معركة الدستور.. الاشتباك الواعي

قطب العربي

 

لم ننس أن دستور 2014 جرت صياغته بعد إنقلاب عسكري غاشم على الإرادة الشعبية، وبعد أكبر مذبحة بشرية في مصر راح ضحيتها آلاف الشهداء والمصابين، ولم ننس أنه لم يكن تعبيرا عن إرادة عموم المصريين إذ تمت صياغته في غيبة نصف الشعب، ولم ننس مظاهر الاحتفاء الرخيص والرقص أمام اللجان طربا لإنجاز ذلك الدستور بحسبانه تخليصا لأولئك الراقصين والراقصات ومن يقف وراءهم من شبح دستور ثورة يناير الذي فتح أمام المصريين أفاقا واسعا للحرية والتنمية والكرامة.

لم ننس كل ذلك، ولكن ذلك لا يعني أن نتجاهل العدوان الجديد لنزع ما تبقى من روح يناير في هذا الدستور الذي تضمن غالبية نصوص دستور الثورة 2012، ولا يعني أننا نقف متفرجين على إلغاء تلك النصوص التي مثلت جزءا من مكاسب دستورية نتيجة لنضال طويل وممتد للمصريين منذ عرفت البلاد أول دستور عام 1882 مرورا بدستور 1923 وما تلاه من دساتير وصولا إلى دستور ثورة يناير في 2012 وتعديلاته في 2014.

لم تتحقق أماني المصريين في دستور محترم بين يوم وليلة، ولكن عبر عقود طويلة، وعبر جولات من النضال السياسي والدستوري، ونحن اليوم أمام جولة جديدة من هذه الجولات، التي تجري في ظل حكم قمعي ناتج عن إنقلاب عسكري، لا يعرف قيمة للدساتير او القوانين  بل يعتبر نفسه هو الدستور وهو القانون وهو كل شيء، إن عدم الإعتراف بالانقلاب العسكري لا يحول دون مواجهة العدوان على مكاسب دستورية لم تكن منحة من حاكم بل جاءت نتيجة جهود وتضحيات المصريين، وإن السكوت على تمريرها بحجة انها جزء من حالة انقلابية لا نعترف بها هو تنازل مجاني عن تلك المكاسب، وهو خدمة غير مباشرة لحاكم متنمر، لا يربد دستورا يقيد سلطاته، أو يوجه سياساته، او يحدد مدد بقاءه.

الدخول الواعي في معركة الدستور هو العاصم من الذلل، أو الوقوع في شرك القبول غير المباشر بنظام غير شرعي، والدخول الواعي للمعركة هو الذي يميز بين عدم الاعتراف بالنظام الإنقلابي الحاكم، وبين الدفاع عن مكتسبات دستورية جاءت تتويجا لنضالات طويلة، وراح ثمنها دماء طاهرة، سواء في ثورة يناير أو في جولات نضالية سابقة، لكن الدفاع الواعي عن تلك المكتسبات الدستورية أيضا لا يتخذ شكلا واحدا، بل تتعدد بشأنه الوسائل والأساليب، وما يصلح لفريق يعارض النظام من داخل مصر ووفقا لقوانين النظام لا يصلح لغيرهم ممن يناهضون النظام ، ولا يعترفون به ولا بقوانينه، لكن المعركة بشكل عام هي واحدة من الفرص القليلة التي يمكن أن تقرب بين القوى السياسية التي تنافرت على مدار السنوات الماضية، وكان بداية التنافر بينها (للمفارقة) هو الاستفتاء على تعديلات دستورية في مارس 2011، ظهر لاحقا أن المجلس العسكري نجح في افتعال تلك المعركة بين شركاء الثورة، لضرب بعضهم ببعض، ثم أخرج هو في النهاية نصا دستوريا من 62 مادة رغم أن الاستفتاء كان على 8 مواد فقط، واليوم يمكن لتلك القوى التي ابتلعت الطعم في مارس 2011، وراحت تسدد ضرباتها ضد بعضها تاركة للمجلس العسكري إعادة تريب الأوضاع وفقا لرؤيته أن تستدرك ما فات، وأن تتحد على مواجهة هذا الإنقلاب الدستوري الجديد، على أن يخوض كل طرف المعركة بالطريقة التي تناسبه، سواء كانت مقاطعة إيجابية  بهدف كشف وفضح النظام، وإبراز حجم المقاطعة الواسعة له، كما يحبذ رافضو الإنقلاب، أو عبر الطرق الأخرى التي قد تتفق عليها قوى المعارضة الداخلية والتي تعتقد أنها تمثل لها فرصة للحضور السياسي، وإحراج النظام بطريقتها.

