أحمد سليمان .. قاضى الحق

حنان السيد

 

يسير بخطوات ثابتة صامدة، بسمة لا تفارق وجهه، عن يمينه وشماله ضباط وعساكر الأمن الوطني، قوات خاصة تحكم المكان وكأن بينهم شابا عشرينيا يحمل سلاحا يقف أمامهم ويرفع سلاحه في وجههم ويهرب من بين أيديهم.

كل هؤلاء الأقزام بأسلحتهم يقفون أمام ذلك الفارس الذي يحمل سلاحه ويمضى في طريقه لم ترهبه القوات ولا الاعتقال ولا الأحكام، يمضي ذلك الفارس رغم كبر سنه، إلا أنه فتى يحمل سلاح الحق في وجه سلطان جائر.

تأتى هيئة الدفاع من أبنائه وأحبابه يدافعون عن سيف الحق أمام آلة الانقلاب من نيابة أمن دولة، التي لا تحترم مكانها، ولا تحترم قدسية عملها، ولا تقدر لسيادة المستشار مكانته ووظيفته.

وزير للعدل الشرعي: الذي أدى الأمانة وما زال على أكمل وجه، فهو يقوم بعمله ويؤدى مهمته التي كلف بها.

للقضاء أهمية عظيمة من طبيعته المهمة الملقاة على عاتقه من الوقوف بوجه الظالم والمعتدي، وإثبات الحقوق واستيفائها لأصحابها.

وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «لا قُدِّسَت أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه» .

 

وهم يلفقون له التهم والقضايا من قبل سمير صبري، المحامي المقرب من سلطة الانقلاب، والذي كان قد تقدم ببلاغ عاجل للنائب العام ولنيابة أمن الدولة العليا طوارئ، ضد المستشار أحمد سليمان.

وزعم البلاغ أن “سليمان” “كثير الظهور على القنوات المعادية للدولة المصرية والممولة من التنظيم الدولي للإخوان ومن قطر”.“حرّض على الدولة المصرية وعلى عبد الفتاح السيسي”، متوعدًا ومهددًا له، ثم أخذ في استدعاء الخارج للتدخل في الشأن المصري، وتحديدًا في أحكام القضاء، ثم طالب المنظمات الحقوقية المشبوهة في الخارج وفي الدولة المعادية والمحرضة والمشككة في الدولة المصرية، بالتدخل في الشأن والسيادة المصرية.

كما زعم “صبري” في البلاغ أنها كلها أجندات أجنبية مدفوعة، وكلها جرائم صارخة ضد أمن وسيادة الدولة تصل جميعها إلى جرائم الخيانة العظمى.

وطالب في نهاية بلاغه بإصدار أمر بالقبض على المستشار أحمد سليمان، وعدم مغادرة البلاد والاطلاع على الاسطوانة المدمجة المرفقة بالبلاغ، والتي تحوي مداخلة موضوع البلاغ صوتًا وصورة، وإحالته للمحاكمة الجنائية العاجلة أمام محاكم أمن الدولة العليا طوارئ.

يعلم وكلاء النيابة والأمن الوطني أن سيادة المستشار بريء من كل تلك التهم وأنه كيد له لأنه رفض الاعتراف بقائد الانقلاب السيسي، رفض الانصياع واتباع الانقلاب والنجاة بحياته من كيدهم، وقف موقف الرجال الشرفاء مثلما وقف العز بن عبد السلام وتحدى الحاكم رفضا ما يقوم به قضاة عصره ومشايخه بالدعاء للسلطان في الخطبة لاستعانته بالصليبيين في الحكم وخرج من دمشق إلى مصر على أثر ذلك وحينما أرسل له السلطان ليقنعه بالعودة وتقبيل يده فرفض قائلا: يا مسكين أنا ما أرضاه يقبل يدي فضلا على أن أقبل أنا يده.

هكذا وقف سيادة المستشار أحمد سليمان موقف رجال الحق الأقوياء، ولقد شهدت جلسة التجديد لوزير العدل الشرعي المستشار أحمد سليمان أمام نيابة أمن الدولة العليا سجالا بين الأخير وفريق الدفاع عنه خصوصا بعد مطالبة أحد المحامين وكيل النيابة بإخلاء سبيل المستشار سليمان بأي ضمان تراه النيابة مع استخدام الرأفة.

ورفض سليمان مطالب فريق الدفاع فيما يتعلق بطلب الرأفة عنه قائلا:” أنا أرفض طلب أي رأفة لي أنا لست متهما لتُطلب لي الرأفة … تاريخي يشرفني.. وهم يعلمون لماذا أقف هنا اليوم؛ أقف هنا لأني لم أطأطئ رأسي.

