التعديلات الدستورية ليست مدة الرئاسة فقط!

بقلم ياسر عبد العزيز

منذ أن كانت شائعة ولم ترقى حتى إلى درجة التسريب، والكل مهتم بتعديل الدستور في مصر مسلطا الضوء على مادة تمديد فترة الرئاسة دون النظر إلى ما يمكن أن يصاحبها من تعديلات يلزم اصطحابها في رحلة الإلهاء لتمرير الأمر الأهم، لا شك أن تمديد فترة الرئاسة أمر مهم، لكن التعديلات التي باتت حقيقة تم التصويت عليها في اللجنة العامة لبرلمان النظام في مصر تضمنت أيضا تعديلات يجب الوقوف عليها والنظر فيها، لأن تعديل مدة الرئاسة وإن كانت سترسخ مبدأ مفاده القفز على مكتسبات ثورة يناير، والتي أكدت على التداول السلمي للسلطة وكسر تابوه الرئيس الإله، بتحديد مدة الولاية وعدم جواز مخالفتها، وهو ما صدق عليه رأس النظام في مصر في أكثر من لقاء وتصريح، ففي لقائه مع الشباب، وكان حينها يخاطب الداخل المصري، أكد السيسي على أن دستور الثورة 2012، الذي انقلب عليه،  وضع صلاحيات واسعة للرئيس وعليه كان من اللازم إلغاؤه، مع ذلك لم يتعرض الرجل لمدة الرئاسة، وكأنه موافق عليها، وفي موقف آخر، مخاطبا حينها الغرب، قال إن مدة الرئاسة المنصوص عليها في الدستور كافيه ثم فصل، أن ثماني سنوات كافية لأي رئيس أن يتمم ولايته.

معنى ذلك أن رأس النظام في مصر لم يكن في لحظة من اللحظات مع التمديد لفترة الرئاسة، أو هكذا حاول أن يظهر، في واحدة من كذباته، ومع الوضع في الاعتبار أن الرجل يخشى أن يحاسب على مجازره التي ارتكبها، وعلى سياساته التي أضاع بها البلد، فاراد أن يحصن نفسه، لكنه في ذلك لم يتخذ مد فترة الرئاسة كدفاع وحيد للمحاسبة، فالناظر إلى المواد المراد تعديلها والمراكز القانونية التي يريد أن ينشئها يفهم خطوط دفاعه عن نفسه وعن نظامه.

المادة 226 من دستور الانقلاب، دستور 2014 تنص على ان (لرئيس الجمهورية، أو لخمس أعضاء مجلس النواب، طلب تعديل مادة، أو أكثر….. وفى جميع الأحوال، لا يجوز تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية، أو بمبادئ الحرية، أو المساواة، ما لم يكن التعديل متعلقاً بالمزيد من الضمانات)
فإذا نظرنا إلى المواد والقواعد المراد تعديلها وأهدافها سنفهم أن ترزية القوانين تعمل لصناعة إله جديد وتنصب له كهنة، فالتعديلات شملت: دعم تمثيل المرأة في البرلمان، ودعم تمثيل المزارعين والعمال والشباب والمغتربين والمعوقين في البرلمان، ودعم تمكين المسيحيين، وإصلاح النظام السياسي، وإمكانية تعيين نائب رئيس واحد أو أكثر، وصياغة آلية موحدة لتعيين رؤساء المؤسسات القضائية، والمدعي العام، ورئيس المحكمة الدستورية العليا، وإنشاء مجلس أعلى للشؤون القضائية المشتركة، ورسم مهمة القوات المسلحة بعد إعادة تعريف وتثبيت دور القوات المسلحة.

هذه المقترحات التي ستنشئ مراكز قانونية تشكل خريطة القوى السياسية في مصر، ترسم في الحقيقة شكل مستقبل مصر بالصورة التي يريدها النظام الانقلابي الحالي، فتلك المراكز القانونية الناشئة ستفجر النسيج الداخلي للمجتمع المصري وتجعل من المؤسسات السياسية والتشريعية والسيادية خادم لرأس النظام، ومن ثم تهمش شرائح واسعة من المجتمع وعلى رأسها الشريحة المؤمنة بالثورة والتغيير، بل وتضعهم دائما في مرمى تلك المؤسسات التي اكتسبت ميزات لم تكن تتحصل عليها في السابق، أو منعت منها وتعود إليها مجددا، لا لشيء، إلا لاستفادة منهم كخطوط دفاع عن النظام ورأسه.

خطورة التعديلات الدستورية ليست كما ترى غالبية المعارضة، التي ترى في السيسي أزمة مصر، بل في تلك الدوائر التي تصنع من أجل تشكيل مجتمع سياسي جديد أكثر تعقيدا من ذلك الذي استطاع الثوار أن يهدوه في يناير2011، فدوائر المصالح يجعل أصحاب المكتسبات يستميتون على الإبقاء عليها.

هذا الرجل الذي صنع مانعا مائيا جديدا ليفصل سيناء عن باقي الوطن، يستخدم الآن نفس التكتيك لفصل الوطن عن مكوناته، ويضع موانع أكثر تعقيدا أمام التغيير، لذا فتسريع الخطى هو الحل الوحيد أمام المعارضة المصرية، وأول ما يجب أن تقوم به المعارضة هو التوحد ونبذ الخلافات، للوقوف أمام تلك الموانع التي تصعب عملية التغيير المنشود.