهرين في شوارع العاصمة الخرطوم، ويضعون أكياسا على رؤوسهم بعد القبض عليهم، بينما يوسعونهم ضربا ثم يسحبونهم لمراكز اعتقال سرية، حيث يجري احتجازهم دون توجيه أية تهم، وفي بعض الحالات يتعرضون للتعذيب الشديد. ولفت التحقيق إلى أن الناشطين السودانيين يشعرون بالخوف الشديد من فرق التصفية تلك، الذي أوضح التحقيق فيما بعد من هم؟ وكيف يقومون بتنفيذ مهامهم؟ وماذا يحدث داخل جدران مراكز الاعتقال تلك؟

ونوه التحقيق أن الانتفاضة السودانية بدأت في ديسمبر/كانون الأول 2018، حيث كان الناس يحتجون على الزيادة في أسعار الوقود والطعام، ولكن المظاهرات سريعا ما تحولت إلى ثورة ضد الرئيس السوداني “عمر البشير”. وأضاف أن المتظاهرين رددوا هتافات استلهموها من مظاهرات الربيع العربي في 2011 (الشعب يريد إسقاط النظام)، فيما ردت الحكومة بالعنف، ووثقت مقاطع الفيديو سقوط ضحايا برصاص الأمن، حيث استخدمت القوات الأمنية الذخيرة الحية في مواجهة المتظاهرين.

ووفقا لمجموعات حقوق الإنسان فقد قتلت قوات الأمن أكثر من 50 من المواطنين. وبين التحقيق أن فرق التصفية أو الضرب تلك، لا تقوم فقط بفض المظاهرات وتشتيت المتظاهرين والناشطين السودانيين، ولكن عشرات من المتظاهرين السودانيين وثقوا مقاطع فيديو تظهر عمليات اختطاف لكثير من المتظاهرين. وذكر القائمون على التحقيق أنهم قاموا بتحليل حوالي 200 مقطع فيديو تم توثيقها بكاميرات المتظاهرين أثناء الاحتجاجات، ومن أجل حماية الأشخاص الذين قاموا بالتصوير، لم تحدد الأماكن التي تم منها التصوير، واستعاضت عن ذلك بالاستفادة من الصور في إظهار العناصر الأمنية أثناء ممارستهم لمهامهم.

وأظهر مقطع فيديو طاقما من أفراد فرقة التصفية، وقال إنه يتكون من حوالي 6 رجال يستقلون في الغالب شاحنة صغيرة “تويوتا بيضاء”، في بعض الأحيان تكون السيارات بلا لوحة أرقام معدنية أو يتم تغطيتها. وأضاف التحقيق أن منهم من يرتدي لباسا عسكريا وآخرين يرتدون ملابس مدنية، فيما يرتدي العديد منهم أقنعة، ويحملون أسلحة متنوعة بدءا من البنادق الآلية إلى الأنابيب البلاستيكية التي تستخدم لضرب المتظاهرين.

وأوضح التحقيق أن الناشطين السودانيين يصفون الأفراد الذين يرتدون ملابس مدنية، بأنهم بلطجية من المستويات المتدنية، مأجورين من قبل الاستخبارات الوطنية، والأجهزة الأمنية، أو جهاز الأمن والمخابرات الوطني السوداني. وأظهر مقطع فيديو جنودا يرتدون ملابس عسكرية، ورجال شرطة في ملابس زرقاء وعملاء يرتدون ملابس عادية جميعهم يعملون مع بعضهم، فيما تظهر أيضا شاحنات بيك أب بيضاء، ومبني من السهل تحديده هويته وهو مركز شرطة كالكلا جنوب الخرطوم.

وأفاد التحقيق أن هذا المقطع مع الصور لهؤلاء الرجال الذين ظهروا في الفيديو، وشهادات أدلى بها الناشطون السودانيون تشير إلى استنتاجات واضحة أن الأشخاص الذين يرتدون ملابس مدنية هم جزء من القوات الحكومية. وأوضح التحقيق طريقة عمل هؤلاء العملاء الذين يرتدون ملابس مدنية قائلا إنه يتم نشرهم من قبل السلطات منذ شهر ديسمبر/كانون الأول، لتطهير الشوارع من المظاهرات.وأشار التحقيق إلى أن فيديو وثقه متظاهرون وهم يتعرضون لوابل من النيران، من قبل هؤلاء العملاء الذين يرتدون ملابس مدنية.

وذكر أن هؤلاء الأفراد يعملون حول كتلة سكنية محددة لمواجهة المتظاهرين، ويلاحظ أن أحد المرتدين للملابس المدنية يقف في مقدمة الصفوف، بينما رجل آخر يرتدي زيا أحمر في الخلف، حسبما أظهر مقطع فيديو. وصور شخص آخر الفريق ذاته، وأظهر الرجل الذي يرتدي زيا أحمر والرجل الذي كان في مقدمة الصفوف في الناحية الأخرى يطلق النار على المتظاهرين.

