تضييع وقت!

د.أحمد غانم

 

بعد تنحي مبارك وفي غمرة احتفاء القنوات العالمية بـ “نجاح الثورة المصرية” استضافت السي إن إن ضابطا متقاعدا في المخابرات الأمريكية كان مسئولا عن عمليات المخابرات الأمريكية في الشرق الأوسط للتعليق على تنحي مبارك..وقال الرجل قولا صادما للمذيع …حيث قال حرفيا: “لو ظننت أن هذه الثورة ستحول مصر لدولة ديمقراطية فأنت واهم”..

بررت هذا الرد الغريب بأنه “حقد” من ذلك الرجل الذي لا يريد أن يرى ديمقراطية في الشرق الأوسط..لكن كلماته لم تمح من ذاكرتي..

صدق كلام الرجل..الذي اتضح أنه يعرف مصر والشرق الأوسط بطريقة أعمق مما نعرفه..ففي الوقت الذي كانت تتملكنا العواطف الجياشة والأغاني الوطنية كان الرجل يحسب خريطة القوى الفاعلة في مصر ومصالح المنتفعين دوليا ومحليا..ولعله علم بخبرته أن كل هؤلاء لن يسمحوا بديمقراطية مصرية..وأن الثوار قليلي الخبرة الذين لا تجمعهم قيادة موحدة سيخرجون حتما من مولد الثورة بلا حمص!

بعد سقوط مبارك بعشرة أيام فقط كنت في مكتب هيلاري كلينتون (وزيرة الخارجية وقتها) أنظم حوارا تليفزيونيا تجيب فيه هيلاري كلينتون على أسئلة الشباب من خلال موقع مصراوي..وبعد الحوار قالت لي هيلاري كلينتون : “هل انتظم شباب الثورة في شكل هيئة ما لقيادة مستقبل مصر؟” فأجبتها: “لا..الثورة ليس لها قيادة وليس هناك خطط للشباب -على حد ما أعلم- أن يقودوا المشهد” فنظرت لي بابتسامة وهزت رأسها بطريقة فهمت مغزاها يوم الانقلاب.

الجميع منذ البداية كان يعلم أن كرة الثورة تتدحرج نحو “حجر العسكر”..وأن عدم وجود قيادة للثورة وإن كان أحد أهم أسباب نجاحها إلا أنه سيكون السبب الأهم لفشلها..فلا يمكن لجيش بدون قيادة أن ينتصر في الحرب حتى وإن انتصر في معركة..

المشكلة أننا اعتقدنا أن الثورة: “نزهة”..وأن ١٨ يوما من التظاهر يمكن أن تنهي عشرات السنوات من الفساد والعمالة..وأن مجرد هتاف “الشعب يريد” كفيل بجعل شبكات المصالح المحلية والدولية تترك أطماعها المالية والسياسية والأيدلوجية وترحل..

كنا بلا فكر ولا رؤية ولا قيادة وأردنا أن نغير الكون..وهذا يتعارض مع السنن الكونية..

تمني الحرية شئ..ووضع خطة لنيلها وتحويلها لواقع من خلال جهد منظم مبني على رؤية سليمة تقوده قيادة راشدة هو أمر آخر..

مازالت الكرة في ملعبنا…لو أردنا أن نكون لاعبين..وليس مجرد “متفرجين”.

لكي تنجح الثورة لا بد من توافر: قيادة كاريزمية ..ورؤية ..وخطة..

وأي شئ غير ذلك هو تضييع للأعمار لا طائل من ورائه…

(نقلا عن صفحته)