حتى لا ننسى حقيقة 25 يناير (2)

المهندس علاء فهمي

 

ثورة خطط لها شباب مغامرون ، ولاقت ظروفا جيدة ، من قتل للحياة السياسية بتوير فج لانتخابات 2010 ، مع كِبْر للحاكم بعد هذه الجريمة “فتركهم يتسلوا” ، وتدحرجت كرة الثلج لتسقط الشرطة بعد ساعات قليلة في مواجهة الشعب الغاضب ، الآمل أن يصل إلى ما وصلت إليه تونس ..

وظهر شعار محدد ملأ الميادين : “الشعب يريد إسقاط النظام” ، وغطى على كل الشعارات ، متناغمًا مع الشعار المتكرر عند الشباب الثوري : “يسقط يسقط حسني مبارك” ..

وكانت لي مع هذا الشعار قصة أيام اعتقال 15 شابا من كفاية تقريبا عام 2006 كان أصغرهم محمد عادل ابن أخي، ويومها سمعت هتافين من هؤلاء الشباب خلت منهما مظاهراتنا ووقفاتنا ،

وتصورت الهتاف حلمًا غير قابل للتحقيق من شباب مغامر : سمعتهم يهتفون وهم يدخلون المحكمة بهتاف جديد عليّ :”ابني سور السجن وعلي ، بكرة الثورة تقوم ما تخلي” ، وهتاف آخر يكررونه كنا لا نشاركهم به في المظاهرات : “يسقط يسقط حسني مبارك ” ..

وكان التخطيط الميداني ليوم 25 مشتركا بين شباب 6 إبريل وشباب الإخوان وغيرهم من الشباب الطامح للتغيير ، ولم يكونوا يتوقعون انضمام الناس العاديين للمظاهرات ، ويبدو أن انتصار ثورة تونس شجع الجميع فخرجوا واستجابوا لنداء مؤثر من المتظاهرين : “يا أهالينا انضموا لينا” ..

وتحولت المظاهرات إلى مليونيات حقيقية هربت عندها الشرطة معتقدة أن خروج البلطجية من السجون كاف لإخماد المتظاهرين وإرهاب وتخويف من ينزل إلى الشوارع فاخترع الناس اللجان الشعبية في كل مكان ..

وتعانقت أعلام الحركات في الميادين ثم انحسرت وتجمعت في علم واحد يحمله الجميع ويملأ الميادين وهو علم مصر ..

ساهم الجميع في إنجاح المظاهرات كل بما يستطيع ، ودخل الفن على الخط فانتشرت الأهازيج والاسكتشات ، وأبدع الكثيرون في تأليف هتافات جديدة ، وشعارات مبتكرة ، وأشكال للحراك الثوري ..

وهلل الجميع بكافة انتماءاتهم ورقصوا مع أناشيد حب مصر لشادية وغيرها ، ولم يجد أحد غضاضة ساعتها في ترديد :”بحبك يا مصر ، بحبك يا بلادي” مع الأغنية ، ولم يتطرق أحد إن كانت الأغنية بموسيقى أم بدون ، وإن كانت المغنية ملتزمة أو غير ذلك تكون ، لأن التركيز كان على الكلمات والمحتوى الذي يخدم اللحظة ..

وتغير الميدان بانضمام شباب الألتراس بخبرتهم في الهتافات والدخلات ، وامتلاكهم أدوات الطبل الصاخب والتي لا تحتاج لميكروفونات ..

أتذكر كل هذه التفاصيل التي تبدو صغيرة لأن كل واحد من هؤلاء كان له دور في الإنجاح والوصول للهدف الذي داعب مخيلة الجميع ساعتها وهو إسقاط حسني مبارك ونظامه ، ولابد من إعطاء كل ذي حق حقه ، وعدم غمط أحد ، أو جعل الخلافات التي حدثت بعد ذلك تنسينا دور الكثيرين وإن اختلفنا معهم لمواقفهم المتناقضة – في نظرنا – مع أهداف الثورة بعد ذلك ..

حتى أني ما زلت أذكر لحركة كفاية أنها أول من كسرت حاجز الخروج إلى الشارع ، وإعلان جورج إسحاق نيته التظاهر بالشارع وقد كان ، وتلاها الإخوان بعد ذلك فخرجوا في مسيرات نصرة غزة ومناصرة القضاء الحر ، واكتسب الجميع تدريجيا الخبرة الميدانية التي أهلتهم لحراك الثورة بعد ذلك ..

وظهر مجهود الإخوان في القدرة على الحشد وتأمين الميادين ضد البلطجية ورجال الأمن والمخابرات المندسين وسط الجماهير ، وتجلى دورهم في تصدي شبابهم لمقتحمي الميدان في موقعة الجمل مما أفسد المخطط الكبير لإخلاء الميدان أو قسمه نصفين ، نصف للمؤيدين ونصف للمعارضين ، ولم يقبل شباب الميدان إلا بخروج المقتحمين وإبقاء الميدان خالصًا للثورة والثوار ..

وظهرت ملامح الوحدة الوطنية أثناء الصلوات الخمس ، وتعاون الجميع في إنجاح الاعتصام ، وحماية الميدان ، وتزويده بالمؤن والأغطية ، والتجهيز لفترة طويلة ..
ويبدو أن قيادات الإخوان ساعتها أدركت أن الناس صبرهم لن يطول للبقاء في الاعتصام ، ومن ثم كلفت أفرادها في جميع الأماكن لتقسيم أنفسهم إلى حتى لا يخلو الميدان ..

ولم يكن عند الإخوان من رأي آخر إلا بانضمام الجماعة بقدها وقديدها للثورة ، وبذل كل مقوماتها لإنجاحها ، فقد كانت فرصة العمر للجميع لتنسم الحرية ، والإنعتاق من أسر الحكام ..

وفي نفس الوقت ظهر بعض مشايخ السلفية مشككين وبعض مشايخ الجماعة الإسلامية الرسميين مترددين ، ولم يغيروا مواقفهم إلا بعد سقوط النظام ..