ووفقا للتحقيق فإن ما يقوم به العملاء ليس مجرد سيطرة على المتظاهرين أو الحشود، حيث يستهدفون المتظاهرين في الشوارع أو في المنازل، ويعتدون عليهم بشدة ثم يقتادونهم إلى سيارات، وبعد ذلك يختفي المعتقلون. ولكن ما يحدث بعد اعتقال المتظاهرين من الشوارع من قبل أفراد فرق التصفية تلك؟ وفقا للتحقيق لا يعرف أين ينتهي المطاف بهم؟ ولكن بعضهم على الأقل يتم اقتيادهم إلى منشأة سرية جنوب “مستشفى آسيا”. وأوضح التحقيق الطريقة التي تم التوصل بها إلى هذا المركز، ففي 11 يناير/كانون الثاني نشرت صورة على وسائل التواصل الاجتماعي، وادعي ناشرها أن المكان الموجود بالصورة هو مركز اعتقال تديره القوات الأمنية التابعة للحكومة.

ومنذ التسعينات، يطلق ناشطون محليون، على أماكن الاعتقال تلك، اسم “منازل الاشباح” لأن الناس يختفون خلف جدرانها ويتعرضون للتعذيب. وأشار تحقيق “بي بي سي” إلى أن الصور التي حصل عليها هي لمكان مركز اعتقال يقع بالقرب من مستشفى آسيا، وفقا لشهادة أحد المعتقلين.

ووفقا لـ8 شهود آخرين مختلفين، أكدوا تعرضهم للاحتجاز في مبنى بالقرب من مستشفى آسيا، بينهم 5 (شهود) قالوا إنهم تعرضوا للضرب والتعذيب لدرجة أنهم لم يستطيعوا أن يمشوا على أرجلهم، والبعض كسرت أذرعهم خلال محاولتهم صد ضربات مستجوبيهم، وإن الأرضية كانت مغطاة بالدماء. ولكن المعتقل القريب من مستشفى آسيا ليس مركز الاحتجاز الوحيد، فقد أفاد مصدران أنها فقط مجرد مقرات احتجاز حيث يتم استجواب وفرز المعتقلين، ثم يتم نقل الكثير من الناشطين الذين يمثلون تهديدا للنظام إلى مراكز اعتقال أكبر في الخرطوم بـ”محطة أتوبيس شندي”. ووفقا لأحد الشهود لا يمكن الاقتراب من تلك المنطقة بهاتف أو كاميرا. ولكن 7 معتقلين سابقين أرسلوا صورا عبر خرائط جوجل، وحددوا فيها الأماكن التي تم اعتقالهم فيها، ووصفوها بأنها مراكز تعذيب تديرها الحكومة السودانية.

وذكر أحد المصادر تفاصيل بالغة الأهمية في سهم يشير إلى أحد الأماكن وكتب عليه “ثلاجة موز”، موضحا أن الزنازين الموجودة في هذا المبنى يتم استخدام البرد فيها كوسيلة للتعذيب، باعتبارها وسيلة لا تترك أي آثار للتعذيب على الجسم. وقال أحد المعتقلين في شهادته: “الجو هناك متجمد وبعد مرور 15 دقيقة لا يمكن تحمله.. تم وضعي هناك ليلة كاملة وبضع ساعات في اليوم التالي”.

وقال آخر احتجز في نفس المكان: “كنت خائفا للغاية، خائفا من الموت، المكان بارد، ومعزول، واعتقدت أن هذه هي آخر أيام في حياتي.. لقد ضربوني بشدة.. لم أشعر ببرد مثل هذا طوال حياتي.. لو كنت انتظرت هنا حتى الصباح لكنت مت.. التعذيب والضرب أفضل من البقاء في هذا المكان”. الزنزانة الباردة ليست وليدة اليوم، حيث أكد أحد المعارضين أنه احتجز في زنزانة باردة في عام 2009، حيث يتعرض الناشطون المعتقلون أيضا إلى التعذيب، والحرمان من النوم، والوقوع تحت ضغوط نفسية صعبة. وفي المقابل عندما طرحت تلك المزاعم على السلطات السودانية، نفى المتحدث باسم الحكومة وجود مراكز اعتقال، وأكد أنه لا أحد سمع عن مراكز الاعتقال الباردة أو الثلاجة.

وقال إن القانون السوداني يحظر ضرب أو تعذيب المحتجزين، وأن الشرطة ممنوعة من تعقب المتظاهرين في الشوارع الضيقة أو في منازلهم. وأضاف أن هذه الاتهامات لا يمكن إثباتها وإن وجدت فهي مجرمة، وادعى أيضا أن المتظاهرين لم يكونوا سلميين، وأن بعضهم حمل أسلحة نارية، وأن أفراد الشرطة كانوا في بعض الأحيان يدافعون عن أنفسهم.