إذا استمرت وحشية السيسي، فستكون العواقب وخيمة على أوروبا

بقلم د.عمرو دراج 

نشرت صحيفة الجارديان البريطانية اليوم الاثنين (11 فبراير 2019) مقالاً مطولا للدكتور عمرو دراج، وزير التخطيط والتعاون الدولي في مصر في حكومة د. هشام قنديل، تحت عنوان: “إذا استمرت وحشية السيسي، فستكون العواقب وخيمة على أوروبا”، وذلك في ذكرى تنحي الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك في الحادي عشر من فبراير عام 2011.الذي قام  بإعداده المعهد المصري للدراسات.

 وفيما يلي ترجمة نص المقال باللغة العربية.  

تُعتبر حكومة مصر الاستبدادية الحالية هي الأسوأ على الإطلاق بالنسبة للحكومات التي سبقتها. ويجب مواجهتها قبل أن تَدخل البلاد في دوامة من العنف.

كان جلياً أن فرحة غامرة قد عمت ربوع البلاد في أعقاب تنحي محمد حسنى مبارك  في مثل هذا اليوم منذ ثمان سنوات – في الحادي عشر من فبراير 2011. فقد تجمع المصريون من مُختلف الأعمار والمعتقدات والخلفيات السياسية في ميدان التحرير، وقد وحدتهم جميعاً غاية واحدة، هي الرغبة في نيل الحرية وإنهاء ثلاثين عاماً من الاستبداد. ومع استلهام النجاح الذي حققته الثورة التونسية (بهروب بن علي إلى السعودية في 14 يناير 2011)، فقد اعتقدنا حينئذٍ في مصر، التي تُعتبر تاريخياً هي القوة الإقليمية الكبرى، أننا قمنا بسلسلة من الفاعليات الكفيلة بتحقيق الحرية في البلاد.
ولكن بعد مرور ثلاثين شهراً على التنحي، أصبح الحلم كابوساً. فقد كان السماح للجيش بإدارة الفترة الانتقالية هو أكبر خطأ ارتكبه الجميع؛ فالثورات لا تُسَلِم السلطة أبداً للأعمدة التي قام عليها النظام القديم. وقد نكون قد شعرنا في وقت لاحق بشيء من الرضا والثقة بأنه لا يمكن وقف مسيرة التغيير أو الوقوف في طريقها، خصوصاً بعد عقد أول انتخابات رئاسية حرة، وما أعقب ذلك من استفتاء على دستور جديد للبلاد. لكن التضامن الذي ميز الاحتجاجات في ميدان التحرير بدأ ينفرط عقده وتتفكك عُراه؛ ولم تستطع حكومة د. محمد مرسي، ولا أي قوى سياسية أخرى، أن تحل الخلافات التي نشبت بين شركاء الثورة أو أن تقلل من حدة المخاوف التي بدأت تستشري في الحياة العامة – من النظام البائد، والأحزاب السياسية، والجيش، وحتى المصريين في الشارع.

لقد ارتكبنا أخطاء. فلم تستطع الحكومة، التي كنت أحد وزرائها، رغم محاولات حثيثة، أن تُنحي فلول نظام مبارك، أو أن تحقق التوافق المنشود في البلاد. وطوال الوقت، كان يتم تصدير الأزمات المصطنعة التي تمثلت في نقص الوقود والغاز والكهرباء، مما أدى إلى تفاقم حدة الخلافات التي كانت في تصاعد مستمر. لقد كنا نعطي الأولوية لإنشاء مؤسسات ديمقراطية في البلاد، ولكن لم يستغرق الأمر سوى دقيقة واحدة فقط في الثالث من يوليو عام 2013 لهدمها جميعاً؛ الرئاسة، والبرلمان، والدستور. لقد كان ينبغي أن ينال الإصلاح الشامل وتطهير بقايا النظام البائد ما يستحقه من اهتمامنا.

وعندما أصدر الدكتور مرسي في نوفمبر 2012 إعلانه الدستوري الذي حصن فيه قراراته ضد أحكام المحكمة الدستورية بشكل مؤقت، اعتقد البعض أنه قد أعلن نفسه دكتاتورا – رغم أن نيته كانت حماية الدستور الجديد للبلاد، الذي كان في واقع الأمر يحدّ من صلاحياته، ولا يوسعها، وفتح ذلك الباب أمام دعوات جديدة للاحتجاجات والمطالبة بتغيير النظام، وهو ما أدى في النهاية إلى الانقلاب العسكريالذي قام به الجنرال السيسي. وتظل سياسة الأرض المحروقة – التي اتبعها النظام عندما اعتدى على معارضي الانقلاب في ميدان رابعة العدوية (في الرابع عشر من أغسطس عام 2013) – واحدة من أشد الأيام سوادا في تاريخ مصر الحديث، وكانت نذير شؤم لتقويض أحلام الربيع العربي.

إنه من المؤلم اليوم أن نتذكر كلمات الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما بعد تنحي مبارك: “لقد قال المصريون كلمتهم”. “لقد قالوا بوضوح أنهم لن يقبلوا بعد اليوم بأقل من الديمقراطية الحقيقية”. والآن نجد أنفسنا مرة أخرى في مستنقع ديكتاتور عسكري وحشي لا يمكن توقع ما يمكن أن يرتكبه من فظائع – ويكفي أن نقول إنه أسوأ من مبارك، وأسوأ كذلك من عبد الناصر. وقد ظهر أثره المدمر سريعاً على الحياة المدنية قي مصر. وقد أوجزت ذلك د. داليا فهمي، أستاذة العلوم السياسية في جامعة لونج آيلاند في نيويورك، عندما قالت إن “المجتمع المصري يتم سحقه”.

