الإصلاح الجذري التدريجي

د.عزالدين شكري فشير

 

زعمت في مقال سابق أن المنهج الوحيد الذي ينجح في تغيير الواقع هو الإصلاح الجذري التدريجي. كيف يمكن أن يكون الإصلاح جذريا؟ أليس الإصلاح نقيض التغيير الجذري؟ وكيف يمكن أن يكون جذريا وتدريجيا في آن واحد؟

الإصلاح يختلف عن الترقيع والتجميل. الإصلاح يعني تغيير الأوضاع الفاسدة واستبدالها بأخرى “صالحة”، وبالتالي فهو بالضرورة جذري، لأنه لا يكتفي بترقيع الفساد للتقليل من حجمه وإنما يحاصر جذوره ويحل محلها جذورا صالحة. بهذا المعنى، فالإصلاح عملية تغيير مستمرة ومحسوبة. ومثل أي تغيير، فإنه يزيح أوضاعا مترسخة لها من يدافع عنها لأنه يكتسب منها ربحا أو سلطة أو جاها أو لأنه تعود عليها. الإصلاح لا يتم بالإقناع ولا بسلامة المنطق، ولا يتم على يد الموظفين لأنهم لا يستطيعون مواجهة مقاومة المتعيشين على الأوضاع القائمة والمتآلفين معها دون أن يمتلكون سلطة أكبر منها – أي سلطة سياسية تفوق سلطتهم الوظيفية.

 

القاعدة الأولى في فهم الإصلاح إذا أنه تغيير قسري، لا يتم لأنه جميل أو في مصلحة البلد، بل يتم إن امتلك أنصاره من القوة ما يكفي للتغلب على مقاومة أنصار الوضع القائم.

 

القاعدة الثانية هي التمييز بين جذرية التغيير وبين سرعته. التغيير الجذري ليس بالضرورة فوريا، بل في معظم الأحيان يتم على خطوات وفي مراحل زمنية ممتدة. تحرير العبيد في أمريكا تم على مدى قرنين: ابتداء من تحريم العبودية في الولايات الشمالية عام ١٨٠٥، مرورا بحظرها في الولايات المتحدة كلها بنهاية الحرب الأهلية عام ١٨٦٥، وانتهاء بانتصارات حركة الحقوق المدنية منذ الستينات. التغييرات الجذرية في وضع المرأة أيضا تمت عبر محطات على مدى زمني طويل، سواء ما يخص حقوقها في العمل أو التصويت أو الحقوق الشخصية. التغييرات الجذرية في حقوق العمال أيضا مرت بمحطات هامة وعلى مدى زمني طويل. باختصار، ما يجعل التغيير جذريا ليس سرعة حدوثه وإنما درجة امتداده لجذور الأوضاع التي يعالجها واستمرارية نتائجه.

لماذا لا يمكن إدخال تغييرات جذرية بشكل فوري؟ لأن أي وضع سياسي قائم يستند إلى قوى وعلاقات اجتماعية لا تتغير بسرعة مهما فعلت. حتى الفساد والظلم والاستبداد يستندان إلى قوى وعلاقات اجتماعية لا تختفي بمجرد اختفاء المستبد الفاسد الظالم، أو بقيام ثورة، أو بتولي مجموعة غير مستبدة وغير فاسدة وغير ظالمة لمقاليد الحكم. ومن هنا، فإن تغيير هذه الأوضاع يقتضي تغييرات في علاقات الفئات الاجتماعية ببعضها وفي بنية وتنظيم ومؤسسات المجتمع، وهي أمور تحتاج إلى وقت مهما كانت الظروف ومهما بلغت قوة أنصار التغيير.

 

هناك أشياء تحتاج لوقت كي تنمو، وهناك أشياء تحتاج وقتا كي تموت.

 

السبب الثاني أن التغيير الجذري يحتاج وقتا كي يتأقلم أعداؤه على الأوضاع الجديدة شيئا فشيئا. وليس هذا تفضلا من أنصار التغيير بل هي مسألة توازن قوى. كلما كان وزن أنصار التغيير أكبر، كلما كان التغيير أسهل وأسرع، لكن هناك دائما قوى معارضة مهمة. الدولة الديمقراطية تقوم على فكرة التوازن بين الجماعات المتصارعة وبقاءها كلها – بصراعاتها – داخل إطار النظام الديمقراطي، ومن ثم لا يمكن لقوى اجتماعية القضاء الكامل على خصومها. وكلما زادت سرعة التغيير ومداه، كلما زادت قدرة أعداء التغيير على مقاومته، لأن عدد المتضررين منه يزداد. وبالتالي يحتاج أنصار التغيير – في النظم الديمقراطية – لتقليل مدى التغيير وسرعته لضمان ترجيح كفة المؤيدين له. أما لو كنت تسعى لسحقه أعداء التغيير تماما، فمعنى هذا أنك ستحتاج لسحق القوى الاجتماعية التي تعاديه، وهو ما يخرجك عن الإطار الديمقراطي ويحول النظام كله إلى شمولية تسيطر عليها مجموعة واحدة – مثلما حدث في الاتحاد السوفيتي وألمانيا النازية والثورة الصينية والإيرانية. ثمن هذا التحول مرتفع جدا، وغالبا ما يبتلع التغييرات الجذرية المنشودة ويفرغها من مضمونها.

