أعباء الديون عام 2019

بقلم: إبراهيم نوار 

لحظة الحقيقة ، وأعباء سداد الديون وفوائدها تقترب مع استلام الدفعة الأخيرة من قرض صندوق النقد الدولي في صيف العام الحالي، يكتمل برنامج الاقتراض الخارجي الذي بدأ في نوفمبر عام 2016. حسابات الحكومة الان ليست في خانة كم نقترض، ولكن في خانة كم نسدد للدائنين. الحكومة لن تتوقف عن الاقتراض، لكنها ستقترض بشروط السوق. الحكومة أيضا لن تحصل على ودائع جديدة على الأرجح، لأن الدول المودعة مثل السعودية والإمارات والكويت وسلطنة عمان، أحوج إلى ودائعها، بعد أن أعلنت معظمها أنها في سبيل الاقتراض من الخارج لتمويل مشروعاتها.

اكتمال برنامج الاقتراض من الخارج، يعني، وهو الأهم، أن الموازنة العامة للدولة ستتحمل خلال السنوات المقبلة عبئا كبيرا لسداد أقساط وفوائد الديون المستحقة. وطبقا لتقديرات وزارة المالية، فإن المستحقات الواجبة السداد في السنة المالية الحالية عن الديون الخارجية فقط تتجاوز 10 مليارات دولار، أو ما يعادل تقريبا كل قيمة الصادرات البترولية خلال السنة المالية. وطبقا لتلك التقديرات، فإن قيمة الفوائد المستحقة على الدين الخارجي (بدون الأقساط) ، مقومة بالعملة المحلية (متوسط سعر صرف يبلغ 17.62 جنيه للدولار)، سترتفع إلى 185 مليار جنيه مصري، أي ما يعادل حوالي 3.4 أمثال ما كانت عليه في السنة المالية 16/17.

فإذا أضفنا مدفوعات سداد الأقساط المستحقة، سنجد أن أعباء مدفوعات الفوائد وأقساط الديون ستلتهم ما يقرب من أربعة أخماس الإيرادات المقدرة في الموازنة. وهذا يعني أن الإدارة المالية مقيدة مشلولة، لا تملك حرية التصرف إلا في ربع الإيرادات المستهدفة. هذا ما أوصلنا إليه برنامج الإصلاح الاقتصادي المزعوم. إزاء تعقيدات الوضع المالي، لجأت الحكومة إلى استكشاف كل شق من شقوق الجباية. ومن المثير للدهشة انها نقلت عبء تمويل برامج تزعم أنها (إصلاحية) إلى المواطنين، مثل برنامج التأمين الصحي. لكن الجباية لن تكفى. وليس أمام الحكومة إلا المزيد من الاقتراض، مع ممارسة ألاعيب محاسبية للحد من تدهور الميزانية، مثل رفع سعر الجنيه، وتخفيض أسعار الفائدة. على سبيل المثال، فإن تخفيض أسعار الفائدة بنسبة 2% يمكن أن يقلل مدفوعات الفوائد على الدين العام المحلي بمقدار يصل إلى 10 مليارات جنيه. الظروف المالية العالمية تهيئ في الوقت الحاضر، وربما حتى الصيف، فرصة نادرة أمام البنك المركزي لتخفيض أسعار الفائدة، لكن ذلك يجب أن يتم بحرص شديد وبدون مبالغة وبالتدريج.

من الظروف العالمية الإيجابية أيضا تراجع أسعار النفط، وإن كانت سوق النفط ستظل تعاني من حالة من التذبذب الشديد خلال العام الحالي. هذا التذبذب قد لا يكون مفيدا، خصوصا لبلد يعاني من عجز في ميزان الطاقة. ففي الربع الأول من السنة المالية الحالية سجل ميزان الطاقة عجزا صافيا بقيمة 700 مليون دولار، على الرغم من انخفاض الواردات من الغاز.

الحكومة المشغولة من قدميها إلى شعر رأسها ب (تستيف) جداولها المالية، فشلت حتى في تحقيق ذلك. خطيئة الحكومة الأولى هي إنها غافلة او هي تتغافل حقيقة أن المنبع الحقيقي للتوازن المالي هو الإنتاج العيني، هو زيادة عرض السلع والخدمات ، هو زيادة فرص العمل الملائمة والمستدامة، هو تصدير سلع عالية القيمة المضافة وليس خامات ومواد أولية، هو زيادة القدرة على المنافسة التكنولوجية. الحكومة لا تعرف على ما يبدو حتى الآن أن مفتاح تحقيق التوازن والتنمية  المعرفة .

Comments are closed.