إن المقاطعة الإيجابية لا تعني لزوم البيت فقط في ذلك اليوم، بل تعني حراكا إيجابيا مقاوما لفضح النظام محليا ودوليا، وكشف استهانته بالشعب، وعدم احترامه لأي قوانين أو دساتير، وهو ما يعني أن مصر في ظل هذا النظام أصبحت غابة يأكل فيها القوي الضعيف، ولا يأمن فيها المواطن على نفسه أو أمواله، كما لا يأمن فيها السائح أو المستثمر على نفسه أو أمواله أيضا، وهي بذلك تمثل بيئة وتربة خصبة لتفريخ المزيد من العنف والإرهاب بعد انسداد أي أفق للتغيير السياسي السلمي.

لقد قدمت ثورة يناير نموذجا للتغيير السياسي السلمي، وتوجت ذلك بنصوص دستورية عصرية تعظم حريات وكرامة المواطنين، وتستهدف تحسين معيشتهم وتعليمهم وصحتهم، ومأكلهم ومسكنهم، وترسخ استقلالا وتوازنا حقيقيا بين سلطات الدولة المختلفة (السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية) بل توازن بين جناحي السلطة التنفيذية وهي الرئاسة والحكومة، ورغم أن هذه النصوص لم تجد طريقها للتطبيق إلا لوقت قصير عقب إنجاز دستور 2012، إلا أن انتقال هذه النصوص إلى تعديلات 2014 ظل يمثل بارقة أمل رغم أن نظام السيسي لم يحترم أي نص دستوري منذ اليوم الأول لانقلابه، وقد كان النص على تحديد مدة الرئاسة بثماني سنوات كحد اقصى على فترتين طاقة نور بديلة أمام المصريين الذين كانوا ينتظرون انقضاء ما تبقى من هذه السنوات على أحر من الجمر ليتخلصوا من الطاغية بشكل سلمي، لكنه أغلق أمامهم هذا الأمل الأخير، ولم يعد أمامهم سوى الانتفاض في ثورة شاملة للخلاص من هذا النظام برمته، واستعادة المسار الديمقراطي، وترسيخ الدولة المدنية التي تعرف لكل ذي حق حقه.

طالما بدأت ماكينة التعديلات الدستورية فإنها لن تتوقف حتى تنجز مهمتها، لكن هذا لا ينبغي أن يكون محبطا للتحركات المقاومة، إذ يكفي أن يخرج المعارضون من هذه المعركة بروح جديدة أكثر تسامحا فيما بينهم، وبتوافق وطني على ضرورة الخلاص من هذا النظام والعمل المشترك لتحقيق هذا الهدف، والتوصل إلى صيغة توافقية للدولة المدنية التي ننشدها، وتجنب الخلافات التي نجح النظام في زرعها بينهم على مدار السنوات الماضية لينفرد لاحقا بكل فريق على حدة، وليزج برموز جميع القوى في سجونه أو يطردهم ويطاردهم خارج البلاد، حتى تسهل مهمته في تخريب الوطن وبيع أرضه وثرواته، وإفقار المواطنين وإذلالهم.