 

“الثورة الثقافية” في الصين وسحق كل أشكال المعارضة

لنأخذ تحرير العبيد في أمريكا كمثال. ظل الشمال والجنوب يتصارعان حول هذه المسألة من ١٨٠٥ حتى ١٨٦١ دون أن يتمكن أحدهما من فرض رؤيته على الآخر، حتى اندلعت الحرب بينهما في ١٨٦١ واستمرت أربعة أعوام استطاع الشمال بعدها – وبعد مقتل ٢٪ من السكان – من فرض ارادته ومن تحرير العبيد في هذا الإطار. لكن الجنوب رغم هزيمته لم يتبخر. ولم تتغير رؤية معظم سكانه البيض للعبيد ولا مصلحتهم في استمرار العبودية. ومن ثم، بعد حوالي عشر سنوات، في ١٨٧٧، أعادت الولايات الجنوبية استعباد من حررتهم الحرب الأهلية وذلك بإصدار قوانين الفصل العنصري التي عاشت لمدة تسعين عاما بعدها. بحرب أو بدون حرب، ارتبط تحرير العبيد طرديا بانتشار فكرة المساواة وقوة من يساندها على حساب فكرة العبودية وقوة من يساندوها (ومازال الصراع مستمرا، حتى اليوم).

 

باختصار، الصراع السياسي يعكس أوضاعا وصراعات اجتماعية لا تزول بمجرد انتصار طرف، بل تستمر بأشكال ودرجات متفاوتة، ومن ثم لا يتمكن المنتصر من فرض رؤيته بالكامل. أي أنه رغم انتصاره، تظل قدرته على التغيير محدودة بالقوة الباقية لخصوم التغيير. ومن هنا – إضافة لطبيعة عملية التغيير والتي تحتاج لوقت كي تتم – فإن وجود القوى الاجتماعية المضادة للتغيير يقلل من سرعة تطبيقها. وكلما كان التغيير جذريا أكثر، كلما احتاج لوقت أطول كي يكتمل.

من يحتاج لأمثلة إصلاحات جذرية متدرجة من الواقع العربي يمكنه النظر لقانون الإرث الجديد في تونس الذي يساوي بين الإناث والرجال، وفي نفس الوقت يترك الخيار لمن يريد أن يبقى خارج هذا التعديل بحيث ينطبق عليه القانون القديم الذي يراه مطابق للشريعة الإسلامية. طبعا أنصار المساواة المطلقة لا يحبون هذا الخيار، لكن التقليديون لا يحبون القانون الجديد أصلا. وجود هذا الخيار يقلل عدد المعارضين وحدة معارضتهم، وفي نفس الوقت يخلق مساحة جديدة لأنصار المساواة يمكنهم البناء عليها – إن استطاعوا مواصلة الضغط – وتوسيعها في المستقبل.

الدستور المصري الصادر عام ٢٠١٤ كان يمكن أن يكون مثالا للتغيير الجذري المتدرج، لو أن أنصار الحرية استطاعوا الاحتفاظ بقوتهم وقدرتهم على مواصلة الضغط لاحترام المكتسبات التي تضمنها الدستور وتوسيعها، سواء فيما يتعلق بالحريات أو بالعلاقة بين السلطات المدنية والعسكرية. المشكلة أن قوة أنصار الحرية انهارت، وبدلا من أن يصبح الدستور خطوة في طريق إصلاح جذري أصبح لا شيء.

من الآخر، الإصلاح بحكم تعريفه هو تغيير جذري، لا يحدث بالإقناع وإنما بالقوة التي تسمح لأنصاره بتمريره، ويحتاج لوقت كي يتم، فهو بالضرورة تدريجي ويتم على مراحل، ومن هنا ضرورة استمرار قوة أنصار التغيير وقدرتهم على مواصلة الضغط، فبدون ضغط مستمر لن يتمكنوا من استكمال التغيير، وبدون وقت لن يتمكنوا من جعل إصلاحاتهم الجذرية تكتمل.

(نقلا عن مدونته)