ولو خلف ألف جدار ياعماه يحيى القزاز 

بقلم د تقادم الخطيب

حينما أكتب عنه فأنا أكتب عن من كنت أناديه بعمي ولازلت (لأننا صعايدة زي بعض ومن نفس المحافظة)، يحي القزاز لمن لا يعرفه أحد قيادات حركة كفاية وحركة 9 مارس لاستقلال الجامعات. في كل مظاهرة ووقفة قبل الثورة بسنوات حينما كنت أقف بجواره أشعر بصلابته، وأستمد قوتي منه. عمي لا يخاف في الله لومة لائم، ويصدح بالحق دوما، لا يعرف قلبه الخوف، خاض معاركه في جامعة حلوان ضد فساد قادتها ومن أجل استقلال الجامعة وكرامتها، وأحيل للتحقيق مرات عدة وكنا نتضامن معه في حركة 9 مارس قبل الثورة وكذلك بعدها. كان ولازال عنيدا صلبا في مواقفه، من قبل داخل حركة كفاية، وكذلك في صفوف المعارضة،واعتقل وتم الاعتداء عليه أكثر من مرة في عهد مبارك، خاصة في الوقفة الشهيرة للقضاة. حينما أتحدث أو أكتب عنه أتذكر ماكسيموس قائد الجيوش الرومانية للامبراطور ماركوس أوريليوس، والذي اشتهر المثل عنه أن قلبه لا يعرف الخوف. أو كأني بعبد الوهاب ينشد ولا خفضت الا لباريها الجبينا. علي قدر ما ماكان صلبا ويخشي البعض الحديث معه، لكنه كان عند الخطأ يقر به، ويعتذر وهذه سمة العظماء. افترقنا أكثر من مرة، و قصة الفراق بيني وبين عمي بدأت مع الانقلاب العسكري، فوقتها كان داعما للجنرال، وحدثت مشادة شديدة بيننا وانصرفت دون أن أودعه، وسافرت أيضا دون أن أودعه، لكنه بعدها بشهور عاود الاتصال بي وأنا خارج مصر وقال لي ياولدي لقد كنت محقا.

حينما حدثت قضية تيران وصنافير كنت أحتاج متخصصا في الجيولوجيا أستشيره فمن هو أفضل من عمي، فهو حاصل علي الجيولوجيا من انجلترا في ثمانينيات القرن الماضي، وقد استفدت منه في الخرائط التي يجب أن أحضرها بعد حديثي مع رئيس قسم الخرائط في مكتبة برلين الذي كتبت عنه من قبل. وكل خريطة أحصل عليها أرسلها له عبر البريد الالكتروني، فيرد بتعليقاته عليها، ويقول نحتاج كذا وكذا، وكأنها لحظة جمعت الأستاذ بطالبه الذي يشرف عليه. في كل مرة كان يكتب وينتقد، كان نقده لاذعا كالسوط، بتارا كالسيف، فأهاتفه قائلا رفقا بضعفنا ياعماه، فيقول أريد أن أكفر عن سيئاتي أنني دعمت شخصا مثل هذا في يوم من الأيام، وأنا لا أخشي الاعتقال أو السجن، فنحن لسنا أفضل ممن هم في المعتقلات.
عمي ناصري كما هو معروف عنه، وهو يعرف كرهي لناصر ودولته، فحدث قبل اعتقاله بشهور قليلة مشادة بيننا بسبب بوست كتبته عن عبد الناصر، علي إثرها وجه إلي إهانة، لم أغفرها له حينها. لكن بعد أسابيع قليلة أرسل إلي من يقول بأنه يعتذر إلي، ثم كتب إلي قائلا: أتمنى كل مايهمنى ان تظل كما انت ابن الصعيد المصرى الوطنى البار باهلك ووطنك ودينك. والالتباس فى اللحظة الحرجة وارد الوقوع فيه ولا ابرأ نفسى من مغبة الوقوع فلست بالمعصوم ولا الميت.
تحياتى واتمنى لك مزيدا من التقدم.. يوما ستذكرنى بالخير وتترحم على.. وستقول لكنه كان غليظ التعامل.. صعيدى يابوى.. الصعيدى لايجيد تغليف كلماته مع من يحب ولو للاسف كانت جارحا. لك حق الابوة عندى مهما اختلفت معى فى الرأى.

أنت كما أنت ياعماه، صلب قوي مرفوع الهامة، لا تخاف في الله لومة لائم، ما اعتقلك سجانك إلا خوفا منك، وهربا من صوت الحق الذي كنت تصدح به فتزلزل به حصونه التي يحتمي خلفها، وترهب جنود الباطل من حوله. في الزيارة قبل الأخيرة له في السجن أرسل لي سلاما، قائلا لأحد محاميه بلغ سلامي لتقادم. أما أنا فسلامي إليك دوما، ودعائي لك لا ينقطع، منك تعلمت الكثير، ولا زلت أتعلم. فاكر لما قلت لي أخر مرة:

إوعى تحسبها حساب..
بلا واد.. بلا بت..
ده زمن يوم مايصدق.. كداب..
سيبها لهم بالحال والمال وانفد
إوعى تبص وراك..
الورث تراب
وحيطان الأيام طين
وعيالك بيك مش بيك عايشين..

هل تذكر ياعماه.
الحرية ليحي القزاز، الحرية لمصر.

(نقلا عن صفحته)