الإعلام الدولي: ثمان سنوات بعد ثورة يناير

قراءة في رؤية الإعلام الدولي تجاه الثورة وتحولاتها

المعهد المصري للدراسات

كتب: عادل رفيق 

في الذكرى الثامنة على اندلاع ثورة يناير 2011 في مصر، يبقى السؤال: ما هو المآل الذي صار إليه شعار الثورة المصرية الذي رددته حناجر الملايين في الخامس والعشرين من يناير 2011:

عيش – حرية – عدالة اجتماعية

وذلك بعد مرور ثمان سنوات على الثورة؟ وقد يقدم هذا العرض بعض الإشارات الهامة في هذا الصدد كمحاولة أولية للإجابة على هذا السؤال من خلال قراءة مفردات الشعار الأبرز لثورة يناير (2011) عبر أهم التقارير التي نشرتها الصحافة العالمية عن الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية للدولة المصرية عام 2011 وما آلت إليه تلك الأوضاع في مصر بعد مرور ثمان سنوات على اندلاع الثورة:

 

1 2 3
عدالة اجتماعية حرية عيش
المحور السياسي المحور السياسي المحور الاقتصادي
الوضع الاجتماعي الحالي في مصر (2019) مقارنة بالوضع الاجتماعي في مصر قبيل ثورة يناير 2011 الواقع السياسي الحالي في مصر (2019) مقارنة بالوضع السياسي في مصر قبيل ثورة يناير 2011 الوضع الاقتصادي الحالي في مصر (2019) مقارنة بالوضع الاقتصادي لمصر قبيل ثورة يناير 2011
أولاً: الوضع الاجتماعي في مصر قبيل ثورة يناير 2011

 

أولاً: الواقع السياسي في مصر قبيل ثورة يناير 2011

 

أولا الوضع الاقتصادي في مصر فبيل 25 يناير

1- المحور الاقتصادي

أولاً: الوضع الاقتصادي في مصر قبيل ثورة يناير 2011

نشرت بوليتيكو، وهي مؤسسة صحفية أمريكية مقرها في مقاطعة أرلينجتون، فيرجينيا، بتاريخ 18 فبراير 2011 تقريراً بعنوان: “الاقتصاد المصري وسقوط مبارك” من إعداد جوناثان ماسي وإيان آيريس، والذي جاء فيه:

إن أحد الأسباب المهمة التي حفزت المتظاهرين في مصر للخروج إلى الشوارع هي نفسها المسألة التي تهيمن على الانتخابات في الولايات المتحدة والديمقراطيات الأخرى: ألا وهي المخاوف بشأن الاقتصاد.

ركز العديد من مراقبي الاضطرابات في الشرق الأوسط على الأداء السيئ للاقتصاد المصري. لكن القصة الحقيقية تبدو أكثر تعقيدًا بكثير: وعلى وجه التأكيد، فإن مظاهر الفشل التي سادت الاقتصاد المصري آنذاك كانت شديدة الوضوح. حيث كان نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي 6200 دولار في العام. مما يعني أن واحد من كل خمسة أشخاص كانوا يعيشون تحت خط الفقر.

لكن هذه أخبار قديمة. القصة الحقيقية هي أنه خلال السنوات الخمس الماضية (قبل 2011)، كانت التنمية الاقتصادية في مصر تسير بخطى سريعة – حيث بلغ متوسط ​​نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي أكثر من 6 في المائة. فلماذا هذه الطفرة المفاجئة التي حدثت في مصر آنذاك؟ سبب واحد كبير هو استعداد نظام مبارك لتنفيذ إصلاحات هادفة في مجال تنظيم المشاريع. فسهلت مصر، لأول مرة في تاريخها الطويل، كثيراً الإجراءات المطلوبة من أجل بدء نشاط تجاري جديد.

في عام 2005، كان يُطلب من الشركات في مصر أن تضع ما يزيد عن 11000 دولار في رأس المال المدفوع قبل أن يتم بدء نشاطها، بينما في الولايات المتحدة – كما هو الحال في معظم البلدان ذات النمو المرتفع – لا يوجد أي شرط لتحصيل أي رأس مال مدفوع لبدء نشاط تجاري. وفي الولايات المتحدة ومعظم دول الغرب، يستغرق بدء نشاط تجاري جديد أقل من أسبوع. لكن في مصر، كان الأمر يستغرق 43 يوماً لبدء مشروع تجاري في عام 1995، وفقاً لتقديرات البنك الدولي.

وقد تراجعت هذه الشروط إلى حدها الأدنى في عام 2010، فانخفض الحد الأدنى لرأس المال المدفوع في مصر إلى نحو 250 دولاراً، وبلغ الوقت الذي يلزم لتأسيس مشروع تجاري سبعة أيام فقط، وكان لذلك أثره على النمو الاقتصادي في البلاد.

وفي عام 2004، في أعقاب الانتخابات الرئاسية المثيرة للجدل في مصر، قام مبارك بتشكيل فريق اقتصادي جديد على مستوى مجلس الوزراء. وخفضت القاهرة الرسوم الجمركية والضرائب، وحسنت درجة الشفافية في ميزانية الدولة، واستأنفت عمليات الخصخصة المتعثرة للمؤسسات العامة، وأقرت تشريعات اقتصادية تهدف إلى الحد من العوائق البيروقراطية أمام الأعمال التجارية، وتعزيز النمو الاقتصادي المدفوع من القطاع الخاص. فقد شهد الاقتصاد المصري نموا مطردا في الناتج المحلي الإجمالي بلغ 7 في المائة بين عامي 2005 و 2008 – قبل الأزمة الاقتصادية العالمية، مما أبطأ المعدل مؤقتا إلى 5 في المائة. وفي ظل هذا الوضع الاقتصادي العام كان واقع المصريين وخصوصاً محدودي الدخل صعباً، واتسعت الهوة بين الطبقات الاجتماعية بين الثراء الفاحش والفقر المدقع. فماذا يا ترى حفز المصريين للثورة في هذه الظروف؟

ونشرت صحيفة سياتل تايمز الأمريكية بتاريخ 28 يناير 2011 تقريراً بعنوان: “عهد مبارك في مصر اتصف بالفقر والفساد واليأس” من إعداد: مايكل سلاكمان، وجاء فيه: ربما ألهمت الأحداث في تونس أكبر احتجاجات الشوارع على الإطلاق لتحدي الرئيس المصري حسني مبارك منذ قرابة 30 عامًا في السلطة، لكن الغضب الذي كان يغذي هذه الاحتجاجات لم يكن جديداً. لقد ظل هذا الغليان تحت السطح لسنوات عديدة، ولكن لم يحدث من قبل أن ظهرت آثاره إلى العلن مثلما حدث في هذا الغضب المستمر على نطاق واسع في البلاد.

فقد كانت المظالم اقتصادية واجتماعية وتاريخية وشخصية إلى حد كبير. وكثيراً ما يتحدث المصريون، مثل التونسيين، عن كرامتهم، التي قال الكثيرون إنها تضررت بسبب احتكار مبارك للسلطة، ونهجه القاسي في قضايا الأمن واستشراء الفساد. حتى أن بعض مؤيدي الحكومة والداخلية سارعوا إلى الاعتراف بأن المتظاهرين لديهم شكاوى مشروعة. وقال عبد المنعم سعيد، عضو الحزب الوطني الديمقراطي مبارك ورئيس مجلس إدارة دار الأهرام للنشر: “جزء من مطالبهم هي مطالب مشروعة”.

وطالب المتظاهرون بتنحي مبارك، وبحل البرلمان ، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة، ووقف الفساد، وهي مطالب ترجع إلى سنوات من الإحباط المكبوت، حسبما قال المصريون. وقالت غادة شابندر وهي ناشطة معنية بحقوق الإنسان منذ فترة طويلة: “المصريون سئموا وتعبوا من الفساد، وعندما تعيشون على 300 جنيها في الشهر [حوالي 51 دولارا]، يكون أمامكم خياران، إما أن تصبح شحاذا أو لصا”. وقد أرسل المصريون رسالة مفادها: “لسنا متسولين، ولا نريد أن نصبح لصوصاً”.

كل هذا الغضب تركز على مبارك ، الذي كان في السلطة منذ أكتوبر 1981 ، وبدا أنه كان يهيئ ابنه، جمال، رجل أعمال وزعيم سياسي، لوراثة السلطة. إن سلسلة من الشكاوى ضد مبارك معروفة لدى أي شخص قضى بعض الوقت في مصر. فالشرطة وحشية، والانتخابات مزورة، والفساد منتشر. أصبحت الحياة أكثر صعوبة بالنسبة لمعظم الشعب، حيث كان الأغنياء يزدادون غنى والفقراء يزدادون فقراً. وبينما كان اقتصاد مصر يتمتع بنمو قياسي في السنوات الأخيرة، ازداد عدد الأشخاص الذين يعيشون في الفقر.

ثانياً: الوضع الاقتصادي الحالي في مصر

*حسب مؤشر هانك للبؤس جاءت مصر في المرتبة الخامسة للدول الأكثر بؤسا من الناحية الاقتصادية (2018).احتلت مصر المركز الخامس بين الدول الأكثر بؤساً في العالم حسب مؤشر هانك للبؤس. ومؤشر هانك الأمريكي للبؤس (Misery Index) هو مؤشر اقتصادي سنوي أنشأه آرثر أوكون، الخبير الاقتصادي السابق في مؤسسة بروكينجز وعضو في مجلس المستشارين الاقتصاديين للرئيس الأمريكي الأسبق ليندون ب. جونسون. ويتم حساب مؤشر البؤس ببساطة عن طريق إضافة معدل البطالة إلى معدل التضخم. واحتلت فينزويلا المرتبة الأولى للدول الأكثر بؤساً وتلتها سوريا والبرازيل والأرجنتين وجاءت مصر بعد البرازيل حسب مؤشر البؤس، وصُنفت الدول الخمس على أنها الأثر بؤساً على مستوى العالم من حيث زيادة التضخم وارتفاع نسبة البطالة.

وجاءت الصين في المركز الأول بين الدول الأسعد (الأقل بؤساً) من حيث النمو الاقتصادي وتدني نسبة البطالة. وعلى الرغم من تحسن الأداء الاقتصادي بالنسبة للولايات المتحدة عن العام الماضي (حيث انتقل من 9.4 إلى 8.2) إلا أنها تأتي في المرتبة الثلاثين بين الدول الأسعد والأقل بؤساً من حيث النمو الاقتصادي، وسبقتها تسع وعشرون دولة بينها اليابان وسنغافورة وقطر وألمانيا والسويد وسنغافورة وماليزيا وكندا. واحتلت مصر المرتبة الخامسة في بين الدول الأكثر بؤساً حيث ارتفع مؤشر البؤس وهو علامة سيئة. وقد تدهورت الحالة الاقتصادية في مصر عن العام الماضي (2016) من حيث الارتفاع الكبير في نسبة البطالة ومعدل التضخم. وتعزي مجلة فوربز الأمريكية حالة البؤس الاقتصادي التي وصلت إليها البلاد تحت الحكم العسكري الذي يقوده عبدالفتاح السيسي – والذي يهيمن فيه الجيش على نصيب الأسد من اقتصاد البلاد – إلى الارتفاع الهائل في الأسعار بعد تعويم الجنيه المصري وتدني قيمته أمام الدولار الأمريكي، وانخفاض معدل النمو الاقتصادي في البلاد.

*ونشر المعهد الألماني للشئون الدولية والأمنية في يوليو 2018 دراسة هامة تقدم تقييماً موضوعياً عن مسار التنمية في مصر بعيداً عن الدعاية الكاذبة وبيع الأوهام. هذه الدراسة التي أعدها د. ستيفان رول* جاءت بعنوان: “هل التنمية في مصر محض سراب؟”.

وتخلص الدراسة إلى أنه لا سبيل إلى إحراز أي تقدم في التنمية الاقتصادية بمصر دون إجراء إصلاحات هيكلية للاقتصاد المصري وتحسين الوضع الحقوقي في البلاد وتؤكد الدراسة في توصياتها أنه على ألمانيا أن تستخدم نفوذها للدفع في اتجاه التوصل إلى حل سياسي في مصر، والذي سيكون له آثاره الإيجابية على الاقتصاد في سبيل تحقيق تنمية شاملة ومستدامة تعود بالنفع على عموم الشعب المصري. وجاء أيضاً في الدراسة:

مع غياب أي إصلاحات هيكلية للاقتصاد المصري وفي ظل انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان في البلاد – فليس من الممكن أبداً أن يتعافى الاقتصاد على الرغم من الدعم الهائل الذي يتلقاه من صندوق النقد الدولي

في نوفمبر 2016، اتفقت مصر على برنامج مساعدات شامل مع صندوق النقد الدولي. وكان الهدف المعلن من هذا الاتفاق هو الوصول بالاقتصاد الكلي في البلاد إلى حالة من الاستقرار في غضون ثلاث سنوات، ووضعها في مسار النمو الاقتصادي الشامل. وبعد الوصول إلى منتصف الطريق، نجد أنه لم يتم تنفيذ أي إصلاحات هيكلية تُذكر على الرغم من تحقق حالة من الاستقرار الاقتصادي قصير الأمد بعد تنفيذ الإجراءات والشروط التي وضعها صندوق النقد الدولي. وبدلاً من ذلك، فقد حال الجيش، صاحب النفوذ المتزايد في البلاد، دون الوصول إلى اقتصاد سوق فعال. أضف إلى ذلك سجل حقوق الإنسان الكارثي للحكومة المصرية في ظل حكم عبد الفتاح السيسي (الجنرال الذي تحول إلى رئيس)، والذي كان له أيضاً تأثير سلبي على التنمية الاقتصادية في مصر. وقد لعبت ألمانيا دوراً رئيسياً في اتفاق الحكومة المصرية مع صندوق النقد الدولي. لذا ينبغي على الحكومة الألمانية أن تعمل على ضمان قيام صندوق النقد الدولي بإعداد تقييم نقدي للإصلاحات التي جرت حتى الآن. كما ينبغي عليها أن تربط استعدادها لدعم حزم المساعدات المستقبلية بتحسين حالة حقوق الإنسان وتعزيز دور المجتمع المدني.

وكانت مصر قد اضطرت في يوليو 2016 إلى طلب المساعدة من صندوق النقد الدولي. وفي الأشهر التالية، تفاوضت الحكومة المصرية على برنامج للإصلاح الاقتصادي مدته ثلاث سنوات. وتُظهر التدابير المنفردة التي أعلن عنها في البرنامج مدى خطورة الوضع الذي كانت فيه الحكومة المصرية في صيف عام 2016. اعتاد المصريون في الماضي على رفض توصيات المانحين الدوليين بإجراء تخفيض شامل للدعم (الذي تقدمه الحكومة على الخدمات الأساسية وخاصة الوقود والخبز والكهرباء والماء)، وزيادة الضرائب، وتحرير سعر الصرف. لكن الوضع كان مختلفاً هذه المرة، ولم يكن للقيادة السياسية، وعلى رأسها السيسي، في ظل الوضع شديد التردي للاقتصاد المصري، أي خيار سوى الموافقة على الالتزامات المطلوب منها الوفاء بها في المقابل. وقد قُدرت قيمة القروض الذي ينبغي أن تقوم الحكومة بتأمينها من أجل تنفيذ برنامج صندوق النقد الدولي بمبلغ 35 مليار دولار أمريكي. وقد وافق صندوق النقد على تقديم 12 مليار دولار من تلك القروض في إطار تسهيلات تمويلية موسعة. ومن أجل الحصول على بقية المبلغ المطلوب (23 مليون دولار)، كانت مصر بحاجة إلى اللجوء إلى التفاوض مع المؤسسات المالية الأخرى والبلدان المانحة الرئيسية في العالم، ولا سيما ألمانيا. وقد ارتبط الصرف التدريجي لقرض صندوق النقد الدولي على ست دفعات – ارتبط بإجراء الصندوق لتقييم نصف سنوي عن مدى التقدم الإيجابي الذي تحرزه الحكومة في برنامج الإصلاح الاقتصادي.

تنفيذ شروط الصندوق

في تقاريره المؤقتة حتى الآن، قدم صندوق النقد الدولي صورة إيجابية للغاية عن كيفية تنفيذ الإصلاحات المعلنة. وفي حقيقة الأمر، قامت القاهرة بالفعل بتطبيق السياسات النقدية والمالية المتفق عليها والتي ساعدت على تحقيق بعض الاستقرار الاقتصادي (المؤقت) في البلاد. فعلى سبيل المثال، أسهم خفض قيمة الجنيه المصري، كجزء من تحرير سعر الصرف، في نوفمبر 2016 – أسهم بشكل كبير في خفض عجز الحساب الجاري إلى 0.8%من الناتج المحلي الإجمالي وذلك في الربع الأخير من عام 2017 (مقابل 1.8% من الناتج المحلي الإجمالي على نفس المستوى ﺧﻼل اﻟﺴﻨﺔ اﻟﺴﺎﺑﻘﺔ) وزﻳﺎدة ﺗﻮاﻓﺮ اﻟﻌﻤﻼت اﻷﺟﻨﺒﻴﺔ. وبالإضافة إلى ذلك، ارتفع احتياطي النقد الأجنبي للبنك المركزي بشكل كبير (من 17.55 مليار دولار أمريكي في يوليو 2016 إلى 44.26 مليار دولار أمريكي في يونيو 2018). وقد تم خفض العجز في الميزانية بشكل أكبر من خلال خفض دعم الطاقة بأكثر من 40 % في بعض الحالات وإدخال ضريبة المبيعات بنسبة 14 %. ولأول مرة منذ سنوات، قد يصل عجز الميزانية إلى أقل من عشرة بالمائة فقط من إجمالي الناتج المحلي في السنة المالية الحالية [حيث كان عجز الميزانية يُقدر بـ 12.5% من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية 2015/2016]. وهذا من شأنه أن يؤدي أيضاً إلى تحقيق فائض صغير في الميزانية (باستثناء تكاليف خدمة الدين).

ونتيجة لاستقرار الاقتصاد الكلي (المؤقت)، يمكن لمصر الآن تدبير التمويل الذي تحتاجه من خلال سوق رأس المال الدولي مرة أخرى. والأكثر من ذلك، أن هذا الوضع من شأنه أن يمهد الطريق لمزيد من الصادرات، وإعادة السياحة لسابق عهدها، وتحقيق نشاط استثماري أقوى – وإن كان الحقيقة يعتمد في معظمه على الدولة. ونتيجة لذلك، فمن المتوقع أن يزداد النمو الاقتصادي بأكثر من نقطة مئوية واحدة إلى نسبة قد تصل إلى 5.2٪ (ميزانية العام 2017/2018).