واستمرت مقاطعة وزير العدل الأسبق والذي يعد من أبرز رموز استقلال القضاء في مصر لفريق الدفاع عنه قائلا: أقف هنا لأني نطقت بالحق … أقف هنا لأني أحب بلدي وأعتز ببلدي وبتراب بلدي.

أحمد سليمان فارس القضاة ذلك الفارس الشجاع من يراه يرى القضاة الشرفاء فلقد أعاد في الأذهان أولئك القضاة الشرفاء بعد أن دفع الانقلاب بالقضاة الفاسدين الذين باعوا ضمائرهم وشرف مهنتهم لسلطة فاسدة فأصبحوا هم أداة الفساد في الوطن ينهشون أبنائه ويمزقون جسده من أجل مساعدة سلطة فاسدة أتت على دماء أبناء ذلك الوطن .

المستشار أحمد سليمان أعاد للقضاء نبضه وروحه وعندما تتذكر الأجيال القادمة مواقفه تعلم أن هناك قضاة شرفاء وقفوا للباطل وأصبحوا قوة في وجه برفضهم الباطل والوقوف مع كلمة الحق

فهو يعلم جيدا مكانته في وظيفته فكان إخلاصه لعمله وللوظيفة مما تربى عليه من سنة رسول الله، فلقد روي عنه صلى الله عليه و آله وسلم : «إذا جلس القاضي للحكم بعث الله إليه ملكين يسددانه، فإن عدل أقاما، و إن جار عرجا وتركاه» .

فهو يخشى الله ويتقيه في أمانته التي وكل بها، وتحدى يد البطش والإجرام ولم يلوث يده ولو بالصمت في دماء أريقت وحقوق أهدرت ودولة اغتصبت.

خرج قضاة الاستقلال وقضاة البيان وغيرهم ليطهروا أنفسهم من دنس السلطة ويكونوا ثوارا قضاةً أحرارا رفضوا أن يكونوا قضاة عبيد للعسكر.

المستشار أحمد سليمان من قضاة الاستقلال وحفظ على مبادئه وعمل بكل ضوابط وقوانين قضاة الاستقلال الذين تأسسوا في مصر العثمانية وقبل الحملة الفرنسية عام1798 كانت المحاكم الشرعية هي المحاكم الرئيسية في مصر،وكانت مستقلة بشكل كامل عن سلطان الولاة بجهود عبد العزيز باشا فهمي أول رواد استقلال القضاء في مصر،وفي عام1931تم تشكيل محكمة النقض ثم تأسس نادي القضاة عام 1939 بهدف التحرر من سلطة المحاكم المختلطة، وفي عام 1943 صدر أول قانون لاستقلال القضاء برقم (66) لعام 1943 بعد أن تم إدراج القضاء لأول مرة ضمن سلطات الدولة من خلال دستور 1923، الذي نص في فصله الرابع على أن “القضاة مستقلون، لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، وليس لأية سلطة في الحكومة التدخل في القضايا .

ثم عام 1946 تم إنشاء مجلس الدولة للفصل في منازعات الجهات الحكومية، وفي عام 1949 حقق القضاء انتصارًا كبيرًا بإلغاء المحاكم المختلطة وإعطاء الولاية في مصر للمحاكم الأهلية.

يعلم جيدا سيادة المستشار أحمد سليمان أن قائد الانقلاب وعصابته لن يتركوه وسوف ينالون منه ولن يرحموا كبر سنه ولا وضعه الصحي بل سوف ينكلون به لأنه رجل حق ووقف مع الحق ولم يتنازل عن شرعية الدكتور مرسى ولم يأخذ طريقا مع قضاة السلطة فهو يعلم جيدا ما هي الأمانة التي يحملها على عاتقه ويعلم أنه يربى رجالا من القضاة الشرفاء بموقفه القوى الشجاع ويعلم جيدا أنه يطهر ما أفسده القضاة الفاسدون من كيان القضاة ويعيد له مجده وسمعته ووضعه وانه سلطة ليس لأي حكومة السيطرة عليه.

وقف المستشار أحمد سليمان وحيدا بين أنياب الانقلاب ليحمل راية الحق كقاضي شريف ثابت لا ينطق إلا بالحق ولا يقبل بدماء الأبرياء ولا يدنس يده بوضعها في يد الانقلابين فهو شرف القضاة وشرف لكل حرا يحمل قضيته بين ثنايا قلبه وليتعلم الجميع من ذلك الرجل كيف تكون الرجولة حقا فهي رجولة واقف وصمود وثبات رجولة رجل في زمن عز فيه الرجال .

فهذه هي المكانة التي اختارها المستشار أحمد سليمان لنفسه وحافظ عليها في قول الإمام علي عليه السلام لشريح القاضي: (قد جلست مجلسا لا يجلسه إلا نبي أو وصي نبي أو شقي) .