لقد أصبحت الآن الفظائع التي يرتكبها النظام من اعتقالات غير قانونية، وحالات اختفاء قسري، وقتل خارج إطار القانون، تتم بشكل معتاد: فالسيسي يعاقب المعارضين والناشطين بشكل يومي. فيتم القبض على النساء اللواتي ينتقدن التحرش الجنسي؛ كما يُعتبر عدد الصحفيين الذين يسجنهم النظام في مصر بتهم نشر “أخبار كاذبة” أكثر من أي دولة أخرى في العالم. وتصف منظمة هيومن رايتس ووتش التعذيب في السجون المصرية بأنه قد أصبح “وباء“، في حين تقول منظمة العفو الدوليةإن من يعيشون خارج تلك السجون يعيشون في “سجن مفتوح”. وفي كل حين، تهدد الحرب التي يجري التعتيم عليها في شبه جزيرة سيناء بوقوع أزمة إنسانية. وبسبب فشل السيسي في التعامل مع الإرهاب الذي يدعي أنه يحاربه، احتلت مصر المركز التاسع على مؤشر الإرهاب العالمي لعام 2018.

وبينما كنت أقوم بإعداد هذه المقالة، تم إعدام ثلاثة شبان مصريين، هم أحمد ماهر الهنداوي، وعبد الحميد متولي، والمعتز بالله غانم، بتُهم ملفقة، بناءً على اعترافات تم انتزاعها تحت التعذيب. وبهذا يبلغ عدد الذين أُعدموا بالفعل 37 شخصاً، بينما ينتظر 56 آخرون مصيرهم المحتوم في وقت قريب بعد رفض استئنافاتهم.

ومع ذلك فإن أوروبا تظل تراوح مكانها في موقف المتفرج بأيد مقيدة. ففي منطقة مهددة بالاضطرابات والعنف، تَعتبر أن “رجلاً قوياً” مثل السيسي يمكن أن يضمن لها الاستقرار – أو على الأقل هذا هو مستوى تفكير بعض القادة الأوربيين أمثال إيمانويل ماكرون  رئيس فرنسا. لكن عقلية الحرب الباردة تلك تدفع مصر إلى حافة الفشل الكامل للدولة. فحكومة السيسي تنفق مبالغ باهظة على مشاريع لم تخضع لأي دراسات جدوى أساسية، وبدلاً من تحويل الموارد إلى المدارس والمستشفيات فإنها توجهها إلى الجيش المتخم بالأموال أصلاً. ويعيش حوالي ثلث المصريين عند خط الفقر أو تحته، ويُدرِج مشروع الإنذار المبكر مصر في المرتبة الثالثة (بعد الكونغو وأفغانستان) في قائمة الدول التي من المرجح أن تشهد حوادث قتل جماعي واسعة النطاق هذا العام. ومع ذلك، يدفع السيسي وأنصاره لإجراء تعديلات دستورية من شأنها تمديد فترة رئاسته حتى عام 2034! فضلا على أن هذه التعديلات تدعو إلى تدخل الجيش من أجل “حماية الدستور ومدنية الدولة إذا تعرض ذلك للتهديد”. وعلى الرغم من أن هذا ما كان يحدث في مصر عادة، إلا أن هذه تُعد هي المرة الأولى في تاريخ البلاد التي يتم فيها إقرار ذلك في الدستور.

وإذا لم تستدرك أوروبا الأمر في تعاملها مع النظام السلطوي لحكومة السيسي والفشل المحدق بمصر، فلن تستطيع القارة العجوز أن تتخيل العواقب التي يمكن أن تؤول إليها الأمور. إن المآسي التي نتجت عن الحرب الأهلية في سوريا وفشل الدولة في ليبيا – التي لا يتعدى عدد سكانهما عُشر عدد السكان في مصر – تسببت في زيادة تدفق المهاجرين اليائسين إلى أوروبا عبر المتوسط ​​بأعداد لم يسبق لها مثيل من قبل. فما بالكم إذا ما انفجرت أعمال عنف في مصر؟ حينها – لا قدر الله – فإن أزمة الهجرة وحدها كفيلة بأن تهز القارة الأوربية من الأساس، وسيكون تصدير الإرهاب ولو على نطاق ضئيل كفيلاً بإيقاظ وإشعال فتيل النزعة القومية وفوبيا كراهية الأجانب التي تتصاعد الآن في أوروبا. وعلى الرغم من أن السيسي يستخدم نفس هذه الحجج للابتزاز أوروبا من أجل دعمه، إلا أن نظامه هو في واقع الأمر المحرك الرئيسي نحو عدم الاستقرار في مصر.

وعلى الرغم من أن البعض يعتقد أن أحلام الربيع العربي قد انتهت، إلا أن المُثل التي قامت عليها هذه الأحلام لا تزال حية. فهناك رغبة عارمة لدى ملايين المصريين العاديين في أن يعيشوا في مجتمع ديمقراطي حر يسوده العدل. وإذا كانت أوروبا هي بالفعل معقل الديمقراطية في العالم، فإن على قادتها ألا يتخلوا عن مبادئهم من أجل “سياسة واقعية” خرقاء.