لكن هناك أيضاً جوانب سلبية لسياسات الإصلاح المتبعة حالياً:

فقد استمر عبء الديون في مصر في الارتفاع منذ بدء البرنامج حتى الآن؛ ومن المتوقع أن يصل إلى أكثر من 100% من الناتج المحلي الإجمالي مع نهاية عام 2017.ووفقاً لأرقام البنك المركزي المصري، فقد كان من المفترض إنفاق أكثر من 40% من إيرادات الحكومة على خدمة الدين في النصف الأول من عام 2017/2018، مما يضيق بشدة نطاق للاستثمار، على سبيل المثال. وبالإضافة إلى ذلك، فقد تدهور الوضع المعيشي لمعظم المصريين بشكل دراماتيكي في سياق تلك الإصلاحات. وأدى خفض الدعم وارتفاع الأسعار بعد تحرير سعر الصرف إلى زيادة كبيرة في التضخم إلى أكثر من 30 في المائة في بعض الأحيان. ونظراً للأسعار المرتفعة، فإن أكثر من 35 في المائة من المصريين أصبحوا يعيشون تحت خط الفقر (45 دولاراً أمريكياً في الشهر). وبالتالي، لا يمكننا الحديث عن النمو الشامل للاقتصاد المصري حتى الآن. وفي ردها على هذا التطور المقلق، تشير الحكومة المصرية إلى انخفاض معدل البطالة من 12.5% (عام 2016) إلى 10.6% (خلال الربع الأول من عام 2018). ومع ذلك، فهناك شكوك كبيرة حول ما إذا كانت مثل هذه الأرقام ذات معنى في هذا السياق. ومن المدهش أنه وفقاً للأرقام التي تعلنها الحكومة بشكل رسمي، فإن نسبة من لديهم وظائف إلى إجمالي عدد السكان تقل عن الثلث – وهي قيمة منخفضة للغاية وفقًا للمعايير الدولية، مما يشير إلى ارتفاع كبير متوقع في نسبة البطالة.

إصلاح هيكلي غير كافي

وتُعتبر الظروف المعيشية المتردية التي تسببها الإصلاحات المتبعة هي الأكثر خطورة حيث أنه ليس من الواضح بأي شكل من الأشكال أن هذه المصاعب الاقتصادية ستنتهي خلال فترة قصيرة، وأنه على المدى الطويل سيستفيد المصريون من هذا المسار الاقتصادي الذي تسلكه الحكومة.

ولكي يكون تعافي الاقتصاد (المؤقت) الحالي أكثر من مجرد زوبعة في فنجان، ﻓﻼ ﺑد ﻣن إﺟراء إﺻﻼﺣﺎت ھﯾﮐﻟﯾﺔ ﺷﺎﻣﻟﺔ.. تلك التي أشار إليها البرنامج نفسه بأنها إجراءات “حاسمة” من أجل تحقيق النجاح. ومع ذلك، فإنه يبدو أن الإصلاحات الهيكلية التي اتفقت عليها الحكومة المصرية مع صندوق النقد الدولي هي في الحقيقة اعتباطية إلى حد كبير. إن تدابير مثل تبسيط إجراءات الترخيص الصناعي، أو صياغة تشريع جديد للإفلاس، أو تحسين عناصر الأمان في النقل العام ، هي بالتأكيد قضايا مهمة، لكنه طالما بقي الإطار المؤسسي والتنظيمي للاقتصاد المصري بعيداً عن أي إجراءات جذرية للإصلاح، فمن غير الممكن أن يكون لأي إجراءات من هذا القبيل أي تأثير. ومن جوانب القصور على سبيل المثال الغياب التام للشفافية فيما تخطط له الحكومة وتنفذه من مشاريع البنية التحتية المثيرة للجدل، مثل إنشاء عاصمة جديدة أو بناء أول محطة للطاقة النووية في البلاد؛ ولم يرد ذكر ذلك في اتفاق صندوق النقد الدولي، ولا حتى الفساد المستشري أو الأجهزة المختلة المنوط بها مراقبة السوق. كما لم يرد أيضاً ذكر تمدد الجيش داخل الاقتصاد. وﻣﻦ اﻟﻮاﺿﺢ أن هذه الظاهرة، ﺑﺼﻔﺔ ﺧﺎﺻﺔ، أﺻﺒﺤﺖ أكثر بروزاً منذ عام 2013، حيث يعوق الجيش أيضاً أي جهود لتطوير اقتصاد سوق فعال. ويشارك العسكريون في العديد من القطاعات المدنية مثل البناء والإنتاج الغذائي والطاقة. فهي ولا يستفيد الجيش ﻓﻘﻂ ﻣﻦ اﻟﻤﻌﺎﻣﻠﺔ اﻟتفضيلية ﻓﻲ نطاق التوريدات العامة، ولكنه يستفيد أيضاً ﻣﻦ الإعفاء من دفع الضرائب، ومن اليد اﻟﻌﺎﻣﻠﺔ اﻟﺮﺧﻴﺼﺔ (المجانية تقريباً حيث يقوم بتشغيل المجندين)، وهذا ما يضع المستثمرين من القطاع الخاص في وضع غير عادل إلى حد كبير، وهذا ما أبرزته أيضاً الاستطلاعات الإحصائية، مثل مؤشر مديري المشتريات لمجموعة (Emirates NBD) المصرفية. وفقاً لهذا المؤشر، فإن النشاط الاقتصادي في القطاع الخاص (باستثناء قطاع الطاقة) قد تراجع كثيراً منذ بداية الإصلاحات (الإجراءات المرتبطة بصندوق النقد الدولي).

الدولة البوليسية تعوق النمو الاقتصادي

من المهم عدم تجاهل ما ترتكبه الدولة البوليسية في عهد السيسي من قمع مفرط، عند تقييم الإصلاحات الاقتصادية الحالية في مصر لأن هذا بدوره سيمثل عائقاً لأي تنمية اقتصادية مستدامة. فلا يمكن لمصر أن تتمكن من تفعيل إمكاناتها بشكل كامل كوجهة سياحية أو موقع استثماري جاذب إلا إذا حققت استقراراً سياسياً مستداماً. والجدير بالذكر أن الارتفاع الحالي في معدلات السياحة لم يتحقق إلا بسبب انخفاض التكلفة بسبب الوضع الأمني ​​المتوتر في البلاد. وانخفض الاستثمار الأجنبي المباشر في الربع الأخير من عام 2017 دون بوادر لأي تحسن في وقت قريب. ويؤدي الاستخدام الممنهج للعنف المفرط من قبل الشرطة ضد قطاعات من المصريين إلى تزايد حدة الاستقطاب داخل المجتمع. وتقوم قوات الأمن كذلك على نحو متكرر بتنفيذ عمليات للاختفاء القسري. وقد وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش تقارير عن الاستخدام الممنهج للتعذيب في مصر. ويقدر عدد السجناء السياسيين بأكثر من 60 ألف مواطن يعيشون في مراكز اعتقال مزدحمة تعتبر تربة خصبة لإذكاء التطرف الإسلامي.

ولا يقتصر قمع الدولة على المعارضين السياسيين فحسب، بل يطال كذلك المنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني بشكل عام. ويكاد لا يكون هناك أي من نشطاء حقوق الإنسان الذين لم يشملهم الاعتقال أو توجه إليهم الاتهامات على أقل تقدير. وبالإضافة إلى ذلك، هناك قيود شاملة على حرية الصحافة. ولا يمكن للصحفيين القيام بعملهم بحرية، ويتم حظر القنوات التلفزيونية ووسائل الإعلام المختلفة التي تعمل عبر الإنترنت. وفي عام 2017، احتلت مصر المرتبة 161 في مؤشر حرية الصحافة العالمية من أصل 180 دولة شملهم المؤشر الذي تقوم عليه منظمة مراسلون بلا حدود. ونتيجة لذلك، يقوم النظام بقمع كل الناشطين الذين يدعون إلى مكافحة الفساد وشفافية الدولة وتأسيس إجراءات بالاستناد إلى حكم القانون.

الآثار المترتبة على سياسة ألمانيا بشأن مصر

لعبت ألمانيا دوراً رئيسياً في إبرام اتفاق صندوق النقد الدولي مع مصر. لم يكن الثقل الذي مَثّله تصويت ألمانيا لصالح مصر في مجلس إدارة صندوق النقد الدولي وحده الذي دعم موقف مصر التي اعتمدت بشكل رئيسي على مساعدة ألمانيا لها في تنظيم التمويل الإضافي اللازم لقرض صندوق النقد الدولي. في السابق، كانت ألمانيا أكبر دائن بشكل منفرد لمصر داخل نادي باريس بقروض بلغت قيمتها 4.6 مليار دولار أمريكي في عام 2016. وفي عام 2017، بلغ إجمالي القروض والضمانات الحكومية 6.5 مليار دولار أمريكي. وبالتالي جاءت ألمانيا في المرتبة الثانية كأكبر دولة دائنة لمصر بعد المملكة العربية السعودية (حوالي 8 مليارات دولار أمريكي في ودائع البنك المركزي). ومع ذلك، فإن تقديم ألمانيا المزيد من القروض لمصر (250 مليونًا دولار أمريكي في عام 2016 ونفس المبلغ في عام 2017) يُعد إشارة مهمة للغاية للدول المانحة الأخرى، بما في ذلك الدول الأوروبية مثل فرنسا والمملكة المتحدة. وعلى خلفية أزمة اللاجئين، رأت الحكومة الألمانية دعم برنامج الإصلاح في مصر بشكل مبدئي لتشجيع مصر على إغلاق حدودها البحرية في البحر المتوسط في وجه الهجرة غير النظامية؛ بينما قام صندوق النقد الدولي وحده بالتفاوض على البرنامج ومراجعته بالكامل.

وﺗﻈﻬﺮ ﻧﺘﺎﺋﺞ اﻟﺒﺮﻧﺎﻣﺞ ﺣﺘﻰ اﻵن أن هذا اﻟﻨﻬﺞ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻓﻌّﺎﻻً ﺟﺪاً ﻓﻲ ﺗﻌﺰﻳﺰ اﻟﺘﻨﻤﻴﺔ اﻻﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ اﻟﻤﺴﺘداﻣﺔ. ومع ذلك، فإن هذه التنمية الاقتصادية ضرورية من وجهة نظر ألمانية وأوروبية. فإذا انهارت الدولة المتوسطية الأكثر كثافة سكانية حيث يبلغ عدد سكانها حوالي 100 مليون نسمة، فسيكون لذلك عواقب لا يمكن التنبؤ بها بالنسبة لأوروبا من حيث تصاعد ضغوط الهجرة غير الشرعية والتهديدات الإرهابية المتزايدة. وفي هذا السياق، فإنه بالنظر إلى السياسة الألمانية تجاه هذا الموقف شديد الخطورة يمكننا التوصل إلى استنتاجين اثنين:

أولاً، ينبغي على الحكومة الألمانية إجراء تقييمها الخاص للإصلاحات الاقتصادية وأن تحث صندوق النقد الدولي بقوة على تحديد المشكلات شديدة الوضوح لمسار الإصلاح الاقتصادي، مثل تمدد الجيش داخل الاقتصاد المصري. أما بالنسبة لصندوق النقد الدولي، فمجرد عدم ذكره للعوائق الرئيسية للإصلاح في تقاريره هو دليل كاف على سوء فهم خطير للتطورات في مصر. وهذا يرسم صورة معيبة عن البلاد، كما حدث في كثير من الأحيان في التحليلات التي أجرتها المؤسسات المالية الدولية قبل عام 2011 – بما في ذلك صندوق النقد الدولي. إن تحديد عوائق الإصلاح أمر أكثر إلحاحاً الآن حيث يمكن استخدام الدفعتين المستحقتين للدفع من قروض الصندوق كوسيلة للمطالبة بتحقيق تقدم ملموس من الحكومة المصرية، على الأقل في بعض المجالات.

ثانياً، يجب على ألمانيا، مع شركائها الأوروبيين، إن أمكن، مناقشة كيفية الاستجابة للحكومة المصرية في حالة طلباتها المستقبلية للحصول على المساعدة والدعم. وبالنظر إلى عبء الديون المأساوية الذي تتحمله الحكومة المصرية وعدم وضع مسار لتحقيق نمو اقتصادي أكبر ومستدام، فمن غير المحتمل أن تتمكن البلاد من تجاوز الأزمة الاقتصادية دون تلقي المزيد من المساعدات الخارجية بمجرد انتهاء برنامج الإصلاح الحالي المدعوم من صندوق النقد الدولي. ومع ذلك ، فإن الدعم المتوقع تجديده بعد عام 2019 سيكون له معنى فقط إذا كان ذا جدوى للشعب المصري. وهذا يتطلب وضع الشروط التي يجب أن تكون مؤثرة وفعالة، ليس فقط من أجل تحقيق إصلاح هيكلي بشكل أكبر مما كان عليه الحال حتى الآن، ولكن أيضا تؤدي إلى تحسين حالة حقوق الإنسان وتعزيز المجتمع المدني. لا يبدو أن حث المؤسسات المانحة الدولية على إدراج الشروط المناسبة في برامجها فعال بشكل جيد. ولا يعتبر صندوق النقد الدولي، على وجه الخصوص، أن إنفاذ حقوق الإنسان ومراعاتها جزء من ولايته. ومع ذلك، فإن ألمانيا، بصفتها الدائن الأكثر أهمية بين دول نادي باريس، سيكون لها تأثير كبير على مثل هذه البرامج التي يتم الاتفاق عليها.

وتستطيع الحكومة الألمانية ، بالتالي، ربط موافقتها على المساعدات بشروط إضافية. ويجب أن يُستخدم هذا النفوذ لتعزيز إنتاج حل سياسي من شأنه التمكين لتنمية اقتصادية تكون في صالح عموم الشعب المصري. الدكتور ستيفان رول هو نائب رئيس قسم الشرق الأوسط وأفريقيا في المعهد الألماني للشئون الدولية والأمنية.

ونشر موقع ميدل إيست آي في 25 نوفمبر 2018 مقالاً كتبه توم ستيفنسون، وهو مراسل مستقل يقيم في القاهرة، بعنوان: “بينما يعاني المصريون من التقشف، ينثر السيسي المال على الجيش”. وجاء فيه: بينما يستعد عبدالفتاح السيسي لإقامة أول معرض للأسلحة في مصر، يقول المحللون إن الشعب المصري لا يستفيد من إنفاق السيسي ببذخ على الجيش.

ففي أوائل ديسمبر المقبل، من المتوقع أن تهرع شركات الأسلحة العالمية إلى القاهرة. حيث سيجتمع ممثلو مئات من شركات الدفاع الدولية على مدى ثلاثة أيام مع جنرالات مصر لينقلوا أحدث ما صنعوا إلى أحد أكبر مشتري الأسلحة في العالم.

وسيقام أول معرض للأسلحة في مصر (EDEX 2018) في الفترة من 3 إلى 5 ديسمبر في مركز المعارض الدولي الجديد في البلاد، وهو امتداد من الكتل الخرسانية في الصحراء فيما يُسمى العاصمة الإدارية الجديدة للبلاد، والتي تقوم الحكومة المصرية ببنائها في ضواحي القاهرة بتكلفة تقدر بـ 300 مليار دولار.

ويجمع الحدث بين اتجاهين لسياسة عبد الفتاح السيسي في إدارة البلاد: إنشاء الدولة مشاريع إنشائية واسعة النطاق، والإنفاق ببذخ على الجيش.

ففي السنوات الخمس التي أعقبت الانقلاب العسكري الذي أوصل حكومة السيسي إلى السلطة في عام 2013، ارتفع الإنفاق العسكري بنسبة 215 بالمائة مقارنة بالسنوات الخمس السابقة على الانقلاب. فقد اشترت البلاد أسلحة تُقدر بـ 6.6 مليار دولار، مما جعل مصر تصبح ثالث أكبر مستورد للأسلحة في العالم بعد الهند والمملكة العربية السعودية. وفي الوقت نفسه، شرعت الحكومة المصرية في إقامة مشاريع إنشائية كبرى يصفها كثير من منتقديها بأنها مشاريع هلامية غير مدروسة. وبالإضافة إلى المدينة الإدارية الجديدة، فقد قامت الحكومة بعمل تفريعة جديدة لقناة السويس بقيمة 8 مليار دولار.

وتستمر تكاليف الإنفاق الحكومي الضخم في تصاعد مستمر. ففي أوائل نوفمبر، أعلن البنك المركزي المصري أن إجمالي الديون الخارجية للبلاد تجاوزت 92 مليار دولار، بزيادة قدرها 17.2 في المائة في السنة. وتضاعفت تقريباً الديون الخارجية منذ عام 2015. ويبلغ إجمالي ما تدفعه الدولة الآن لسداد فوائد الديون حوالي 30 مليار دولار سنوياً، أي ما يعادل 38 في المائة من ميزانية الحكومة في الفترة 2018-1919.

الديون تتصاعد بسرعة الصاروخ

وتعترف الحكومة المصرية بتفاقم مشكلة الديون. ففي سبتمبر، صرح محمد معيط وزير المالية بأن تكاليف خدمة الديون أصبحت “مشكلة كبيرة”. وقد أدى الإنفاق على المشروعات الضخمة إلى ارتفاع ديون مصر؛ حيث يقول أحمد غنيم، وهو اقتصادي ودبلوماسي مصري: “إن مشكلة مصر كانت دائما ارتفاع الدين الداخلي، لكننا نشهد على مدى السنوات الثلاث الماضية ظهور مشكلة حقيقية في ارتفاع معدل الديون الخارجية”.

كما تتزايد الشكوك حول حكمة الإنفاق العسكري الباهظ للحكومة. حيث شملت عمليات الشراء الأخيرة طائرات مقاتلة وسفن برمائية للمسترال وفرقاطات من طراز (FREMM)، والتي تقوم البحرية المصرية بتشغيلها باستخدام أنظمة متهالكة. وتثير المشتريات الكبيرة من الأسلحة البحرية بشكل خاص عاصفة من الجدل؛ حيث تعتبر الحملة العسكرية الرئيسية التي تقوم القوات المسلحة المصرية بشنها حالياً هي معركة ضد التمرد المسلح في شمال شبه جزيرة سيناء. (وليس في البحر)

ومع ذلك، يقول بعض الخبراء العسكريين إن عدم الاستقرار في بلاد المشرق العربي بالإضافة إلى اكتشاف الهيدروكربونات دفع الحكومة إلى تحويل تصوراتها عن التهديدات المحتملة تجاه شرق المتوسط ​​والبحر الأحمر، الأمر الذي قد يفسر رغبة الحكومة في تحديث سلاح البحرية. وقال محلل عسكري مصري لـ “ميدل إيست آي” رفض الكشف عن هويته: “المشكلة هي أنهم يسيئون إدارة هذا التوسع في تحديث الأسلحة”. “لذا فمن المرجح أن ينتهي بهم المطاف إلى مجرد تقديم استعراض لامتلاك الأسلحة لا معنى له بدلاً من بناء بحرية قادرة على القيام بعمليات قتالية طويلة الأمد”.

