خطاب بومبيو وخَدَمْ المشروع الأمريكي

بقلم ياسر عبد العزيز

 

في إفادته أمام المحكمة أثناء محاكمته بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، قال الرئيس العراقي السابق صدام حسين إنه تراجع عن موقفه باجتياح الكويت، وأنه بلع الطعم الأمريكي، لكن بعد فوات الأوان، لكنه في نفس الوقت لا يستطيع الخروج من الكويت إلا بذريعة تبرر هذا الانسحاب.

وكان المخلوع مبارك قد دعا إلى قمة عربية في القاهرة لبحث تداعيات اجتياح العراق لدولة الكويت، فاتصل به صدام شارحا له الأمر وكاشفا عن رغبته في الانسحاب من الكويت، وأنه أعد خطة الانسحاب مع قادته العسكريين، وينتظر المبرر السياسي لتنفيذها، واتفق الرجلان على الأمر وكان مبارك مُرحبا بالفكرة ووعد صدام بعرضها على القمة بل وأكد أنه سيضغط لتنفيذها.

إلا أن القمة تخرج بقرارات من بينها تكوين قوةعربية لدحر القوات العراقية المجتاحة لدولة الكويت، وعلى الرغم من أن العراق ومصر كانتا وقعتا قبل عام من هذه الواقعة اتفاقية دفاع مشترك، إلا أن مبارك تجاهل تلك الاتفاقية ضاربا بقواعد القانون الدولي عرض الحائط، .وعندمااتصل صدام بمبارك للاستفسار عن هذه القرارات مذكرا اياه بالاتصال الذي دار بينهما حول الانسحاب وترحيبه به، رد مبارك بدم بارد أن الأمريكان لم يوافقوا على “اقتراحك”بالانسحاب!

هذه القصة قفزت إلى خاطري وأنا ارى النشاط المفرط لرأس النظام المصري واتصالاته وزياراته الخارجية عقب زيارة وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو للقاهرة وإلقائه خطابا حاول فيه رسم خريطة طريق للمنطقة ووضع المحددات التي يجب على الجميع الالتزام بها، هادما ما جاء على لسان الرئيس الأمريكي السابقباراك أوباما الذي تحدث من نفس المنبر قبل عشر سنوات، فاختيار المكان وكأنه إشارة إلى عهد جديد ونظام جديد برؤية جديدة ستحكم المنطقة.

خطاب بومبيو كان أبعد ما يكون عن الدبلوماسية التي يترأس ملفها في بلاده، فقد هاجم رئيس بلده السابق، ووصف رؤيته بأبشع الألفاظ، حيث قال بالنص (إن عصر الخزي الأمريكي قد انتهى وأن الولايات المتحدة ستتبع سياسة أكثر نشاطا،على الرغم من قرار الرئيس ترامب بسحب القوات من سوريا).
وعلى الرغم من ان بومبيو لم يحدد معالم ذلك النشاط الذي ستقوم به أمريكا، وأوجه ما ستقوم به إدارته لإخراج أمريكا من الخزي، إلا أن نشاط رأس النظام المصري وذيول أمريكا الأخرين تكشف عما اتفق عليه في الغرف المغلقة، كما تكشف تصرفات الإدارة الأمريكية خلال السنتين الماضيتين عن التصور الذهني لما يمكن ان يكون قد وضعته الإدارة الأمريكية لتنفيذه، وقد يبدو أن حديث بومبيوتعزيزاللتحالفات مع الحكام العرب الموالين لواشنطن يرسم الصورة لخطة العمل في الأيام القادمة.

نشاط السيسي لتنفيذ أوامر بومبيو منبعثة من الدور الخدمي للعسكر للمشروع الأمريكي وهو من ثوابت العلاقة بين العسكر وأمريكا منذ معاهدة السلام بين مصر والكيان الصهيوني، ويزيد عليه حالة البحث عن شرعية والذي مازال النظام يتوق إليها، رغم الاستقبالات بينية مع الدول الكبرى والتواجد في المحافل الدولية، لكن الأمريكيين يعرفون عقدة النقص التي يعيشها النظام المصري ويضغطون عليها.

وكما باع مبارك العراق والقوة الرافعة في المنطقة بقدراتها العسكرية والاقتصادية للأمة ونكص العهد مع صدام حسين بمكالمة تليفونية من واشنطن، تاجر بجنوده وزج بهم في حرب كان من الممكن أن تنتهي بقرار سياسي يجنب العرب الدماء، مع عقاب مقبول لنظام صدام الذي أودى بالأمة إلى مهلكة وفتح الباب أمام المشروع الأمريكي لتنفيذ خطته التي نعاني منها حتى يومنا هذا، يلعب السيسي نفس الدور الآن بلعب دور عراب أمريكا في المنطقة فاتحا أبواب جيشه لينتقي منه الأمريكي خيراته كمرتزقة يوظفهم أينما شاء.

تلك الحالة التي تعيشها مصر ويدفع ثمنها الشعب المصري والأمة العربية يجب أن تقف، فخطر العسكر في مصر لا يقف على الداخل المصري، فالخراب الذي جذروه في مصر منذ حكمهم قبل أكثر من خمسة وستين عاما هين أمام ما يحدثونه من خطر متعدي يصيب الأمة بأسرها، والأمثلة ظاهرة في العراق وسوريا وليبيا وعليه فعلى الجميع تحمل مسئوليته بالوقوف جوار الشعب المصري الراغب في إزالة هذا الحمل عن كاهله وكاهل الأمة، والذي من شأنه أن يفتح الباب لتغيير لمستقبل أفضل يجمع هذه الأمة التي يجمعها ألف مشترك يشكل مصيرها.