التقشف من نصيب الفقراء فقط

وفي الوقت نفسه، فإن الاقتصاد المصري يعاني من السقم الشديد. ففي نوفمبر 2016، طلبت مصر من صندوق النقد الدولي حزمة من القروض تُقدر بـ 12 مليار دولار لإنقاذ اقتصادها، وإعادة التوازن إليه، وتفادي حدوث انهيار اقتصادي كارثي. فرض هذا البرنامج، الذي لم يحظ بأي شعبية في مصر، نظام تقشف مالي تم بموجبه تخفيض دعم الطاقة والمواد الغذائية، وخصخصة الشركات المملوكة للدولة، وخفض نسبة العمالة بالخدمة المدنية، وتعويم الجنيه المصري، مما أدى إلى انخفاض حاد في قيمة العملة.

وفي 7 نوفمبر، أعلنت الحكومة أن سعر تذاكر المترو في القاهرة سترتفع مرة أخرى في ديسمبر. وكان قد تم تنظيم احتجاجات كبيرة في المرة الأخيرة التي ارتفعت فيها أسعار المترو، في شهر مايو، ضد هذه الإجراءات مما أدى أدت إلى الكثير من الاعتقالات في صفوف المحتجين. وفي 11 نوفمبر، قال وزير التموين علي المصيلحي أيضاً إن الحكومة ستسحب بطاقات التموين الغذائية من بعض العاملين في القطاع العام. وفي يونيو، رفعت الحكومة المصرية أسعار الغاز بنسبة 50 في المائة.

وفشل برنامج التقشف الحكومي بشكل كبير في تلبية احتياجات 50 في المائة من المصريين يعيشون قرب خط الفقر أو تحته، كما صرح عبد الحميد مكاوي، الخبير الاقتصادي في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، وهي جماعة بحثية حقوقية. وقد قال مكاوي في تصريح لـ ميدل إيست آي “أضف إلى ذلك انخفاض الفرص في خلق الوظائف والبطء في حركة الصادرات؛ ولا يصب النمو في مصر في صالح الفقراء بسبب إجراءات التقشف المالي، وتقليص الإنفاق على التعليم والصحة والخدمات العامة”. وقد دعم صندوق النقد الدولي، الذي أوصى بهذه التغييرات أصلاً، خطوات الحكومة التقشفية. وقال الصندوق في أحدث تقييم لبرنامج مصر: “لا تزال خطة الدمج المالي للسلطات تمضي في المسار الصحيح”.

لكن على الرغم من الإشادة من صندوق النقد الدولي، فإن اقتصاد مصر يعاني في الواقع من حالة من “عدم اليقين والتقلب”، كما صرح أسامة دياب، وهو زميل غير مقيم متخصص في قضايا التنمية والقضايا الاقتصادية في معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط. وقال دياب أيضاً: “إن ارتفاع مستويات التضخم والزيادات غير المسبوقة في أسعار المرافق العامة أثرت سلباً في معظم المصريين جراء تطبيق هذا البرنامج”.

الاقتصاد المتداعي

وتشير تقديرات المنظمة الدولية للهجرة إلى أن الاقتصاد المصري بحاجة إلى توفير 750 ألف وظيفة جديدة كل عام لدعم الزيادة السكانية في البلاد. لكن الاقتصاد فشل في خلق فرص عمل تُذكر، وظلت مستويات البطالة عند حوالي 10%. وقد عانت كبريات الشركات البلاد أيضاً. فمنذ العام الجديد، انخفض مؤشر البورصة المصرية الرئيسي (EGX 30)، بنسبة 7.41 في المائة.

بينما حقق الاقتصاد هذا العام نمواً متواضعاً بالنظر إلى خط الأساس المنخفض الذي نجم عن السنوات التالية للانقلاب العسكري عام 2013. وفي الفترة ما بين 2017 و 1918، بلغ معدل النمو لإجمالي الناتج المحلي في مصر 5.3 بالمائة، وهو أعلى معدل خلال عقد من الزمن. لكن التضخم تجاوز النمو بكثير. ففي أكتوبر، وصل التضخم إلى 17.7 في المائة – وهي زيادة تعتمد على الارتفاع السريع في الأسعار التي شهدتها البلاد على مدار العامين الماضيين، والتي شهدت تضاعف التضخم إلى أعلى مستوى له منذ 30 عاماً بلغت أكثر من 30 في المائة في عام 2017.

وتتوقع وزارة المالية المصرية نمواً أقوى للناتج المحلي الإجمالي بنسبة 6.5 إلى 7.3 بالمائة خلال السنوات الثلاث المقبلة، وهو ما من شأنه أن يدعم خطط الحكومة. لكن خبراء الاقتصاد يشككون في إمكانية استمرار الارتفاع في معدلات النمو. وقالت علياء المهدي، أستاذ الاقتصاد في جامعة القاهرة: ” هذه أرقام متفائلة. آمل أن تكون صحيحة، لكن القضية هي أن الاستثمار في الناتج المحلي الإجمالي ما زال منخفضاً للغاية في مصر”.

وتبلغ نسبة إجمالي الاستثمار إلى إجمالي الناتج المحلي في اقتصاد مصر حالياً ما يقارب 15 في المائة، وهو رقم متواضع لبلد منخفض الدخل يطمح إلى تحقيق معدلات نمو مرتفعة. ومن أجل الحفاظ على توقعات النمو التي تريدها الحكومة المصرية، فإنه يجب أن يرتفع إجمالي الاستثمار إلى أكثر من 20 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وفقاً لما صرحت به المهدي. وقالت مهدي في تصريح لـ ميدل إيست آي: “علينا العمل على زيادة مستوى الاستثمار في الاقتصاد لنرى النمو الحقيقي، والطريقة الوحيدة للقيام بذلك هي تشجيع المستثمرين المحليين وكذلك المستثمرين الدوليين أصحاب الأموال الساخنة”.

التعويل على الغاز

تأمل الحكومة المصرية أن يكون أحد القطاعات الرئيسية في البلاد، وهو صناعة الغاز، هو الحل لمشاكلها. ففي يوليو الماضي، زعمت وزارة البترول أن مصر ستكتفي ذاتياً في مجال الغاز (في حين كانت مستورداً لكل احتياجاتها من الغاز في عام 2014).

وتهدف السلطات إلى زيادة الإنتاج في حقل زهر البحري لإنتاج الغاز، والذي يقع على بعد 200 كيلومتر شمال بورسعيد في مياه البحر الأبيض المتوسط ​، ليمثل حصة كبيرة في الاقتصاد المصري. وفي أكتوبر، قال وزير البترول طارق الملا أن حقل زهر يمكن أن ينقذ الحكومة بتوفير ما يصل إلى ثلاثة مليارات دولار في السنة.

ومع ذلك، فإن تقريراً خاصاً صدر عن بنك الاستثمار المصري سي أي كابيتال، والذي نشره أصلاً على موقع مدى مصر، يقدر أن الاكتفاء الذاتي من الغاز في مصر سوف يستمر لمدة لا تزيد عن عامين قبل أن تعود البلاد مرة أخرى إلى استيراد الغاز. وقال غنيم، الخبير الاقتصادي والدبلوماسي: “لا أعتقد أن التطورات في قطاع الغاز يمكن أن يكون لها تأثير كبير على الاقتصاد”. وأضاف: “لقد كانت تصريحات الحكومة دائماً متفائلة بشكل مفرط حول وجود اكتشافات جديدة للنفط والغاز ولم يتحقق ذلك أبداً على أرض الواقع، حيث كان يهدف إلى تخفيف العبء على الشعب المصري”. وقالت مهدي، الأستاذ بجامعة القاهرة: “من غير المرجح أن يكون الغاز هو مفتاح الحل لإصلاح الاقتصاد المصري،” وأضافت: “لا يمكن أن تعتمد مصر على مورد واحد، مثل الدول المنتجة للنفط”.

*ونشرت مؤسسة كارنيجي مؤخراً مقالاً لبوندان ميجان، وهو محلل متخصص في الاقتصاد الكلي يركّز على الشرق الأوسط بعنوان: “المناخ الاستثماري المتزعزع في مصر” عن وضع الاستثمارات الخارجية المباشرة في البلاد بعد تعويم الجنيه المصري وتلقي الحكومة مؤخراً لرزمة قروض من صندوق النقد الدولي بعد سلسلة من إجراءات التقشف ورفع الدعم تدريجياً عن الوقود، وجاء فيه:

تردُّد الحكومة المصرية في تخفيف قبضتها على صناعات القطاع الخاص تسبّبَ بتعطيل تدفق الاستثمارات الخارجية المباشرة في البلاد

شهد الاقتصاد المصري، العام الماضي، تدفقاً للعملات الأجنبية إثر تطبيق تحرير أسعار الصرف بالتزامن مع سلسلة من الإصلاحات البنيوية ورزمة قروض من صندوق النقد الدولي. فبعد طول انتظار، انتهت أزمة النقص في العملات الصعبة التي تسبّبت شيئاً فشيئاً بتعطيل الاقتصاد. لكن بعد التغييرات الاقتصادية الهائلة التي شهدتها البلاد على امتداد 18 شهراً، من اللافت أن المستثمرين الأجانب لم يُظهروا إقبالاً على الاستثمار في المدى الطويل في الاقتصاد المصري. لقد احتفت الحكومة، على امتداد العام 2017، بالزيادة السريعة في احتياطي العملات الأجنبية في المصرف المركزي، وأعلنت بكثير من الصخب عن مبيعات ديون جديدة. على الرغم من الكلام الكبير الصادر عن الحكومة، ليس الاستثمار في السندات الحكومية ذات الآجال القصيرة مؤشراً عن الاستقرار والأمان الماليَّين في المدى الطويل، فهذه المبالغ يمكن أن تخرج من الاقتصاد بالسرعة نفسها التي دخلت بها تقريباً.

المؤشر الأكثر صلابة للتحسن الاقتصادي هو الاستثمارات الخارجية المباشرة التي تتخذ عادةً شكل استثمار طويل المدى في الأعمال. فهي تساهم في تحسين ميزان الحسابات الجارية عبر زيادة قدرة الاقتصاد على التصدير، وكذلك في خفض معدل البطالة الذي يستمر مرتفعاً في مصر. إشارة إلى أن الاستثمارات الخارجية المباشرة ارتفعت إلى 7.92 مليارات دولار خلال السنة المالية 2016/2017، بعدما كانت 6.93 مليارات دولار في السنة المالية السابقة، لكنها لم تصل إلى مستوى العشرة مليارات دولار، بحسب الهدف الذي حدّدته الحكومة. غالب الظن أن الشركات الخاصة المتعددة الجنسيات تتريّث للتأكّد من أن الإصلاحات الموعودة قادرة على تحقيق تغييرات جوهرية في الاقتصاد. وبما أن عدداً كبيراً من الشركات الدولية الكبرى يمتلك حضوراً ما في مصر، ليست هناك فائدة تُذكَر يمكن أن تجنيها تلك الشركات من زيادة الاستثمارات بسرعة كبيرة. وفي حين تحدّثت وزيرة الاستثمار سحر نصر بإيجابية عن التوقعات بارتفاع تدفقات الاستثمارات الخارجية المباشرة خلال السنة المالية الحالية، الأدلة عن حدوث تحسّن قليلة. فالبيانات الأحدث عن الاستثمارات الخارجية المباشرة الصادرة عن الحكومة (والتي تصدر تقليدياً بتأخير نحو تسعة أشهر)، تُظهر تراجعاً في صافي هذه الاستثمارات مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

لقد كان الاستثمار خارج قطاع استخراج النفط والغاز، ضعيفاً. وفقاً لحسابات مستندة إلى بيانات صادرة عن البنك المركزي المصري، سجّلت الاستثمارات الخارجية المباشرة في القطاع غير النفطي، تراجعاً، من 3.24 مليارات دولار في السنة المالية 2015/2016 إلى 3.07 مليارات دولار في السنة المالية 2016/2017. قد يكون أحد أسباب التراجع الالتباس الذي أعقب تعويم العملة من قبل البنك المركزي المصري، غير أن البيانات تشير إلى أن ذلك لم يؤثّر في الاستثمارات في القطاع النفطي. نظراً إلى الاستثمارات الرأسمالية الكبيرة المطلوبة للتنقيب عن النفط والغاز وإنتاجهما، لا سيما في مياه المتوسط، شكّل القطاع النفطي على الدوام نسبة مئوية غير متكافئة من الاستثمارات الخارجية المباشرة في مصر – حتى قبل اكتشاف حقل ظهر الضخم للغاز في العام 2015. في حين أن القطاع يحقق ربما أداء جيداً في المجمل، ويساهم إلى حد كبير في المؤشرات العالية التي تسجّلها مصر على مستوى الاقتصاد الكلي، إلا أن القطاع النفطي يوظّف عدداً قليلاً نسبياً من المصريين. كما أن النمو في القطاع النفطي لم ولن يُترجَم مباشرةً في شكل مكاسب بالنسبة إلى معظم المصريين الذين يفوق عددهم 90 مليون نسمة. يكتسب هذا الأمر بعداً مقلقاً إضافياً عندما نأخذ في الاعتبار معدل البطالة في مصر الذي يصل إلى 11.8 في المئة، والقوة العاملة النظامية التي لا يتخطى عديدها 29.5 مليون نسمة.

تردُّد الحكومة المصرية في تخفيف قبضتها على صناعات القطاع الخاص تسبّبَ بتعطيل تدفق الاستثمارات الخارجية المباشرة في البلاد.

من شأن زيادة الاستثمارات في قطاعَي التصنيع والخدمات أن تساهم بسهولة أكبر في دمج العمّال المصريين في آلياتهم الإنتاجية. غير أن قطاع التصنيع لم يحصل سوى على 495 مليون دولار من الاستثمارات الخارجية المباشرة، فيما حصل قطاع الخدمات على 752 مليون دولار فقط، أي ما نسبته 5.8 و9.5 في المئة على التوالي. عبر استقطاب مزيد من الاستثمارات الخارجية إلى قطاعَي التصنيع والخدمات، بإمكان مصر أن تستمر في تحقيق المنافع الماكرو اقتصادية نفسها التي تستمدها من القطاع النفطي، وذلك عبر زيادة الصادرات وخفض الواردات، ما يؤدّي إلى خفض العجز التجاري. غير أن قطاعَي التصنيع والخدمات يقدّمان منافع إضافية أيضاً. يستطيع المستثمرون الأجانب الإفادة من القوة العاملة الشابة، وغير المكلفة نسبياً، في مصر، ما يساهم في معالجة مشكلة البطالة بصورة مباشرة، وهو أحد الأهداف المعلَنة للحكومة. وعبر نقل مزيد من المصريين إلى العمالة النظامية، سوف يتم توسيع القاعدة الضريبية للحكومة، ما يساهم في خفض عجز الموازنة.

تُشكّل الحكومة المصرية بحد ذاتها عائقاً أمام زيادة الاستثمارات الخارجية المباشرة. فقد أشار تقرير نشرته وكالة “رويترز” مؤخراً عن الدور المظلم للجيش في الاقتصاد المصري، إلى أن الجيش يملك عشرات الأعمال والشركات، على الرغم من أنه ليس واضحاً بعد ما هو حجم المساحة التي يسيطر عليها في الاقتصاد في شكل عام. كذلك تتنافس كيانات حكومية أخرى مع الجهات الخاصة في قطاعات مثل المصارف، والتبغ، والأسمدة. تتسبّب مشاركة الحكومة في القطاع الخاص بعقبات كبرى للشركات الخاصة. فغالباً ما تكون الشركات المملوكة من الدولة في مصر معفيّة من فرض ضريبة على القيمة المضافة على مشتريات الزبائن، ويمكنها أن تستمر في العمل إلى أجل غير مسمّى حتى لو كانت تتكبّد خسائر، ما يتسبب بإضعاف الجهات الخاصة. أما الشركات الخاصة، لا سيما تلك التي تُقدّم تقارير إلى المساهمين، فهي مضطرّة إلى زيادة أرباحها إلى أقصى حد، ونادراً ما تتمكّن من الحصول على الامتيازات والقدرة على الوصول إلى الدوائر الحكومية التي تتمتع بها الشركات المملوكة من الدولة.

لقد أعلنت الحكومة عن مخططات لبيع أجزاء من هذه الكيانات خلال الأعوام المقبلة، لا سيما في القطاع المصرفي وقطاع الطاقة، من خلال عروض الاكتتاب العام الأولي في البورصة. من شأن هذه المبادرة أن تشكّل خطوة في الاتجاه الصحيح، لكن حجم التدخل الحكومي في القطاع الخاص ونطاقه سيبقيان كبيرَين، حتى لو تمّت كل عروض الاكتتاب العام الأولي المحتملة. لا تزال هناك ضبابية شديدة في ما يتعلق بمخططات الاكتتاب العام الأولي، فالمساهمون في هذه الشركات ليست لديهم حوافز للبيع، وربما تسعى الحكومة فقط إلى التخفيف من مخاوف المقرِضين الأجانب. في الواقع، ليس هناك من مبرّر ماكرو اقتصادي كي تتولى الحكومة والجيش إدارة الشركات عندما يكون القطاع الخاص قادراً على تأمين الخدمات نفسها بطريقة أكثر فاعلية، ما عدا في حالات إخفاق السوق والصناعات التي ترتدي أهمية قصوى للأمن القومي. فهذا يشكّل عائقاً كبيراً أمام الاستثمارات الخاصة، لا سيما من قبل الشركات الأجنبية الأقل اعتياداً على السوق المصرية. ومع ابتعاد الحكومة بصورة متزايدة عن الأسواق الحرة وعن الديمقراطية التمثيلية، واتجاهها نحو آلية فاضحة لإثراء النخب العسكرية، سوف تتضاءل المحفّزات التي تساهم في تشجيع الاستثمارات الخارجية.

لم تعد مصر في قبضة أزمات اقتصادية كارثية، كما أنها لم تعد تعاني من تبعات الإصلاحات البنيوية والماكرو اقتصادية التي تشكّل حاجة ماسة. لقد بدأ التضخم بالانخفاض، وباشر البنك المركزي خفض أسعار الفوائد، ما يساهم في تحسين ظروف الاستثمار في الداخل. يجب أن تركّز الحكومة المصرية الآن على الخروج من قطاعَي التصنيع والخدمات عن طريق بيع الشركات المملوكة من الدولة واستقطاب الاستثمارات الخارجية لسدّ الثغر. وعبر القيام بذلك، يمكنها خفض نسبة البطالة مع الحفاظ على النمو وتطوير اقتصاد أكثر شمولاً واستدامة. إنها ضرورة قصوى، إذ يُتوقَّع أن يتخطّى عدد المصريين 100 مليون نسمة في السنوات المقبلة. لسوء الحظ، بدلاً من أن تُفيد مصر من موقعها لتحقيق الاندماج الكامل في السوق العالمية، يبدو أنها تتّجه إلى أن تحصر نفسها بالنمو عن طريق النزعة الريعية واستخراج النفط والغاز.

*ونشرت مجلة نيوزويك الأمريكية بتاريخ 28 فبراير 2017 تقريراً بعنوان: “في ظل معاناة الاقتصاد المصري، إذن لماذا تنفق الحكومة الملايين على إنشاء وكالة فضائية؟” من إعداد: روث مايكلسون يتناول التقرير الوضع الاقتصادي المتدهور في مصر بينما تسعى الحكومة وراء مشاريع وهمية لا علاقة لها برفع المعاناة عن كاهل المطحونين من الشعب المصري، وجاء فيه:

في موقع بناء ينبعث منه الغبار في الصحراء على مشارف القاهرة، برز مبنى زجاجي أزرق يتلألأ في ضوء الشمس. وهذا المجمع الجديد اللامع هو موطن وكالة الفضاء المصرية الجديدة، وهو إعادة إحياء لبرنامج مهجور منذ ستينيات القرن الماضي تقول الحكومة الفقيرة في البلاد إنه سينتج أقمار صناعية لدفع الابتكار واكتشاف الموارد التي يتأملون أنها تختبئ في ثنايا الصحارى الشاسعة في مصر.

ومنذ وصوله إلى السلطة في انقلاب عسكري شعبي عام 2013، يحاول عبد الفتاح السيسي أن يثبت قدرته على إنقاذ الاقتصاد المصري المتدهور والذى تمثلت بعض مظاهره في الطوابير الطويلة على محطات الوقود وارتفاع أسعار المواد الغذائية مما دفع أحد المواطنين اليائسين من إضرام النار في نفسه. وبرنامج الفضاء هذا هو أحدث محاولات السيسي التي يستهدف بها تنشيط الاقتصاد المصري من خلال سلسلة من المشروعات الضخمة – من عاصمة إدارية جديدة خارج القاهرة إلى تفريعة جديدة لقناة السويس. لكن في حين أن الاستثمار في البنية التحتية يمكن أن يخلق فرص عمل ويحفز النمو الاقتصادي، يتساءل الكثيرون في مصر عما إذا كانت البلاد قادرة فعلاً على تحمل تكاليف مشاريع السيسي في الوقت الذي يعيش فيه الكثير من المصريين تحت خط الفقر!!

2- المحور السياسي

أولاً: الواقع السياسي في مصر قبيل ثورة يناير 2011

* نشر موقع مغرس الإخباري تقريرا عن الوضع السياسي في مصر قبل اندلاع ثورة يناير بعنوان: “كيف اندلعت انتفاضة 25 يناير المصرية؟”، وجاء فيه:

لقد تعددت أسباب ثورة 25 يناير 2011. فالوضع السياسي في البلد كان مؤهلا للانفجار باعتبار أن النظام المصري الرئاسي الجمهوري، ظل محكوما بقانون الطوارئ الممتد منذ سنة 1967، والذي خضع للتعديل في بداية الثمانينيات، قبل أن يعود إلى ما كان عليه من قبل. وهو قانون ظلت السلطات تستغله لفرض رقابتها الدستورية على تنظيم المظاهرات، ومنع التنظيمات غير المرخص لها بالنشاط خصوصا في شقه السياسي. وبموجب هذا القانون، كان نظام الحكم قد احتجز حوالي 17.000 شخص. كما وصل عدد السجناء السياسيين إلى قرابة 30.000 معتقل. وبموجب هذا القانون، كان للحكومة أيضا الحق في احتجاز أي شخص لفترة غير محددة لسبب أو بدون سبب واضح. كما لا يمكن لهذا الشخص، بمقتضي هذا القانون، الدفاع عن نفسه. كما تستطيع الحكومة أن تبقيه في السجن دون محاكمة. وظلت الحكومة تعمل على بقاء قانون الطوارئ بحجة حماية الأمن القومي. القانون الذي منع الإخوان المسلمين مثلا من الوصول إلى السلطة، بعد أن صودرت ممتلكاتهم، وتم اعتقال عدد من رموزهم. في ظل هذا الوضع بقانون طوارئه، سيسقط بقسم الشرطة شاب مصري اسمه «خالد محمد سعيد» قتيلا بمنطقة سيدي جابر بمدينة الإسكندرية، بعد تعرضه للتعذيب في مخفر الشرطة. وهو الحادث الذي اعتبر أحد أهم الأسباب الرئيسية غير المباشرة في اندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير من سنة 2011. لقد سقط خالد محمد سعيد قتيلا في السادس من يونيو من سنة 2010. وفي 25 من يونيو الموالي سيقود محمد البرادعي، المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، تجمعا حاشدا في الإسكندرية منددا بانتهاكات الأمن الذي أسقط خالد سعيد قتيلا، قبل أن يقوم بزيارة لبيته لتقديم التعازي. بعد خالد سعيد، سيسقط شاب في الثلاثين من عمره اسمه السيد بلال قتيلا هو الآخر بعد احتجازه في مخفر الأمن بالإسكندرية حيث تعرض للتعذيب، خصوصا وقد انتشر فيديو يظهر آثار التعذيب في رأسه وبطنه ويديه.

منذ جاء محمد حسني مبارك إلى الحكم في 1981، عانى الإسلاميون واليساريون من حصار شديد. ولم تسلم كل الحكومات التي تولت تدبير الشأن العام من انتقادات وسائل الإعلام الدولية على الخصوص. وحده الإعلام الأمريكي هو من ظل يخفي تجاوزات نظام مبارك، خصوصا وأن مصر ظلت تقدم دعمها لنظام إسرائيل. وهو الذي ساعدها على حماية مساعدات أمريكا لها. كان لحكم حسني مبارك الأثر الكبير على التدهور الاقتصادي والاجتماعي على المصريين. بالإضافة إلى التراجع الملحوظ في مستوى التعليم والصحة، وارتفاع معدلات البطالة، وانتشار الجرائم في البلاد. كما زادت، خلال حكمه، حدة الفساد السياسي خصوصا في إدارته لوزارة الداخلية بشكل كبير، بسبب ازدياد النفوذ على النظام المؤسسي الذي هو ضروري لتأمين الرئاسة لفترة طويلة. وقد أدى هذا الفساد إلى سجن شخصيات سياسية وناشطين شباب بدون محاكمة، ووجود مراكز احتجاز خفية غير موثقة وغير قانونية. وكذلك رفض الجامعات والمساجد والصحف تشغيل بعض الموظفين على أساس الميول السياسية. وعلى المستوى الشخصي، كان بإمكان أي فرد أو ضابط أن ينتهك خصوصية أي مواطن في منطقته باعتقاله دون شرط بسبب قانون الطوارئ. وقد نشرت منظمة الشفافية الدولية، وهي منظمة دولية لرصد جميع أنواع الفساد بما في ذلك الفساد السياسي، في تقرير لها عن مؤشر الفساد لسنة 2010 يقول إن مصر احتلت المرتبة 98 من أصل 178 بلد مدرج في التقرير. أما على المستوى الاجتماعي، فقد كان 40 في المائة من سكان مصر يعيشون تحت عتبة الفقر، حيث يعتمدون على دخل قومي يعادل لا يتجاور 2 دولارات في اليوم لكل فرد. كما أن جزءا كبيرا من السكان، ظل يعتمد على السلع المدعومة. هذا دون أن ننسى أن مصر تعد ثاني أكبر دولة في أفريقيا بعدد السكان بعد نيجيريا. وهي أكبر دولة في منطقة الشرق الأوسط، حيث وصل عدد سكانها في 2007 مثلا إلى أكثر من 80 مليون نسمة. أي بمعدل حوالي 1.5 مليون نسمة في السنة الواحدة مما ظل يشكل ضغطا على الموارد إذا لم توجد حكومة واعية تستخدم هذه الثروة السكانية الاستخدام الأمثل. وقد رافق زيادة عدد السكان هذا، تدهور اقتصادي نتيجة فشل سياسات الدولة في الاستفادة من ازدياد الأيدي العاملة، وأدى ظهور جيل جديد من الشباب كثير منهم من حملة الشهادات الجامعية لا يجدون وظائف مناسبة. وهو ما ساعد على تقوية المعارضة، حيث كان الشباب العمود الفقري للثورة، فضلا عن معرفتهم الوثيقة عموما بوسائل الاتصال الحديثة واستخدامهم الفعال لها في تنظيم الثورة وإبقائها حية، خصوصا بعد أن قرر الرئيس حسني مبارك خلال قطع الاتصالات في البلاد من بدايات الثورة. وقد لعب هذا العامل دورا كبيرا في اندلاع الثورة خاصة مع زيادة نسبة الفقر في المجتمع المصري حيث ارتفعت إلى 80 في المائة.

مجلس الشعب يفجر الشارع المصري

قبل أن تندلع ثورة يناير في عدد من المدن المصرية، كان نظام حسني مبارك قد أجرى انتخابات تشريعية لتكوين مجلس الشعب. حدث هذا شهرين قبل 25 من يناير 2010. وخلال هذه الاستحقاقات، فاز الحزب الحاكم « الحزب الوطني» ب97 في المائة من مقاعد هذا المجلس. وهو ما يعني أن المجلس قد خلا من أية معارضة تذكر؛ مما أصاب المواطنين بالإحباط، خصوصا وقد وصفت تلك الانتخابات بالمزورة نظرا لأنها تناقض الواقع في الشارع المصري. بالإضافة إلى انتهاك حقوق القضاء المصري في الإشراف على هذه الانتخابات بعد أن أطاح النظام بأحكام القضاء في عدم شرعية بعض الدوائر الانتخابية. لقد قامت بعض القوى المدنية، وعلى رأسها البرادعى، بالدعوة إلى مقاطعة تلك الانتخابات احتجاجا على عدم نزاهتها. لكن جماعة الإخوان المسلمين، رفقة حزب الوفد، أصرتا على المضي قدما فيها ليتم إحراج الحزب الوطني، وإظهار ما سوف يقوم به من تزوير. إلا أنه بعد انتهاء المرحلة الأولى من الانتخابات وما ظهر بها من تزوير، سيقرر حزب الوفد الانسحاب من المراحل المتبقية من الانتخابات، خصوصا وأن الحزب الوطني الحاكم ظل يحشد أعدادا هائلة من أتباعه أمام مكاتب التصويت للاعتداء على أي شخص يعتقد أنه سيدلي بصوته إلى أي مرشح لا ينتمي إلى الحزب الوطني الديمقراطي، وذلك بمساعدة قوات الأمن.

تفجير كنيسة القديسين في الإسكندرية

شكلت عملية تفجير كنيسة القديسين بالإسكندرية عاملا مساعدا على اندلاع الثورة. وهي العملية الإرهابية التي حدثت وسط مدينة الإسكندرية بمنطقة سيدي بشر، بمناسبة الاحتفالات بعيد الميلاد. حدث الانفجار بعد حوالي عشرين دقيقة من حلول السنة الميلادية الجديدة. وعرفت العملية سقوط 24 قتيلا كان من بينهم مسلمون، وإصابة قرابة مائة شخص. وقد اعتبرت هذه العملية الإرهابية الأولى التي عرفها تاريخ مصر بذلك المشهد المروع الذي شهدته. وقبل العملية بفترة، قام تنظيم القاعدة باستهداف كنيسة في مدينة بغداد العراقية، وهدد عددا الكنائس في مصر. وقبل التفجير بأسبوعين، نشر على موقع متطرف، فيديو يدعو لتفجير الكنائس في مصر. وهي العملية التي كانت قد أحدثت صدمة في مصر وفى العالم كله. واحتج كثير من المسيحيين في الشوارع، وانضم بعض المسلمين إليهم للاحتجاج، حيث اندلعت أحداث شغب بعد الاشتباك بين الشرطة والمحتجين في الإسكندرية والقاهرة، وهتفوا بشعارات ضد حكم حسني مبارك. المثير هو أن تقول بعض المصادر إن وزارة الداخلية المصرية هي التي كانت وراء تلك التفجيرات بمساعدة جماعات إرهابية، وإن هناك سلاحا سريا في الوزارة أسسه اثنان وعشرون ضابطا تحت إشراف وزير الداخلية وقتها، والذي أحيل على المحاكمة بعد اعتراف منفذي العملية عند طلبهم اللجوء السياسي بالسفارة البريطانية بالقاهرة.

أثر الثورة التونسية

ساهمت الثورة التونسية التي اندلعت في 18 من دجنبر من سنة 2010، في تأجيج غضب الشعب المصري الذي رأى أنه قادر على تحقيق ما حققه أشقاؤه في تونس الخضراء. فقد اندلعت 38 يوما قبل ثورة يناير المصرية. واستطاعت هذه الثورة في أقل من شهر الإطاحة بالرئيس التونسي زين العابدين بن علي، الذي حكم البلاد لمدة 23 سنة بقبضة من حديد. وكان هذا النجاح الذي حققته الثورة التونسية قد أظهر أن قوة الشعب العربي تكمن في تظاهره وخروجه إلى الشارع، وأن الجيش هو قوة مساندة للشعب وليس أداة لدى النظام لقمع الشعب. كما أضاءت تلك الثورة الأمل لدى الشعب العربي بقدرته على تغيير الأنظمة الجاثمة عليه وتحقيق تطلعاته. وشكلت الظاهرة البوعزيزية مبعث فخر للمصريين. فقبل أسبوع من بداية الأحداث؛ قام أربعة مواطنين مصريين يوم 18 يناير بإضرام النار في أنفسهم بشكل منفصل احتجاجا على الأوضاع المعيشية والاقتصادية والسياسية السيئة. كما قام مواطن آخر بتخييط فمه، بعد أن اعتصم أمام نقابة الصحفيين مطالبا بإسقاط وزير الصحة، وذلك احتذاء بالتونسي محمد البوعزيزي، قبل أن يطلق صحافيون على الحدث اسم الظاهرة البوعزيزية حيث يحرق فيها المحتجون أنفسهم احتجاجا على البطالة وسوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية حيث شملت الظاهرة عدة دول عربية.

ثانياً: الوضع السياسي الحالي في مصر

في مصر، الديمقراطية مجرد سراب

*في افتتاحية صحيفة الجارديان البريطانية يوم الأحد 16/9/2018 تحت عنوان: “رأي الجارديان حول القمع المصري: الديمقراطية هي مجرد سراب” تقول الصحيفة: على النظام في مصر أن يخجل من المحاكمة الجماعية التي قام بها ضد الناجين من مذبحة للمحتجين المؤيدين للديمقراطية في ميدان رابعة العدوية بالقاهرة في الرابع عشر من أغسطس 2013. وتضيف الصحيفة أنه على القوى الغربية أن تفهم كيف أن الأوتوقراطية تنخر في جسد الأمة العربية.

وكان من أهم النقاط التي تناولتها افتتاحية الجارديان ما يلي:

1- في الديمقراطيات التي تخضع لحكم القانون، فإن مرتكبي المجزرة هم من تجب محاكمتهم بتهمة القتل. أما في مصر، فإن الناجين من المذبحة هم من تتم محاكمتهم، وفي بعض الحالات يتم الحكم عليهم بالإعدام.

2- في الديمقراطيات التي تخضع لحكم القانون، تكون المحاكمات عادلة وسريعة. أما في مصر، فيتم احتجاز الناجين من المذبحة لمدة خمس سنوات قبل المحاكمة، ثم يخضعوا لمحاكمة جماعية دون إتاحة أدنى فرصة لتقيم الدفاع المناسب عنهم.

3- هذه المحاكمات الغريبة التي لم يسبق لها مثيل في العالم لـ 739 متهماً زُعم أنهم من بين المحتجين ضد الانقلاب العسكري الذي أتى بالجنرال عبد الفتاح السيسي إلى السلطة عام 2013 – انتهى منها النظام في مصر مؤخراً.

4- من بين من حاكمهم النظام من كانوا يتواجدون بين المحتجين ولم يكونوا من المحتجين أنفسهم؛ ومن هؤلاء المصور الصحفي محمود أبو زيد، المعروف باسم شوكان. كان شوكان يقوم ببساطة بعمله كصحفي عندما جرفته آلة القمع؛ وقد قوبلت عقوبة الحبس لمدة خمس سنوات بارتياح عندما تم إصدارها ضده هذا الشهر، حيث أنه قد قضاها بالفعل؛ ولكن تبقى المعاملة التي تعرض لها ولا يزال هي وصمة عار في جبين النظام المصري.. حيث يجب أن يقضي المصور من الآن ولمدة خمس سنوات مقبلة ليله في مركز الشرطة، ويكون حراً فقط أثناء النهار.

5- حتى هذه المعاملة التي يخضع لها شوكان هي أكبر بكثير مما يمكن أن يحلم به معظم من تمت محاكمتهم.. حيث حُكم على خمسة وسبعين متهماً منهم بالإعدام لوقوفهم في الاحتجاجات مع الجانب الذي خسر الجولة.

6- حتى هذه المعاملة التي يخضع لها شوكان هي أكبر بكثير مما يمكن أن يحلم به معظم من تمت محاكمتهم.. حيث حُكم على خمسة وسبعين متهماً منهم بالإعدام لوقوفهم في الاحتجاجات مع الجانب الذي خسر الجولة. من الاحتجاجات. لم يتم الحكم على أي من أفراد قوات الأمن، أو حتى محاكمته، لدورهم في مقتل ما لا يقل عن 800 مدني عندما كانوا يقومون بفض اعتصام ميدان رابعة العدوية، الذي كان يتجمع فيه أنصار حكومة مرسي والإخوان المسلمين عام 2013.. فجميع الضباط الذين خططوا للمجزرة وأمروا بتنفيذها حصلوا جميعاً على حصانة بموجب قانون مرره البرلمان.

7- في الوقت نفسه، لا يشك المراقبون في أن النظام المصري متورط في حملة من القصف والحصار لمناطق في سيناء. كما تشارك القوات المصرية بشكل واضح في الحرب الأهلية في ليبيا، والنزاع القائم في اليمن.

8- هناك شيء بغيض حول الطريقة التي تسخر فيها حكومة السيسي وداعميها في الغرب من آمال الربيع العربي، بإلباس جثة الديمقراطية بثوب مهترئ من العدالة الشكلية، ولكنها في حقيقة الأمر عبارة عن وحش كاسر.

9- قبل يوم من صدور أحكام الإعدام، أعلنت الولايات المتحدة عن تقديم مساعدات للنظام المصري بقيمة مليار دولار إضافية لهذا العام. حيث أنه من الواضح أن ذلك الدعم السخي الذي يُقدم بدعوى “الحرب على الإرهاب” يذهب لنظام يقوم بممارسة الإرهاب ضد شعبه، بل أيضاً ضد كل شخص على كل شخص يتواجد على أرضه.

10- هذا الصيف حذرت وزارة الخارجية البريطانية رسمياً السياح البريطانيين المتواجدين على أرض مصر من أن انتقاد الحكومة المصرية قد يؤدي إلى سجنهم.

11- وعلى الرغم من هذه الحقيقة القبيحة، يبدو أن مصر تأتي على قائمة الدول التي ستقوم لندن بمضاعفة تجارتها معها بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.. وقد قامت القاهرة بالفعل الشهر الماضي بمنح تراخيص للتنقيب عن الغاز لشركات بريطانية وإيطالية.. ويقوم النظام في مصر أيضاً بشراء الأسلحة التي يستخدمها في قمع شعبه من كل من فرنسا وألمانيا.

12- يبدو أن الحكومات الغربية قد قدمت دعمها لنظام السيسي، ربما لتخوفها من الفوضى التي قد تحدث في حال سقوطه أكثر من رغبتها في جني الأرباح من بيع الأسلحة أو التنقيب عن الغاز.

13- يبدو أن الحكومات الغربية قد قدمت دعمها لنظام السيسي، ربما لتخوفها من الفوضى التي قد تحدث في حال سقوطه أكثر من رغبتها في جني الأرباح من بيع الأسلحة أو التنقيب عن الغاز.

14- ومن الواضح أن الحكومات الغربية لا تلقي بالاً لحقيقة أن الاستبداد يولد البؤس والتطرف.. ولكن حتى إذا كانت الديمقراطية سراباً في مصر، فعلى الأقل يجب إلزام النظام هناك بمراعاة أدنى مستوى من معايير حقوق الإنسان.

15- سيتم استئناف الأحكام الصادرة عن هذه المحاكمة.. وعلى الحكومة أن تقوم بإلغاء أحكام الإعدام هذه.. إن استخدام القضاء كأداة من أدوات السياسة لتنفيذ القتل الجماعي هو تطبيق مباشر لقواعد الاستبداد.

16- إن رصيد السيسي دولياً متدني للغاية؛ فلماذا لا يزال يسعى إلى تدنيه أكثر من ذلك؟

*ونشرت يورو نيوز مقالاً للرأي كتبه محمد لطفي، المدير التنفيذي للجنة المصرية للحقوق والحريات بتاريخ 19 ديسمبر بعنوان: “مصر – الشراكة مع الاتحاد الأوروبي: الطغاة وأصدقاؤهم”، كما يلي:

في الوقت الذي تواجه فيه مصر أسوأ حملة قمعية على مدى عقود تستهدف حرية التعبير، شرع قادة أوروبا في إقامة علاقة أقوى مع جيرانهم على الشاطئ الآخر من البحر الأبيض المتوسط.

نعم، أعلن زعماء أوروبا التزامهم بالعمل من أجل المصالح المشتركة للمصريين والأوروبيين، بما في ذلك الدفاع عن حقوق الإنسان. لكنه من غير الواضح كيف يمكن أن يمتد هذا التعريف للمصلحة المشتركة ليشمل المصريين العاديين.

وتركز الحديث في هذا الصدد عن تحقيق “شراكة ذات منفعة متبادلة” مع مصر السيسي على “المصالح المشتركة” للطرفين، مع عدم التطرق إلى ذكر أي شيء عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي تحدث في البلاد.

وأنا أتحدث عن القمع الحالي في مصر من واقع التجربة الشخصية. فقد تم إلقاء القبض على زوجتي أمل فتحي عندما اقتحمت الشرطة منزلنا في الساعات الأولى من صباح يوم 11 مايو من هذا العام. فقد تم نقلنا إلى مركز للشرطة في القاهرة ومعنا ابننا البالغ من العمر ثلاث سنوات. وفي وقت لاحق من صباح هذا اليوم، قام المدعي العام باستجواب زوجتي أمل لعدة ساعات حول مقطع فيديو نشرته على فيسبوك قبل ذلك بيومين. حيث تحدثت في الفيديو عن تجربتها الشخصية عن تعرضها للتحرش الجنسي وانتقدت فشل السلطات المصرية في حماية النساء. لكن في مصر، إذا تحدثت بصفتك أحد الناجين، فقد ينتهي بك الأمر إلى أن تكون الشخص الذي يعاقب، وليس الجاني.

لقد تم تشتيت أسرتي في ذلك اليوم. وكان قد تم اعتقال أمل بدعوى “نشر أخبار كاذبة يمكن أن تضر بالأمن العام”، وفيما بعد، تم الادعاء عليها في قضية منفصلة بـ “الانتماء إلى جماعة إرهابية”. وبقيت وراء القضبان حتى يومنا هذا، رغم أننا تلقينا بالأمس بصيصاً من الأمل بأن محنتها المؤلمة في السجن قد تنتهي قريباً. حيث أمرت محكمة مصرية السلطات بإطلاق سراح زوجتي أمل فتحي على أن تظل تحت المراقبة؛ لذلك عندي أمل كبير أن يمتثلوا لهذا الأمر وأن تعود قريبا إلى البيت، وأن يتم لم شمل الأسرة. يأتي احتجاز زوجتي بشكل مباشر في إطار نمط متصاعد من القمع في مصر. فمنذ العام الماضي، تم اعتقال مئات النشطاء السياسيين والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان بشكل تعسفي لمجرد تعبيرهم عن آرائهم. حتى أن أبسط أشكال النقد للحكومة أصبحت تواجه بتهم ” تهديد الأمن القومي والجرائم التي تندرج تحت قانون مكافحة الإرهاب في مصر.

ويُحتجز المنتقدون للحكومة عادة بشكل روتيني دون محاكمة لعدة أشهر أو حتى سنوات، مع اختفاء العديد منهم قسراً وتعذيبهم لانتزاع اعترافات تُستخدم ضدهم في المحكمة. وطالت هذه الممارسات حتى الأطفال لا تتجاوز أعمارهم 12 سنة. وإذا تم تقديمهم في نهاية الأمر إلى المحكمة، فإنهم يواجهون محاكمات جائرة بشكل كبير، ينتج عنها اتهامات معيبة. ومن الأمثلة على ذلك الحكم بإعدام 75 شخصاً بعد محاكمة جماعية للمشاركة في الاحتجاجات التي صاحبت اعتصام ميدان رابعة العدوية.

وعلى هذه الخلفية، أعلن زعماء أوروبا التزامهم بالعمل من أجل المصالح المشتركة للمصريين والأوروبيين، بما في ذلك الدفاع عن حقوق الإنسان. لكن من غير الواضح كيف يتم توسيع هذا التعريف للمصلحة المشتركة ليشمل المصريين العاديين. وما هي المصالح المشتركة التي أخذها المستشار النمساوي سيباستيان كورتز ورئيس المجلس الأوروبي دونالد تاسك بعين الاعتبار عندما أشادوا بمصر كشريك نموذجي في المنطقة لمساعدتها في منع المهاجرين من الوصول إلى شواطئ أوروبا؟

الشريك المثالي هو الذي يحترم حقوق الإنسان والحريات الأساسية، وهي عناصر أساسية في اتفاقية الشراكة بين مصر والاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه. وبالمثل، فمصالح من يتم مراعاتها عندما تسمح الدول الأوروبية بتجاوزات حقوق الإنسان ضد المواطنين المصريين من أجل التجارة أو لأي اعتبارات أخرى؟

وحتى عندما تمتد التجاوزات من قبل الحكومة المصرية إلى المواطنين الأوروبيين، فإن هذه المصالح المشتركة لا تتأثر. وبعد مرور ما يقرب من ثلاث سنوات على العثور على جثة الطبيب الإيطالي جوليو ريجيني ملقاة في الصحراء مع آثار التعذيب البشعة عليها، لم يتم تقديم أي مشتبه به إلى العدالة ولم تظهر الحقيقة بعد. إلا أن المدعين الإيطاليين أدرجوا مؤخراً عملاء أمن مصريين كمشتبه بهم محتملين في وفاة ريجيني بسبب عدم إحراز أي تقدم في التحقيقات.

ولعل هذه الاهتمامات هي التي تقف وراء الانسياق الأعمى من جانب بعض الدول الأوروبية وراء الادعاءات بوجود “جهود هائلة تبذلها السلطات المصرية لمعالجة ملف حقوق الإنسان”. فما الذي يمكن أن تعنيه وعود مصر بالتعاون مع آليات حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، بينما تقوم في نفس الوقت باعتقال وترهيب وتهجير الأشخاص قسرياً الذين تعاونوا مع مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بالحق في السكن اللائق، ليلاني فرحة، خلال زيارتها لمصر في أكتوبر الماضي؟ أو ادعاءات مصر بأنها أنشأت هيئات تابعة للحكومة للرد على شكاوى حقوق الإنسان، مع التضييق على هذه الهيئات من أجل التغطية على ارتكاب الحكومة لأي مخالفات وتشويه سمعة منظمات حقوق الإنسان.

وفي الوقت الذي يستعد فيه القادة الأوروبيون لمناقشة علاقاتهم مع مصر في مجلس الشراكة القادم بين الاتحاد الأوروبي ومصر، يجدر إعادة النظر في حقيقة الدول التي يسعون إلى بناء هذه الشراكة معهم وما هي المصالح المشتركة التي يمكن تحقيقها. وقد ننصح القادة الأوروبيين بأن يستحضروا بعض الدروس الأساسية التي يمكن استخلاصها من أحداث الربيع العربي، والتي علمتنا أن أي سياسة تتجاهل حقوق الإنسان تكون غير مستدامة. وأنه في النهاية، لن يتذكر أولئك الذين لديهم الجرأة الكافية للتحدث عن حقوق الإنسان ما يتحدث به مضطهدوهم، ولكنهم سيتذكرون دائماً صمت أصدقائهم عما ارتكبه ضدهم الطغاة.

*قبيل الانتخابات الرئاسية في مصر 2018، أصدرت منظمة الشفافية الدولية تقريرها لشهر مارس بعنوان: “جمهورية الضباط: الجيش المصري وإساءة استخدام السلطة”. ويقوم التقرير بتحليل الدور المتزايد الذي يلعبه الجيش المصري في الحياة المدنية، والقوة الاقتصادية المتنامية للعسكر في مصر.

ومنظمة الشفافية الدولية هي منظمة غير حكومية رائدة أُسست لمكافحة الفساد في العالم. ولدى منظمة الشفافية الدولية خبرة عالمية واسعة إدراك كبير لكل ما يتصل بالفساد، وذلك لامتداد عملها إلى كل أنحاء العالم. وتعمل منظمة الشفافية الدولية (للدفاع والأمن) التي أصدرت التقرير على الحد من الفساد في مجال الدفاع والأمن في جميع أنحاء العالم.

جدول زمني للأحداث

يبدأ التقرير بعرض جدول زمني للأحداث السياسية الرئيسية في مصر من يناير 2011 حتى مارس 2018 على النحو التالي:

1- يناير – فبراير 2011: 18 يوما من الاحتجاجات المناهضة للحكومة أدت إلى الإطاحة بحسني مبارك من رئاسة مصر

2- فبراير 2011 – المجلس الأعلى للقوات المسلحة يتولى السلطة في البلاد، ويبقى فيها حتى عام 2012

3- نوفمبر 2011 – يناير 2012 يتم تنظيم الانتخابات البرلمانية لمجلس الشعب المصري

4- يونيو 2012 – حل مجلس الشعب المصري. وفي الشهر نفسه ، تُعقد الانتخابات الرئاسية ويصبح محمد مرسي رئيسًا

5- يوليو 2012 الرئيس مرسي يعيد مجلس الشعب

6- نوفمبر 2012 – يصدر الرئيس مرسي إعلاناً دستورياً يعطيه صلاحيات تنفيذية واسعة النطاق ، مما يثير الاحتجاجات والاشتباكات. وتم إلغاء المرسوم في ديسمبر

7- يوليو 2013 – الجنرال عبد الفتاح السيسي يقود انقلاباً عسكرياً يطيح بالرئيس مرسي من السلطة. وتم تعيين عدلي منصور رئيسًا مؤقتًا وتشكيل حكومة مؤقتة

8- أغسطس 2013 – يتم تفريق المتظاهرين المعتصمين في ميدان رابعة العدوية لدعم الرئيس مرسي بعنف شديد من قبل قوات الأمن المصرية ، مما أسفر عن مقتل أكثر من 900 شخص

9- مايو 2014 – الجنرال السيسي يفوز في انتخابات رئاسية (تولى الجيش إدارتها) ويؤدي اليمين الدستورية في يونيو

10- أكتوبر- ديسمبر 2015 تجرى انتخابات برلمانية، وتظهر نتائجها بنسبة مشاركة منخفضة تبلغ 10 في المائة فقط

11- مارس 2018 – تجري انتخابات رئاسية جديدة ويترشح فيها السيسي لولاية ثانية

محاور التقرير

ينقسم التقرير إلى أربعة محاور:

1- المحور الأول: ويتناول الفساد السياسي والاقتصادي في الفترة التي سبقت ثورة 25 يناير

2- المحور الثاني: ويناقش انغماس الجيش المصري في المشروعات الاقتصادية، وإهماله لواجباته الأساسية في حماية البلاد

3- المحور الثالث: ويتناول استراتيجيات الجيش لتعزيز موقفه السياسي

4- المحور الرابع: ويشمل الخلاصات التي توصل إليها التقرير بخصوص هيمنة الجيش على الحياة المدنية في البلاد

المحور الأول: الفساد السياسي والاقتصادي قبل ثورة يناير

يبدأ المحور الأول من التقرير بالاستشهاد بعبارة قالها أحد النشطاء الحقوقيين عام 2011 تلخص معاناة المصريين في تلك الفترة، حيث قال: “عندما يكون محتماً عليك أن تعيش شهراً كاملا ومرتبك 300 جنيهاً مصرياً فقط، فهذا يعني أن لديك خيارين اثنين: إما أن تصبح متسولاً أو أن تصبح لصاً. وقد أعلنها المصريون مدوية: لسنا متسولين ولن نكون لصوصاً.” ويركز التقرير في هذا المحور بشكل رئيسي على الفساد السياسي والاقتصادي الذي كان سائداً في الفترة التي سبقت ثورة 25 يناير. حيث كانت مصر تواجه آنذاك تحديات كبيرة بسبب الفساد. حيث عملت حكومة حسني مبارك الفاسدة على تحقيق الثراء الفاحش لأفرادها ونخبها من خلال بيع أصول القطاع العام والأراضي المملوكة للدولة، بذريعة الخصخصة، وتبني سياسات اقتصادية تدعم مصالحهم. وقد أدت هذه الإجراءات إلى انخفاض الاستثمارات العامة، وتدني الأجور، وتآكل البنية التحتية العامة. وعلى الرغم من أن معدل نمو إجمالي الناتج المحلي السنوي بين عامي 1999 و 2010 بلغ حوالي 5 في المائة ، إلا أن عدد الأشخاص الذين كانوا يعيشون تحت خط الفقر في نفس الفترة ارتفع من11 مليون إلى أكثر من 21 مليون نسمة، أي أكثر من ربع السكان، وبلغ معدل البطالة بين الشباب آنذاك حوالي 28 في المائة.

في هذه الأثناء ، كانت النخبة تقوم بتهريب مليارات الدولارات خارج البلاد. حيث ذكرت إحدى الدراسات أنه في السنوات العشرة التي سبقت ثورة 25 يناير، كان يتم تهريب حوالي 3 مليارات دولار سنوياً بشكل غير مشروع. وجدير بالذكر أن أبناء حسني مبارك كانوا متورطين حتى النخاع في هذه الأعمال. وفي استطلاع أجرته “البارومتر العربي” طُلب فيه من عدد من المصريين تحديد ثلاثة أسباب رئيسية كانت وراء اندلاع الاحتجاجات في الربيع العربي فكانت الأسباب الأكثر شيوعاً بين المشاركين هي:

1- محاربة الفساد،

2- تحسين الوضع الاقتصادي،

3- تحقيق العدالة الاجتماعية.

وقد لعب الجيش دوراً اقتصاديا كبيرا طوال تلك الفترة. فجميع الرؤساء الذين تولوا الحكم بعد رحيل الملك جاؤوا من الجيش؛ ومبارك نفسه لم يكن استثناء في هذا الأمر. ونتيجة لذلك، فقد تمتع الجيش بامتيازات اقتصادية كبيرة وكان يستطيع إدارة أعماله دون أي مراقبة تُذكر من أي من أذرع الحكومة الأخرى. لكن الاحتجاجات التي عمت البلاد في أوائل عام 2011 لم تكن تستهدف الجيش. وفي الواقع، فقد ارتفعت بشكل كبير شعبية الجيش المصري بين المصريين خلال الـ 18 يوماً من الاحتجاجات المناهضة لمبارك. فبدلاً من الوقوف إلى جانب الرئيس المحاصر آنذاك، قام الجيش “بسحب البساط من تحت أقدام مبارك”، واختار عدم حمايته هو ومحسوبية من نخب رجال الأعمال. وكان هتاف “الشعب والجيش إيد واحدة” يدوي في الآفاق إبان الثورة.

المحور الثاني: الجيش ينشغل بإدارة مشاريعه الاقتصادية ويهمل دوره الأساسي

يناقش التقرير في هذا المحور هيمنة الجيش المصري على الاقتصاد في البلاد، وذلك على حساب واجباته الأساسية من حماية البلاد وحفظ أمنها. فبعد وقت قصير من الإطاحة بمبارك، سرعان ما خيب المجلس الأعلى للقوات المسلحة آمال المتظاهرين الذين كانوا يطمحون إلى تغيير حقيقي للنظام العسكري في البلاد. وظلت مطالب الثوريين من أجل العدالة الاجتماعية والمساواة ووضع حد لمحاباة الأقارب مجرد طموحات. وفي الوقت نفسه، قام المجلس الأعلى للقوات المسلحة بحماية وتوسيع نفوذ الجيش في الحياة المدنية إبان إدارته للفترة الانتقالية.

لقد لعبت “جمهورية الضباط” على مدى عقود دورا قويا وكانت تتمتع بامتيازات فريدة في اقتصاد مصر وأمنها وسياستها. لكن هذا الدور أصبح أكثر بروزاً منذ الإطاحة بنظام الرئيس محمد مرسي عام 2013. والآن بعد أن بات الجيش يملك مثل ما نراه من النفوذ السياسي والاقتصادي، فإن كثيراً من المحللين ونشطاء المجتمع المدني يشددون على أنه لابد أن يخضع الجيش لمزيد من الرقابة والتدقيق من قبل الشعب. وكما قال أحد المدافعين عن حقوق الإنسان: ” بما أن الجيش يقوم بنشاط اقتصادي مرتبط بالمجتمع، وليس بالجنود في المعسكر، فإنه سيتم انتقاده مثل أي مؤسسة اقتصادية؛ وعلى المستوى السياسي، فعندما يحكم الجيش، فإنه سيتم انتقاده كحاكم.”

إمبراطورية اقتصادية بلا منازع

لقد لخص اللواء محمود نصر المشهد عندما قال عام 2012، ” سنقاتل من أجل مشاريعنا، وهذه معركة لن ننسحب منها. لن نتخلى عن جهودنا التي دامت 30 عامًا لشخص آخر يقوم بتدميرها. لن نسمح لأي شخص -كائناً من كان- أن يقترب من مشاريع القوات المسلحة.”

وكانت القوات المسلحة قد أصبحت قوة اقتصادية مهمة في أعقاب اتفاقيات كامب ديفيد مع إسرائيل عام 1978، وتلقيها مبالغ سخية من الولايات المتحدة ضمن مساعدات عسكرية سنوية. وبينما خفضت حكومة مبارك إنفاقها على الدفاع خلال التسعينات، في إطار برامج الانفتاح الاقتصادي، فإن الجيش زاد من أنشطته الاقتصادية بالتوازي. وتم دعم مجموعة كبيرة من الشركات التابعة للجيش – بدءاً من البنية التحتية والزراعة إلى التعدين – عن طريق الإعفاءات الضريبية، وأفضلية الحصول على العقود الحكومية الرئيسية، واستخدام المجندين كعمالة مجانية، بالإضافة إلى الحسابات المصرفية السرية، وعدم الخضوع لأي إشراف فعال.

ولا تتوافر أي معلومات مهمة عن الإمبراطورية الاقتصادية للجيش المصري، على الرغم من أهمية ذلك، وتُعامل ميزانية الدفاع المصرية (التي قُدرت بنحو 4.5 مليار دولار أمريكي في عام 2016) على أنها سر من أسرار الدولة، ولا تتوفر أي تفاصيل تُذكر عن الإنفاق الدفاعي في البلاد. وكذلك يتم تصنيف المعلومات الأساسية التي لا علاقة لها بالدفاع على أساس “الأمن القومي”. وبنفس الطريقة، تُعتبر عوائد الشركات والمشروعات التي تمتلكها المؤسسة العسكرية مبهمة تماماً.

ويذكر موقع هيئة مشروعات الخدمة الوطنية التابعة للجيش أن هناك 21 شركة تمتلكها الهيئة، وذلك في مجالات الزراعة والصناعات الغذائية، والمجال الصناعي، والمجال الهندسي، والمجال الخدمي، ومجال التعدين. لكن الموقع يشير فقط إلى أن هذه الشركات هي “بعض الشركات الكبرى التي نتعاون معها في الوقت الحالي.” ويُقدر بعض الخبراء حجم حصة الجيش في الاقتصاد المصري أنها تصل إلى 40٪ ، لكن القوات المسلحة والسيسي يزعمون أنها منخفضة ولا تتعدى 1.5%.

قناة السويس واقتصاد الجيش

وتكشف قناة السويس بوضوح مدى الترابط الوثيق بين القوة السياسية والاقتصادية للجيش المصري. ففي عام 2013 ، إبان فترة حكم الرئيس مرسي، أشعل مشروع تطوير منطقة قناة السويس، الذي أدرجه مرسي في خط التنمية لحكومته، أشعل التوتر بين الجيش وجماعة الإخوان المسلمين، الحاكمة آنذاك. ويقول بعض المحللين إن هذا الأمر بالذات كان أحد العوامل الرئيسية التي دفعت القوات المسلحة إلى التحرك لإسقاط مرسي والانقلاب عليه. ويلخص أحد كبار المحللين في مصر التهديد الذي شكلته خطط مرسي لتطوير منطقة القناة على الوضع الاقتصادي للجيش بقوله: “كان الإخوان المسلمون في طريقهم لتعزيز موقعهم (في الحكم) اقتصادياً عبر تطوير منطقة القناة … وكان من شأن هذا أن يجرد الجيش من سيطرته على أكبر مشروع تنموي في مصر على مدى العقدين القادمين.”

السيطرة على الأراضي

وإلى جانب المشاريع العملاقة التي يسيطر عليها الجيش، تمارس القوات المسلحة نفوذاً وسلطات لا مثيل لها على الأراضي العامة، وتتمتع “برقابة تنظيمية واسعة النطاق على التخطيط والتخصيص والإدارة.” وبموجب قانون 1981، يمتلك وزير الدفاع صلاحيات واسعة النطاق على الأراضي الصحراوية ، التي تشكل حوالي 94 في المائة من مساحة مصر: بما في ذلك تحديد ما إذا كان يمكن تخصيص قطع من الأراضي للقطاع الخاص، وتخصيص الأراضي المخصصة للاستخدام العسكري أو الاستراتيجي. ومن غير الواضح كيف يمكن أن يحدد العسكر ما إذا كانت قطعة من الأرض يمكن تخصيصها للقطاع الخاص، أو للأفراد، وكيف يختارون الأراضي التي يخصصونها لهم. وبموجب مرسوم رئاسي صدر عام 1982، تستطيع هيئة مشروعات الأراضي، التابعة للقوات المسلحة، إدارة بيع الأراضي المملوكة للجيش لأطراف أخرى.

أمن مصر تحت التهديد

لقد تدهور الوضع الأمني ​​في مصر بشكل كبير في السنوات الأخيرة. وقد سعت القوات المسلحة لمواجهة التمرد في سيناء، وسط تعتيم إعلامي كبير. ولم تقتصر الهجمات الإرهابية والطائفية مقتصرة على سيناء فقط، بل امتدت إلى أجزاء أخرى من البلاد، بما في ذلك القاهرة نفسها، وتسببت في مقتل مئات المدنيين. وصنفت الحكومة جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية وأجبرتها على العودة للعمل تحت الأرض من جديد (بعد أن كانت تحكم البلاد)، وفي نفس الوقت، تم قمع المعارضة العلنية ضد السلطة – سواء في وسائل الإعلام أو منظمات المجتمع المدني.

وفي الحقيقة، فإن الجيش المصري يخاطر بتقويض قدرته على توفير الأمن للبلاد، من خلال حرصه على زيادة نفوذه الاقتصادي، في ظل عدم خضوعه المساءلة والتدقيق. وفي عام 2009، بعد مرور عقود على جمهورية الضباط، أرسل السفير الأمريكي في مصر برقية إلى واشنطن ليخبر بلاده أن “الجاهزية التكتيكية والتشغيلية للقوات المسلحة المصرية قد تدهورت”. وقد تم تأكيد هذه المخاوف مؤخراً بسبب الحوادث الناتجة عن عدم الكفاءة العسكرية والتي كانت لها عواقب وخيمة. ففي عام 2015 ، قتلت قوات الأمن المصرية، عن طريق الخطأ، اثني عشر شخصًا، من بينهم ثمانية سياح مكسيكيين، كانوا يظنون أنهم متشددون.

المحور الثالث: استراتيجيات الجيش لتعزيز سلطته السياسية

في المحور الثالث، يناقش التقرير تبني الجيش أربع استراتيجيات رئيسية لتعزيز وضعه السياسي في البلاد. ففي عهد عبد الفتاح السيسي، عملت القوات المسلحة المصرية بجدية لتعزيز وضعها القوي الذي يمنحها امتيازات اقتصادية فريدة ويبعدها عن أي مساءلة مدنية مستقلة. ولتحقيق هذا الهدف، يتبع الجيش أربع استراتيجيات رئيسية، وهي:

1- ضمان وجود عدد كبير من ضباط الجيش في المناصب العليا للدولة؛

2- تمرير تشريع يضمن استمراره في منح نفسه حقوق تتسع وتتمدد باستمرار؛

3- قمع المعارضة بوحشية؛

4- تنفيذ حملة علاقات عامة تهدف إلى زيادة ثقة جماهير الشعب في المؤسسة العسكرية.

سحق جماعة الإخوان ككيان سياسي قوي

إن الإطاحة بمرسي وسحق الإخوان المسلمين ككيان سياسي متماسك كان مقصوداً من أجل إفراغ الساحة للقوات المسلحة من أي منافس جاد يمكن أن يشكل خطراً على قوتها داخل مصر. ففي 3 يوليو، أعلن عبدالفتاح السيسي انقلابه العسكري على مرسي، وأوقف العمل بالدستور، وعين عدلي منصور كرئيس مؤقت؛ بعد أن استغل احتجاجات قادتها حركة تمرد، التي اتضح فيما بعد أنها كانت تعتمد في تمويلها على حساب مصرفي يديره جنرالات الجيش وتغذيه الإمارات العربية المتحدة (للتمهيد بغطاء مدني للانقلاب على الرئيس المنتخب). وفي أغسطس، أدى تفريق قوات الأمن لاعتصامي رابعة العدوية والنهضة في القاهرة، اللذان كانت تنظمهما جماعة الإخوان ومؤيدو مرسي احتجاجاً على الإطاحة به وإلقاء القبض عليه، أدى إلى مقتل 900 شخص على الأقل وإصابة آلاف آخرين. وتم اعتقال المئات ممن شاركوا في الاحتجاجات لمحاكمتهم في محاكمات جماعية. وفي ديسمبر 2013، تم تصنيف جماعة الإخوان كمنظمة إرهابية. وفي العام الذي أعقب الانقلاب، تم اعتقال حوالي 41،000 شخص ، أغلبهم من أنصار مرسي وجماعة الإخوان. وصدرت أحكام بالإعدام ضد 529 من أعضاء الإخوان المسلمين في حكم واحد في عام 2014.

سحق الأصوات المعارضة

وبالإضافة إلى تنكيلها بجماعة الإخوان المسلمين، فقد سعت حكومة السيسي إلى سحق أي صوت معارض آخر؛ فتم استهداف المتظاهرين ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام بشكل خاص. وأصبحت مصر ثالث أكبر سجاني العالم.

وبعد وصولها إلى السلطة على خلفية احتجاجات شعبية (حتى وإن كان من ورائها العسكر)، سارعت الحكومة المؤقتة، بإيعاز من الجيش، إلى اتخاذ تدابير لمنع حدوث الشيء نفسه مرة أخرى. فأصدرت قانون التظاهر عام 2013 ووضعت قيوداً صارمة على حرية التجمع العام. ومنح القانون مسؤولي الأمن وضباط الشرطة الحق في حظر الاحتجاجات واحتجاز المتظاهرين بناء على اتهامات غامضة.

المحور الرابع: خلاصات واستنتاجات

لقد لعبت القوات المسلحة في مصر دوراً كبيراً في الحياة المدنية على مدى العقود التي سبقت الاحتجاجات التي حدثت عام 2011 وأطاحت بالرئيس حسني مبارك. ومنذ ثورة يناير، قام الجيش بتدعيم وتوسيع دوره، من خلال إدارة الفترة الانتقالية في عامي 2011 و 2012، ثم الإطاحة بأول رئيس مدني منتخب ديمقراطياً في البلاد في عام 2013؛ وأخيرا قام بتنصيب رئيس للبلاد من المؤسسة العسكرية، وهو الجنرال عبدالفتاح السيسي. وبهذا ضمنت القوات المسلحة المصرية استمرارية وتوسعة إمبراطوريتها التجارية وامتيازاتها الاقتصادية، متصدية أثناء ذلك لأي انتقاد من طرف المعارضة حول الدور الذي تلعبه في الحياة المدنية. وتروج القوات المسلحة المصرية لنفسها على أنها “مؤسسة وطنية لا يختلف عليها اثنان” وأنها “تقوم بتوفير خدمات صحية وتعليمية لجماهير الشعب، في الوقت الذي تفشل فيه الشركات الأخرى”.

ولطالما اعتبرت حكومة الولايات المتحدة النظام في مصر شريكا استراتيجيا رئيسيا في المنطقة، وهو ما يتضح من خلال المساعدة الأمنية الكبيرة التي تقدمها للجيش. ومع ذلك، فهناك مخاوف جدية حول ما إذا كانت هذه الشراكة تعزز بالفعل الاستقرار الداخلي والإقليمي في شكله الحالي. وإلى جانب المساعدة الأمنية، ساهم الدعم الدولي والمساعدات المالية الأوسع نطاقاً في مصر ما بعد مبارك في زيادة قدرة القوات المسلحة على تعزيز قوتها، وإحكام قبضتها على الاقتصاد.

إن عمل مؤسسة كبيرة وقوية مثل الجيش المصري دون أدنى درجات الشفافية والمساءلة يمثل خطرا أمنيا كبيرا على البلاد – ويمكننا القول إنه يضاهي في خطره قوى التطرف الراديكالية التي لم يتمكن الجيش حتى الآن من القضاء عليها. إن الغياب التام للرقابة المستقلة يؤدي إلى مخاطر فساد عالية للغاية، ويمكّن الجيش من إساءة استخدام السلطة.

وتفتقر القوات المسلحة، التي انشغلت بجمع الثروة وتكريس السلطة والنفوذ، إلى القدرة والكفاءة لتحقيق هدفها الرئيسي في حماية البلاد؛ وأصبحت غير قادرة على الرد على التهديدات الأمنية (كما يحدث في سيناء). وجدير بالذكر أن الأسباب التي أدت إلى احتجاجات عام 2011 لا تزال حاضرة بقوة. وعلى الرغم من كون مصر واحدة من أكبر مستوردي القدرات الدفاعية في العالم، إلا أنها لا تبدو قادرة على التصدي الفعال للتمرد الحاصل في سيناء، بنفس القدر.

وفي بيئة لا يوجد فيها أي مجال ولو كان صغيراً للشفافية والمساءلة، فإن على المجتمع الدولي أن يقوم بدور حيوي للتعامل مع هذا الأمر. فالحكومات الفاسدة لا يمكن أن تكون شريكاً موثوقاً به في جعل منطقة أكثر استقرارًا مهما تلقت من دعم دولي كبير. وليس هناك مثال على ذلك أوضح من الدعم الذي تتلقاه القوات المسلحة المصرية، وهو في الحقيقة دعم في غير محله.

لقد خرب الجيش بالفعل آمال كثير من المصريين في عقد اجتماعي جديد بعد الاحتجاجات التي حدثت في عام 2011. وقد قام الجيش بذلك بعد تلقيه دعم ضمني – ولكنه حيوي – من المجتمع الدولي. وقد ساعد منح النظام العسكري في مصر غطاء الشرعية الدولية، وتقديم مساعدات امنية كبيرة له، بما في ذلك التدريبات المشتركة، ساعد ذلك على تعزيز موقف الجيش اقتصادياً وسياسياً في البلاد.

وختاماً..

ويختتم تقرير الشفافية الدولية بقوله: “إن عدم الاعتراف بأن القوة السياسية والاقتصادية الواسعة للقوات المسلحة المصرية هي أحد الأسباب الرئيسية للمشاكل التي تعاني منها مصر، يقوض الجهود الدولية لمساعدة البلاد على التحرك في الاتجاه الصحيح. ولذلك فإنه يجب أن يتم التصدي لإساءة استخدام السلطة من قبل الجيش كأولوية من الدرجة الأولى. وفي غياب من يستطيع المنفحة عن ضرورة تعزيز الرقابة الداخلية من قبل المدنيين على أمور الدفاع، فربما يكون المجتمع الدولي الآن هو الوحيد الذي يمكنه القيام بدور هام في هذا الشأن. فينبغي عليه أن يلزم الجيش بالالتزام بمتطلبات الشفافية، وإخضاع ميزانياته وأنشطته العسكرية لإشراف ورقابة مستقلة من قبل الشعب، كشرط أساسي للحصول على أي دعم دولي.”

3- المحور الاجتماعي

أولاً: الوضع الاجتماعي في مصر قبيل ثورة يناير 2011

اتسم أداء الحكومة المصرية في الفترة السابقة على ثورة يناير عام 2011 بالجمود والتدهور , وتردت أحوال المجتمع , وانتشر الفساد الإداري والاقتصادي والسياسي , فضلاً عن انتشار الفساد الاجتماعي ولا شك أن الفساد يعتبر واحدا من أهم أسباب ضعف وفشل الدولة , ويؤدى في الوقت ذاته إلى التخلف الاقتصادي والاجتماعي، وانتهاك الحقوق الأساسية والإجراءات القانونية للفرد في المجتمع.

وكان من نتائج تدهور أداء الحكومة المصرية ازدياد مشاعر الإحباط والاكتئاب، مما دفع قطاعات عديدة من المواطنين إلى تكوين وتأسيس حركات احتجاجية اجتماعية تعبيرا عن الغضب العام من تردى أحوال وسياسية، وكانت هذه الحركات تعبيرا واضحا عن المجتمع المصري.

*وقد نشرت الكلية البحرية العليا في مونتيري، كاليفورنيا، الولايات المتحدة، في سبتمبر 2014 دراسة بعنوان: “الدوافع الاقتصادية وراء الثورة المصرية عام 2011” ، ذكرت فيها:

– على الرغم من أنها حدثت على مدى 18 يوماً فقط، إلا أن الثورة المصرية عام 2011 كانت حدثا سياسيا واجتماعيا مهما في تاريخ الشرق الأوسط الحديث. جاءت الثورة المصرية في أعقاب ثورة تونس الناجحة. ومع التركيز على مصر كدراسة حالة، تبحث هذه الأطروحة الدوافع الاقتصادية للثورة وآثارها الاجتماعية في مصر- وعلى وجه التحديد ، فإنه يركز على مفاهيم الفقر، وعدم المساواة في توزيع الدخل، وبطالة الشباب باعتبارها من الأسباب الرئيسية لاندلاع المظاهرات.

وشمل بعض ما خلصت إليه الدراسة الآتي:

كانت الثورة المصرية احتجاجا على تدهور الحالة الاقتصادية، مما أدى إلى زيادة الفقر والبطالة إلى جانب عدم التكافؤ في توزيع الدخل، والذي ساهم ارتفاع معدل البطالة بين الشباب وأدى إلى ارتفاع مستوى الفقر في البلاد بشكل كبير. كانت الأوضاع الاقتصادية المتدهورة حافزا قويا لثورة 2011 وظلت مكونا هاما في الانتفاضة السياسية.

ثانياً: الوضع الاجتماعي الحالي في مصر

نشرت كريستيان ساينس مونيتور في 23 أبريل 2018 تقريرا بعنوان: “كيف يهدد الفقر المتفاقم في مصر قبضة السيسي القوية” أعده تايلور لوك، وجاء فيه:

وافق المصريون على “ربط الأحزمة” لإعطاء السيسي الوقت اللازم لإجراء إصلاحاته الاقتصادية المؤلمة التي فرضها صندوق النقد الدولي. لكن دون حدوث أي تغير ملموس في الوضع الاقتصادي المتدهور، فإن صبرهم قد ينفد قريباً. وهناك بالفعل مؤشرات على ذلك منها اللامبالاة التي أظهرها المصريون حيال الانتخابات.

وعلى الرغم من إعادة انتخابه لفترة ثانية وتجدد الحديث عن التعديلات الدستورية لجعله رئيسا مدى الحياة، فإن القبضة القوية لعبد الفتاح السيسي على السلطة أبعد ما تكون عن أن تكون مطلقة مع ولوجه إلى فترة ولايته الثانية.

ويحذر المحللون من أن الجنرال السابق الذي يرأس مصر في وضع أكثر غموضاً عما كان عليه عندما وصل إلى السلطة في انقلاب عام 2013. واليوم، تواجه أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان العديد من التحديات الاقتصادية والأمنية والدبلوماسية التي تعتبر اختبارا لقيادة السيسي ودعم الجيش له. ويقول محللون إن أكثر المخاطر المباشرة التي يتعرض لها السيسي هو الاقتصاد المصري المتدهور وأمراضه المزمنة، وما يترتب على ذلك من خطر عدم الاستقرار.

وحتى الآن، أعطت غالبية المصريين الوقت الكافي للسيسي لتنفيذ إصلاحاته الاقتصادية المؤلمة التي فرضها صندوق النقد الدولي، ووافقت على “ربط الأحزمة” من أجل مصلحة البلاد. فلم تحدث هناك احتجاجات في البلاد التي تخضع لسيطرة أمنية شديدة. ولكن إذا لم يكن هناك تحول دراماتيكي في الاقتصاد وخلق فرص العمل خلال العامين المقبلين، فإن هذا الصبر سينفد، كما يحذر المحللون.

يقول عبد الله هنداوي، كبير المحللين في المؤسسة العربية بواشنطن: “الغالبية في مصر هم الفقراء، ومعظمهم يعانون من التضخم ويتأثرون أكثر بهذه التدابير التي اتخذها السيسي – وهم الأكثر تقبلا لأي تحشيد متوقع لأنهم حرفيا ليس لديهم ما يخسرونه”. وأضاف: “الانتفاضة الشعبية المقبلة لن تكون حول المظالم السياسية والعدالة الاجتماعية كما كانت في عام 2011 ، ولكنها ستندلع لأن الناس سيكونون متعبين ومرهقين ويائسين. وهذا أكثر خطورة بكثير من ذي قبل.” وفي دراسة عن الآثار الاجتماعية للقرارات الاقتصادية الأخيرة في مصر، نشرها مركزالجزيرة للدراسات، يقول د. مصطفى العزب:

عقب تداعيات ثورة 25 يناير عام 2011، وتولي السيسي حكم البلاد دخلت مصر مفترق طرق خطير أدى إلى تخبط الحكومة وتدهور الأوضاع الاقتصادية نتيجة لحالة التخبط والانحلال والتسيب التي كانت مصر قد مرت بها خلال الفترة من 25 يناير/كانون الثاني 2011 وحتى 30 يونيو/حزيران 2014. فلم يعد أمام الحكومة مزيد من الخيارات لتحسين حالة الاقتصاد والعودة بمصر إلى حالة الاستقرار والأمن وتوفير الحاجيات الأساسية للمواطنين مما أدى بها إلى الاستدانة من صندوق النقد الدولي والالتزام بتطبيق توجيهاته والتي شملت القيام بحزمة من الإصلاحات النقدية والمالية أملًا في أن يتمكن الاقتصاد المصري من التعافي ومواجهة التحديات القائمة وتحقيق معدلات في النمو والتشغيل بما يتناسب مع الواقع الاجتماعي لمصر.

وكان من بين حزمة القرارات الاقتصادية قرار تحرير سعر الصرف أمام الدولار. والحقيقة أنه كان أمام الحكومة المصرية خياران لتحرير سعر الصرف، وهي: إما الخفض التدريجي لسعر الصرف، أو التعويم، لكن الحكومة اختارت التعويم تحقيقًا لشروط صندوق النقد الدولي للحصول على قرض.

ونتيجة لهذا القرار الاستراتيجي ازدادت الحالة الاقتصادية في مصر تخبطًا وتدهورًا فزادت أسعار السلع بشكل جنوني مما أثَّر على الأسر المتوسطة والفقيرة وأدى إلى حدوث خلل في المنظومة الاجتماعية وفي أولويات الأسرة المصرية. ولكي تتفادى الحكومة آثار هذا القرار المصيري، لجأت إلى حزمة من الإجراءات الاحترازية والإصلاحية في سبيل تحقيق الاستقرار الاقتصادي على المدى البعيد. لكن كل هذه الجهود لم تسمن ولم تغنِ من جوع، بل زادت الطين بلَّة ودفعت بالشباب المصري إلى الهجرة والتخلي عن أهم متطلباته وأهدافه في الحياة.

وكان من بين البرامج الاحترازية التي لجأت لها الحكومة إقرار برنامج تكامل وكرامة وبرنامج معاش الضمان الاجتماعي، بالإضافة إلى توفير حوالي 200 مليار جنيه لقروض المشاريع الصغيرة والمتوسطة وتوفير وحدات سكنية للشباب أملًا في التقليل من حدَّة هذه القرارات على واقع الشارع المصري.

أما السياسات الاقتصادية الإصلاحية فقد تلخصت في فرض الرسوم الجمركية والقيود الإدارية والجبائية ورفع أسعار الكهرباء والمياه والوقود وخدمات الهاتف المحمول، وجاء إقرار هذه الإجراءات كما يلي: المياه: وافقت الحكومة، خلال شهر يناير 2016، على زيادة ثمن المتر المكعب من المياه، وقد بلغت الزيادة في تعريفة المياه نحو 70% مقارنة بأسعار المحاسبة فيما قبل عام 2011. الكهرباء: تم رفع أسعار الكهرباء في إطار خطة الحكومة لرفع الدعم تدريجيًّا على مدار سنوات، والتي قفزت خلال السنوات السبع التي تلت الثورة إلى ثلاثة أضعاف.

الرسوم الحكومية: اعتمد مجلس النواب المصري في العام 2016 قرارات برفع أسعار بعض الرسوم والخدمات الحكومية، وكان أبرزها زيادة مصروفات إقامة الأجانب في مصر من 80 جنيهًا إلى 1000 جنيه عن كل سنة إقامة، وكذلك ارتفعت رسوم الحصول على الجنسية، فضلًا عن زيادة الحد الأقصى لرسوم إصدار صور قيود وقائع الزواج والطلاق، وزيادة الحد الأقصى لمقابل تكاليف إصدار البطاقة الشخصية أو تغيير بياناتها، أو إصدار بدل فاقد أو تالف، كما تمت زيادة الرسم على المصريين الراغبين في العمل خارج البلاد من 60 جنيهًا إلى 200 جنيه للمؤهلات العليا، و100 جنيه لغيرهم. كما رفعت الحكومة الرسوم الجمركية على حزمة من الواردات كالسلع الترفيهية والسيارات والسجائر والأجهزة الإلكترونية وغيرها من وسائل الترفيه.

الضريبة المضافة: تم تعديل قانون الضريبة على القيمة المضافة كذلك لتكون بدلًا عن الضريبة العامة على المبيعات، وتصبح 13%، على أن تزيد إلى 14% بدءًا من العام المالي 2017-2018، مما أدى إلى زيادة أسعار بعض السلع الأساسية، وكذلك أسعار السجائر وبطاقات تعبئة الهاتف، بالرغم من تأكيد الحكومة أن السلع الأساسية لن ترتفع أسعارها؛ لأن أغلب السلع الغذائية مُعفاة من الضريبة، ومع ذلك فقد قفزت الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة.

البنزين والسولار: قرَّرت الحكومة رفع أسعار البنزين والسولار وغاز السيارات والمنازل وأسطوانات الغاز تنفيذًا لتوصيات صندوق النقد الدولي بعد تحرير سعر الصرف، ونلاحظ أن زيادات أسعار الطاقة في مصر قد تضاعفت بنحو ست مرات منذ 2011 وحتى 2018؛ حيث زاد سعر البنزين من 80 قرشًا إلى 550 قرشًا. الجدير بالذكر أن ارتفاع الوقود يتسبَّب في صعود أسعار الكثير من السلع، بالإضافة إلى استخدام السولار في بعض ماكينات الزراعة؛ الأمر الذي رفع من أسعار الخضروات، كما يتسبب في رفع أجرة المواصلات والنقل والشحن. ونتيجة لذلك وصلت نسبة الزيادة في أسعار الوقود وباقي الخدمات التي تقدمها الحكومة لأكثر من 15% من السعر الرسمي؛ حيث استهدفت الحكومة خفض الدعم عن المواد البترولية بنسبة 26% خلال عام 2018.

عقب تحرير سعر الصرف وانخفاض سعر العملة المحلية، سارع البنك المركزي المصري إلى رفع أسعار الفائدة بنسبة 7% لتصل إلى 18.75% و19.75% على الإيداعات والقروض لمواجهة التضخم الذي قفز بسرعة بعد قرار التعويم. كل هذه الإجراءات لم تؤد إلى نتائج إيجابية على الاقتصاد المصري بل أدت إلى نتائج سلبية وخطيرة على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

فمن الناحية الاقتصادية، فإن تحرير سعر الصرف والقفزة الهائلة للدولار أحدث صدمة كبيرة في الأسواق المصرية؛ حيث زاد سعر صرف الدولار بنسبة 40% عن سعره الرسمي قبل قرار التعويم، وهذه القفزة تلتها قفزات متتابعة في أسعار السلع والوقود وأسعار الأدوية والعلاج والنقل والمواصلات وأيضًا أسعار مواد البناء وغيرها من السلع الأساسية إلى جانب زيادة أسعار الخضر والفواكه. كل هذه الزيادات انعكست على الأوضاع المعيشية للمصريين بصورة سلبية خطيرة خاصة أن مصر تستورد كميات كبيرة من حاجياتها الأساسية من الخارج ناهيك عن وجود صعوبات في جذب الاستثمارات الأجنبية وتراجع مؤشر السياحة في مصر، حيث احتلت مصر خلال عام 2017 المرتبة 74 من إجمالي 136 دولة في مؤشر تنافسية السياحة.

وعلى الصعيد الاجتماعي، فإن حزمة الإجراءات التي أصدرتها الحكومة المصرية إبان إصدار قرار التعويم لم تتناسب مع الطبيعة الديمغرافية والواقع الاجتماعي للمجتمع المصري؛ فلم تأخذ في الحسبان الزيادة المطردة في أعداد السكان والذي وصل عام 2014 إلى 85.8 مليون نسمة مقارنة بـ82.5 مليون نسمة عام 2012(8)، وأيضًا معدلات البطالة وقلة فرص العمل حيث زادت نسبة معدلات البطالة بين الشباب من 26.3% إلى 38.3% عام (2010/2012) وفقًا لتقديرات منظمة العمل الدولية. كما تظهر بيانات المؤسسة الأوروبية لعام 2012 أن نسبة الشباب المحرومين من العمل والتعليم والتدريب في الفئة العمرية 15-24 عامًا تقترب من 30% في مصر.

أسهمت هذه الإجراءات في تفاقم الأوضاع الاقتصادية أكثر من ذي قبل وتآكل الطبقة المتوسطة واختفائها إلى حد كبير، فلم تدفع طبقة ثمنًا لإجراءات الإصلاح الاقتصادي التي تتبناها السلطات مثلما دفعت الطبقة الوسطى. فهي تتحمل الأثر الأكبر من ذلك التدني والتدهور سواء في الأحوال الاقتصادية أو الاجتماعية، ففي السنوات الأخيرة، سقطت الشريحة الأسفل من الطبقة الوسطى إلى الطبقة الفقيرة، وهبطت الشريحة المتوسطة إلى الأسفل، والأعلى إلى المتوسطة.

أيضًا، هناك عوامل أخرى ترتبط بالأوضاع السياسية في مصر أسهمت في زيادة الانعكاسات السلبية لتلك القرارات على الواقع المعيشي للمصريين، من بينها: سيطرة النخبوية على فرص العمل المتاحة في الأسواق وسوء توزيع الثروات والموارد المتاحة على أصحاب المشاريع الصغيرة وصغار الحرفيين والمنتجين، بالإضافة إلى الفساد الإداري والحكومي وانتشار المحسوبية والوساطة وضعف التخطيط والنظرة البراغماتية للقطاعات الاقتصادية خصوصًا أن الرئيس السيسي ركز منذ توليه على مشاريع ضخمة تخدم وتصب في مصلحة الطبقات العليا وأصحاب رؤوس الأموال والشركات دون الالتفات للطبقات الدنيا في المجتمع، مما زاد الشرائح الغنية غنىً وزاد الطبقة الفقيرة فقرًا وتدهورًا، فضاعت نتيجة لذلك الطبقة المتوسطة وأدى ذلك إلى تآكلها إلى حد كبير.

هذه العوامل مشتملة لعبت دورًا كبيرًا في تفشي الظواهر الاجتماعية وتدهور الأحوال المعيشية من صحة وتعليم ونقل ومواصلات وسكن وتسبب ذلك في زيادة الجرائم وانتشار الأمراض وزيادة نسبة التسرب من التعليم وظهور عدد كبير من حالات الانتحار والاكتئاب والعزلة الاجتماعية والتفكك الاجتماعي وزيادة معدلات الطلاق كما سنشير لاحقًا، وأيضًا زيادة معدلات الفقر إلى مستويات غير مسبوقة. حيث أشار تقرير التنمية البشرية لعام 2008 إلى أن نسبة الفقر في مصر وصلت إلى 20.7%، ثم ارتفعت إلى 25%، عام 2011، واستمرت في الارتفاع إلى أن وصلت إلى 26.3%، عام 2014، حسب ما أشار إليه رئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء على البوابة نيوز في 9 أبريل/نيسان 2014(10).

تنحصر أهم القرارات الاقتصادية في مصر خلال (2011/2018) في أربعة قرارات مصيرية، هي:

– تحرير سعر الصرف

– رفع أسعار الفائدة.

– خفض الدعم عن الخدمات التي تقدمها الحكومة.

– فرض ضريبة القيمة المضافة.

هذه القرارات ترتب عليها العديد من الآثار والانعكاسات السلبية على مستوى التشغيل والتوظيف ومن ثم البطالة وارتفاع الأسعار ثم الواقع الاجتماعي لقطاعات عريضة من المجتمع المصري وتبدل المنظومة الاجتماعية وتغير الأولويات من صحة وتعليم وسكن وزواج وطلاق…إلخ.

ولعل من بين الآثار الاجتماعية للقرارات الاقتصادية خلال هذه الفترة ما يلي:

زيادة معدلات البطالة

بلغت نسب البطالة أقصى درجاتها خلال فترة وجيزة؛ فقد أشار مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار عام 2014 إلى أن معدل البطالة وصل في مصر إلى 13.4% مقارنة بنسبة 13.2% خلال عام 2013 ليبلغ عدد العاطلين حوالي 3.6 ملايين نسمة وهو الأعلى على الإطلاق منذ عشر سنوات . وتتركز البطالة بدرجة أكبر بين المتعلمين من الشباب لتصل بين الشباب في فئة (15 -29) الحاصلين على مؤهل عال إلى نحو 45%.

ارتفاع معدلات الفقر

أكَّد تقرير رسمي صادر عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في مصر أن 40% من المصريين يعيشون تحت خط الفقر ، ونسبة الذين يعيشون في حالة الفقر 26.3% من إجمالي عدد السكان عام (2012/2013)، وهي نسب ترتفع على نحو كبير في محافظات الوجه القبلي وريف الوجه البحري. وتشير البيانات الإحصائية التي صدرت عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء فيما يتعلق ببيانات بحث الإنفاق والاستهلاك والدخل (2012/2013) إلى تركز نسب الفقر في المناطق الريفية أكثر من المناطق الحضرية في مصر خلال هذه الفترة.

كما ارتفعت نسبة الفقر، عام 2015، إلى 5.3% مقارنة بنسبة 4.4% عام 2012. وتأتي هذه النسبة لتؤكد ارتفاع عدد الفقراء بعد ارتفاع أسعار المواد الغذائية وغلاء المعيشة في مصر. وذلك كنتيجة حتمية لزيادة معدل التضخم في مصر بعد رفع الدعم عن حزمة من السلع الأساسية التي يحتاجها الشارع المصري أهمها الوقود والكهرباء والغاز؛ حيث كشف الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء عن زيادة معدل التضخم في ديسمبر/كانون الأول 2017 ليبلغ 22.3% مقارنة بشهر ديسمبر/كانون الأول 2016.

الانقسام الاجتماعي وزيادة الأمراض الاجتماعية

ترافقت الإجراءات الاقتصادية مع تغيرات أكثر خطورة على مستوى ديمغرافية المجتمع المصري حيث بلغ تعداد السكان وفقًا لإحصائية 2017 حوالي 95 مليون نسمة يسكنون 7.8% من مساحة مصر الكلية التي تبلغ مليون كيلو متر مربع، ويتركز أغلبهم في المناطق الحضرية حول منطقة الدلتا خصوصًا في المدن الكبرى، القاهرة والجيزة والإسكندرية. وقد نتج عن هذه السياسات وانتهاج الحكومة نظرة براغماتية نفعية في قرارتها الاقتصادية زيادة نسبة الهجرة الداخلية من الريف إلى الحضر بحثًا عن فرص العمل التي تتركز في المدن الكبرى؛ حيث شكَّلت هذه الهجرات عاملًا خطيرًا في بنية المجتمع المصري وزادت من حالة الاحتقان الداخلي بين المواطنين ناهيك عن تدهور العلاقات الاجتماعية وتفكك الكثير من الأسر، إما لقلة ذات اليد وضعف الإمكانات المادية أو نتيجة لهجرة أعداد كبيرة من المصريين إلى الخارج وهذا زاد من الأعباء النفسية والأدوار الاجتماعية على الأمهات وربات البيوت وأثقل كاهل الأسرة المصرية بمزيد من الأعباء الوظيفية في ظل غياب الآباء.

وقد شكَّل هذا بيئة خصبة لتفاقم المشكلات الأسرية وزيادة حالات الطلاق وزيادة نسبة التسرب التعليمي وتفشي الجرائم والقتل والسرقة بالإكراه والاتجار بالمخدرات والتحرش والاغتصاب ووصل الأمر إلى انتشار الأمراض الاجتماعية والأخلاقية والجنسية إضافة لظهور عدد من حالات الانتحار في المجتمع المصري خلال السنوات العشر الأخيرة. فقد كشفت إحصائية رسمية لمنظمة الصحة العالمية أن هناك 88 حالة انتحار من بين كل 100 ألف مواطن مصري وتعود هذه الإحصائية إلى آخر البيانات المتوفرة التي تعود لعام 2014 حيث ربط قطاع من المصريين بين الانتحار والظروف المعيشية الضاغطة التي خلَّفها برنامج الإصلاح الاقتصادي عام 2014. كما تشير أرقام غير رسمية إلى ارتفاع معدلات الانتحار في مصر خلال السنوات القليلة الماضية (21). وبحسب التقرير الصادر في اليوم العالمي لمكافحة الانتحار، 2015، فقد وقعت 157 حالة انتحار، منذ مطلع يناير/كانون الثاني 2015 وحتى أغسطس/آب 2015، بخلاف الحالات التي تم إنقاذها. كما أكد تقرير الأمن العام الذي تصدره وزارة الداخلية المصرية سنويًّا أن عام 2011 شهد 253 حالة انتحار وشروع في الانتحار، وزاد هذا العدد ليصل إلى 310 حالات في 2012.

زيادة الفوارق الاجتماعية

أصبحت أغلب الطرق القانونية مغلقة أمام شرائح كبيرة من المواطنين باستثناء بعض فئات الطبقة المتوسطة التي تتمتع بعلاقات اجتماعية تربطها بأصحاب الأعمال والسلطة الحاكمة؛ حيث سيطرت النخبوية على قطاعات الدولة نتيجة لانخفاض الدخل عمومًا وسوء توزيع الفرص وخروج الغالبية العظمى من الشعب من حالة النشاط الاقتصادي.

وقد تسبب هذا في ضعف التنوع الاجتماعي في الوظائف المتاحة واستحواذ الشريحة العليا من المصريين بنسبة 10% من إجمالي السكان على نسبة 25% من الناتج المحلي الإجمالي. وبالتالي، زادت الفوارق الاجتماعية فاتسعت الفجوة بين الأغنياء والفقراء حيث أظهرت مؤشرات الدخل والإنفاق والاستهلاك في مصر تفاوتًا واضحًا في توزيع الدخل وحجم الإنفاق بين الفئة الدنيا والفئة العليا؛ حيث وصلت نسبة المصريين الذين يعيشون تحت خط الفقر إلى حوالي 25% من إجمالي السكان(23)، في حين تآكلت الطبقة الوسطي وتركزت الثروات ومصادر الدخل في يد قلة قليلة من أنصار النظام الحاكم مما زاد من اتساع الفجوة بين الطبقتين وزيادة الأعداد الوافدة إلى سوق العمل، فنتج عنه معدلات عالية من البطالة لم تستثن المتعلمين من الشباب بل على العكس فاقت معدلات البطالة بين خريجي الجامعات نظيرتها بين الفئات الأخرى. وهذا أدى إلى ارتفاع معدلات الفقر وزيادة التفاوت الطبقي في صورة الدخول والثروات أو بين الريف والحضر أو بين مناطق الوجه البحري ومناطق الوجه القبلي.

أيضًا زادت الهوة بين الريف والمدن سواء من ناحية الكثافة السكانية أو من ناحية معدلات الفقر حيث تتناسب العلاقة عكسيًّا بين الطرفين؛ فوفقًا لمؤشرات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، عام 2014، زادت نسبة الفقر في الريف عن مثيلاتها في الحضر والأقاليم بدرجات كبيرة نتيجة لتركز فرص العمل المتاحة في الريف في قطاعات محددة على العكس من تنوع الفرص في الحضر والأقاليم، لذلك سجلت معدلات الفقر 49% في الريف مقارنة بـ27% في الحضر في محافظات الوجه القبلي، وهي نسبة تتوافق إلى حد كبير مع معدلات الفقر في الوجه البحري.

ارتفاع معدلات الطلاق

خلال السنوات الخمس الأخيرة، تفاقمت ظاهرة الطلاق في المجتمع المصري ووصلت إلى مستويات غير مسبوقة عام 2015؛ حيث سُجِّل أكثر من 199 ألف حالة طلاق بزيادة قُدِّرت بـ 89 ألف حالة عن العام السابق، 2014. وتؤكد الإحصاءات الرسمية أن المحاكم المصرية في تلك الفترة شهدت تداول حوالي 14 مليون قضية طلاق؛ أي نحو ربع سكان المجتمع المصري.

وفي تقرير سابق لمنظمة الأمم المتحدة، تحدث عن ارتفاع نسبة الطلاق في مصر من 7% إلى 40% خلال الـ50 عامًا الأخيرة، وأيضًا أن هناك 250 حالة طلاق في اليوم الواحد، بمعدل حالة طلاق تحدث كل 4 دقائق في مصر. ووفقًا للنشرات السنوية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء حول إحصاءات الزواج والطلاق، فقد بلغ معدل الطلاق، عام 2017، نسبة 2.1%؛ حيث وصل عدد حالات الطلاق إلى 198.269 ألف حالة على مستوى الجمهورية. وشهدت معدلات الطلاق خلال شهر ديسمبر/كانون الأول 2017 ارتفاعًا بلغ 29.5% في حين تراجعت معدلات الزواج خلال ذات الشهر من نفس العام بنسبة 44.8%. وبحسب الإحصاءات الرسمية للجهاز المركزي، فقد سُجِّل خلال عام 2017 أكثر من 63 ألف عقد زواج مقابل 114 ألف عقد خلال عام 2016؛ أي انخفض معدل الزواج منذ عام 2016 بنسبة 44.8%، ويرجع ارتفاع معدلات الطلاق في مصر خلال عشرين السنة الماضية إلى عدد من التغيرات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية إلا أن العامل المادي، وفقًا لرأي الخبراء، يعتبر أهم الأسباب التي تقف وراء كثرة حالات الانفصال في المجتمع المصري؛ حيث يتلخص السبب الأكبر في كثرة المشاكل المادية بين الزوجين وخاصة في الطبقة المتوسطة التي أصبحت تعاني منذ ثورة 2011 من تدهور في الأحوال المعيشية وزيادة أسعار السلع وتكاليف الحياة مما أفقد رب الأسرة القدرة على تحمل الأعباء في ظل تفاقم الوضع الاقتصادي في مصر وقلة الوظائف المتاحة وضيق ذات اليد.

وفي هذا الجانب، ترى الدكتورة ريم عبد الحميد، الخبيرة الاقتصادية، أن التردي الاقتصادي الذي يعاني منه المصريون أثَّر بالتأكيد على نسب الزواج والطلاق؛ “حيث إن كثيرًا من الشباب فقدوا وظائفهم مع تزايد البطالة بسبب عدم خلق فرص عمل جديدة تتوافق مع نسب الخريجين كل عام”. كما أن التضخم السنوي في المدن قفز إلى 14.4%، في يونيو/حزيران 2015، من 11.4 % في مايو/أيار من نفس العام. ويرى الدكتور عمار علي حسن أن بعض الشباب يقبل على الزواج ثم يكتشف أن كلفته الاقتصادية وأعباءه كبيرة ولا يستطيع النهوض بها فيرى الحل في الطلاق.

ويختتم د. مصطفى العزب الدراسة بقوله:

في المجمل، فإن التحـولات المصيرية التي شهدها الاقتصاد المصري، بداية من 2011، وحتى الآن مثَّلت تحولًا دراماتيكيًّا في المنظومة الاجتماعية للمجتمع المصري؛ إذ ارتبطت بسياسات محــددة ومنــسجمة ارتكــزت بالأســاس علــى تخلــي الدولــة عــن أدوارهــا المعهــودة من سياســات الــدعم الموجهــة للطبقة المتوسطة ورفع الدعم عن الخدمات التي تقدمها الحكومة للمواطنين، وهـــو ما انعكـــس بدرجـــة كبيـــرة علـــى جميع فئات وشرائح المجتمع وأدى إلى تآكل الطبقة الوسطى وبروز ظواهر اجتماعية خطيرة ناتجة عن حالة اليأس وعدم الثقة التي عايشتها هذه الطبقة بسبب القرارات الاقتصادية الخطيرة خصوصًا في ظل تشجيع الحكومة لمجموعة من المشاريع التنموية التي تصب في صالح الفئات العليا والطبقة المرتبطة بالنظام الحاكم، مما يشير إلى اختفاء الطبقة المتوسطة في مصر إلى الأبد في المراحل القادمة وهو مؤشر خطير بالنسبة للبناء الاجتماعي للمجتمع المصري وينذر بتفشي الأمراض الأخلاقية والاجتماعية وتحلل المجتمع المصري وتفككه الأسري إلى مستويات غير مسبوقة، وقد تؤدي مثل هذه الظواهر إلى المساس بهيبة الدولة وشيوع حالة من عدم الرضا والكبت والحنق تجاه السلطة الحاكمة، وقد تولِّد انفجارًا شعبيًّا نتيجة لعدم القدرة على تحمل نتائج هذه السياسات الإجرائية غير المحسوبة. مما يؤكد ضرورة أن تتخذ الحكومة بعض الإجراءات التصحيحية الفعالة على أرض الواقع بالنسبة للطبقات الدنيا في المجتمع حفاظًا على الطبقة المتوسطة التي تؤكد المؤشرات أنها في طريقها للاختفاء للأبد.

ثالثاً مستقبل الثورة المصرية:

*نشرت مجلة نيوزويك الأمريكية مقالاً للدكتور عمرو دراج ، وزير التخطيط والتعاون الدولي في حكومة الدكتور محمد مرسي ورئيس المعهد المصري للدراسات، بعنوان: “زلزال قادم في الشرق الأوسط – وسيكون أكبر من الربيع العربي” جاء فيه:

من منا الذي لم تحرك مشاعره صور الاحتجاجات والمظاهرات التي اجتاحت العالم العربي عام 2011؟ حينها، وقف المجتمع المدني العربي في وجه الفساد والطغيان، ليؤكد على أهمية تشكيل الحكومات على أساس الانتخاب، في واحدة من أكثر الفعاليات التي جسدت الحراك الشعبي الإيجابي الواعد في هذا العصر. لقد دفعت تضحية محمد البوعزيزي بنفسه في تونس الملايين للخروج إلى الشوارع، وكانت هذه التضحية أيقونة الثورات المتتالية التي أطاحت بأربعة من الحكام المستبدين في العالم العربي .

لكن العواقب التي آلت إليها هذه الثورات لم تكن أبداً على مستوى الأهداف التي قامت من أجلها. ففي غياب التوافق بين الثوار، وبدون القضاء على الدولة القديمة العميقة، سادت الفوضى، وظهر نظام جديد – يسيطر عليه جنون العظمة، والقمع، وقوة المال. واستُبدلت القوى التقليدية في الشرق الأوسط المتمثلة في مصر، والعراق، وسورية بالإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، التي عُرفت أنظمتها منذ فترة طويلة بسياساتها السلطوية وثروتها النفطية. واليوم، ففي الوقت الذي تواجهنا فيه قضية مقتل جمال خاشقجي، فإننا نستطيع أن نرى بوضوح كيف أن المملكة العربية السعودية تسعى إلى استغلال موقعها الجديد.

وأصبحت الديمقراطية نفسها مهددة الآن. بل إن منطقة الشرق الأوسط، مهد الحضارة، أصبحت أكثر عرضة للخطر. وعلى الرغم من أن الغرب كان شاهداً على هذا الاستبداد الذي يسيطر تماماً على منطقة الشرق الأوسط، فقد أخفق في اتخاذ الإجراءات المناسبة حيال ذلك. وفي الحقيقة، فقد قدم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من خلال تصريحاته دعماً كبيراً للحكام المستبدين في المنطقة أمثال الجنرال عبد الفتاح السيسي في مصر، وما زال يصر على استمرار العلاقات الاستراتيجية للولايات المتحدة مع المملكة العربية السعودية وزعيمها الفعلي، محمد بن سلمان. لكن هذا التسامح مع الحكم المطلق لن يحقق الاستقرار الإقليمي ولن يؤدي إلى تعزيز المصالح الأمريكية.

وفي الواقع، فقد تسبب ترامب في إضعاف المسئولية الأخلاقية للولايات المتحدة وحلفائها في وقت حرج بالنسبة لهم ولمنطقة الشرق الأوسط على السواء، حيث دأب على إدانة الملايين الذين يئنون تحت نير القمع الخانق الذي يمارسه الطغاة الذين يدعمهم في الأساس. لقد أظهر ترامب الازدراء للديمقراطية، ومن خلال ذلك عزز مفهوماً انتشر على أوسع نطاق – وهو ما يروج له الطغاة في العالم العربي – بأن الديمقراطية ليست دائماً الأفضل من الناحية الأخلاقية وأنها لا تمثل الخيار الأمثل.

وبسبب هذا الدعم، بالإضافة إلى عدم القدرة على التنبؤ، والتناقض الهائل لإدارة ترامب، استمر السيسي وغيره في تطبيق سياساته القمعية التي تتزايد يوماً بعد يوم. لقد سيطر الحكام الطغاة على الدول العربية التي عاشت ثورات الربيع العربي واستغلوا عالماً مليئاً بالاضطراب، وغرباً غارقاً في الشعوبية من أجل التنكيل بكل من يجرؤ على مقاومتهم. أفلت السيسي تماماً من العقاب تحت إدارة أوباما، حتى بعد ذبح أكثر من 1000 مصري في ساحة رابعة في أغسطس 2013. والآن، يواصل تسليط سيف انتقامه على رقاب المعارضين والناشطين يومياً. وأصبحنا نتابع بشكل اعتيادي عمليات الاعتقال غير القانونية، وحالات الاختفاء القسري، والقتل خارج القانون، في حين تهدد حربه الخفية في شبه جزيرة سيناء بحدوث أزمة إنسانية.

إن هذا الانهيار في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى الاستهتار المتزايد لدى حكومة كوريا الشمالية، وصعود الصين، والغضب السائد في أوروبا بشأن الهجرة غير الشرعية، وانخفاض النمو الاقتصادي يجعلنا نعيش في عالم مضطرب – يتطلب قيادة أخلاقية قوية تضمن ترسيخ القيم الأخلاقية المطلقة مثل الديمقراطية وحرية التعبير والمبادئ التي تقوم عليها المعايير الدولية والقانون.

لكن هناك ما يدعو إلى التفاؤل رغم ذلك. إن الشعور بالاشمئزاز الذي أعقب القتل الوحشي لجمال خاشقجي يثبت أنه لا يزال هناك خط أحمر لا يمكن تجاوزه. حيث تشير الأدلة المتواترة إلى أن خاشقجي قد تعرض للتعذيب والقتل والتشويه على أيدي قتلة سعوديين محترفي الإجرام داخل قنصليتهم على أرض دولة أجنبية ذات سيادة. هذه الجريمة تنتهك كل المعايير الدولية والأخلاقية والقانونية، وتهدد الأمن الدولي إذا لم يتم تقديم مرتكبيها إلى العدالة. وشيئاً فشيئاً تحوّلت تهديدات ترامب ضد المملكة العربية السعودية إلى ما يشبه الإذعان، ولكن المواطنين الذين يزعم أنه يمثلهم لا يشاركونه هذا الاستهتار.

وعلى وجه العموم، فإن الغرب يدرك خطورة هذه الجريمة وآثارها على النظام الدولي وما حدث مع الربيع العربي. لكن، هل يدرك الغرب أيضاً مدى اعتماد الحكام المستبدين مثل بن سلمان والسيسي على تغطية المجتمع الدولي على ما يحدث لمواصلة ارتكاب جرائمهم؟ وكيف لا يزال السيسي يُستقبل على البساط الأحمر كما حدث هذا الأسبوع في ألمانيا بينما لا تزال الجرائم تُرتكب كل يوم في مصر بناء على أوامره؟ بالطبع، يجب أن نرفع أصواتنا عالية مطالبين بالعدالة لجمال خاشقجي، وأن يمثل القتلة مهما علا شأنهم أمام القضاء. لكن الأهم من ذلك، علينا أن نقول بوضوح إن العالم يجب ألا يسمح بأن نستيقظ بعد بضعة أسابيع أو أشهر على نبأ مقتل جمال آخر. دعونا نحاول ألا نضيع ما ضحى جمال خاشقجي بنفسه من أجله.

لكن القصة لم تنته بعد. هناك زلزال قادم – ولكنه أكبر بكثير من الذي بدأ في تونس. يجب حماية الديمقراطية ودعمها كفضيلة أخلاقية مستقلة عن أي ثقافة أو سياقات محلية. وفي الوقت نفسه، فإن إعادة تقييم الدبلوماسية فيما يتعلق بالشرق الأوسط، والتركيز من جديد على مواجهة الأنظمة القمعية في المنطقة، أمر شديد الأهمية إذا كنا نرغب في يستمر النظام العالمي أو إن شئت أن يتم استعادته من جديد. لقد حدثت تغييرات عميقة في العالم العربي ولا تزال تحدث، ولا يمكننا ببساطة أن نعود إلى النظام القديم. أما العالم الغربي، فمهما بذل من جهد لتجاهل إرهاصات سيطرة النزعة الشعبوية على الساحة الدولية، فبكل تأكيد لا يمكن أن يتجاهل التطورات التي تحدث في المنطقة. فهذه التطورات لا تراوح مكانها، ولكنها تتصاعد باستمرار.