كيف تجيب عن أسئلة طفلك المحرجة عن الجنس؟

يتعرض أطفال العصر الحالي أكثر من ذي قبل للمؤثرات الجنسية، سواء في الإعلانات أو الأفلام، بل إن الرسوم المتحركة لا تخلو في كثير من الأوقات من الإيحاءات الجنسية، ومع استخدامهم المبكر للتكنولوجيا وتعاملهم مع عالم الإنترنت، أصبحت احتمالية تعرضهم لهذه المواد في سن مبكّرة في تزايد مستمر. تبعا لهذا أصبح من الممكن أن يُفاجأ الآباء بأطفالهم يسألون أسئلة تدور حول الحياة الجنسية في سن السادسة أو الخامسة، وهي الأسئلة نفسها التي طرحتها الأجيال السابقة ربما في سن العاشرة أو أكبر. وقد لا تصدقون التغير الكبير الذي يعيشه أطفال اليوم إلا عندما تفاجأون بأطفالكم يطرحون عليكم أسئلة محرجة، لذا عليكم أن تكونوا مستعدين جيدا لهذا الأمر، بل عليكم أنتم أن تبادروا بفتح الحديث مع أطفالكم عن الجنس.

أهمية التوعية الجنسية للأطفال

غالبية جيل الآباء الحالي لم يخض نقاشا مع والديه حول المسائل الجنسية قبل الزواج، كل المعلومات التي تلقوها كانت من خلال الأصدقاء في المدرسة أو بعض المصادر الخارجية، بل إن هناك بعض النساء لم تعرف عن الجنس سوى وقت الزواج، وهو ما يفتح الباب للكثير من المعلومات المغلوطة والخرافات غير الصحيحة التي طالما صدقها الناس وتسببت في الكثير من المشكلات والخوف وعدم الارتياح. فبجانب الممارسات الجنسية السيئة التي طالت نسبة ليست بالقليلة من النساء، مثل الختان على سبيل المثال، فإن العلاقة الحميمية بين الزوجين في الكثير من الزيجات لم تكن جيدة، والعلاقة بين الأهل والأطفال الذين كبروا بدورهم وأصبحوا أهلا لأطفال آخرين كان من الممكن أن تصبح أفضل بمراحل لو أن الأهل كانوا قد اهتموا بالحديث مع أطفالهم بوعي وصراحة.

ولكن بالرغم من كل ذلك يتساءل البعض: “لماذا يجب على أهالي اليوم أن يوعوا أطفالهم جنسيا؟”، إجابة هذا السؤال تكمن في أن الأطفال سيتعرضون لمعلومات عن الجنس سواء كان الأهل هم مصدر هذه المعلومات أم لا، فأطفال اليوم يعيشون في عالم مفتوح من المعلومات التي لا يمكن وقفها، لذا فإن فتح حوار واعٍ عن الجنس مع الأطفال من شأنه أن يضمن حصولهم على معلومات صحيحة وسليمة وتتناسب مع عمرهم، كما أنه يساهم أيضا في توطيد العلاقة بين الأطفال والآباء، كما أنه من المرجح أن يحصل هؤلاء الأطفال على حياة جنسية أفضل.

التأهيل النفسي والمعرفي للأهل

فضول الأطفال تجاه الأمور الجنسية هو أمر طبيعي ويحدث لكل الأطفال في مرحلة ما من سنوات طفولتهم ومراهقتهم، وهو أمر حسّاس وشائك للأهل نظرا لطبيعتنا الشرقية والتربية المحافظة التي نشأ أغلب الأهالي عليها، لذا تعد أول خطوة في توعية الأطفال جنسيا هي تأهيل الوالدين لهذه المرحلة، وأن يستعدوا بالقراءة والتحكم في النفس لاجتياز هذه المرحلة بنجاح.(1) رغم أن المتعارف عليه هو أن يقوم الأهل بالجلوس مع الطفل جلسة واحدة كبيرة للحديث عن الجنس، فإن الدراسات الجديدة أثبتت أنه من الأفضل أن يدمج الأهل المعلومات الجنسية البسيطة والملائمة لعمر الطفل وسط الأحاديث اليومية العادية.

إذ إن الجلسة الواحدة الطويلة والمكثّفة تضع الطفل تحت ضغط عصبي كبير، وقد لا يستطيع استيعاب كل ما يقال دفعة واحدة، فيما أن الكلام المستمر لسنوات هو ما يؤثر حقا في نمو الطفل. ورغم أنهم في السن الصغيرة قد لا يبدو عليهم أنهم لا يستمعون جيدا للحديث، فإن الحقيقة عكس ذلك، وبالتالي من المهم أن تُكرر مثل هذه الحوارات منذ السنين الأولى من عمر الطفل.(2)

التعليم من الصغر

يمكن أن يبدأ تعليم الطفل عن الجنس منذ سن عامين، وهذا بتعليمه الأسماء الصحيحة أو المتفق عليها لأعضائه الخاصة، وأن أسماء هذه الأعضاء لا يُفترض أن تكون مسبّة، فشأنها شأن أي عضو آخر في الجسد مثل اليد والفم والقدم وسائر الأعضاء، وأن للأولاد أعضاء جنسية خاصة مختلفة عن تلك التي تملكها البنات، ولكن يجب التأكيد أيضا أن هذا هو الاختلاف الوحيد بين الجنسين، دون ذلك هم متساوون في العقل والمسؤولية والواجبات. كذلك هذا هو التوقيت المثالي لتعليم الطفل أن له أعضاء خاصة لا يجب على أحد رؤيتها أو لمسها، وعندما يرفض دخول والديه معه الحمام بعد أن يكون تعلّم الاعتماد على نفسه في الاستحمام والنظافة، يجب احترام هذا القرار تشجيعا له على الحفاظ على مساحته الخاصة.

قبل أن يبدأ الطفل المرور بمرحلة البلوغ يجب التنبيه عليه ألّا يخجل من جسده، وأن التغييرات التي سيمر بها قد مرّ بها الجميعللأطفال تصورات خاصة استقوها من عالمهم الشخصي عن الحمل والولادة والعلاقة التي تجمع أفراد الأسرة ببعضهم، في هذه السن من الأفضل الاستماع أكثر من التحدث، ترك الأطفال يتحدثون مع حثهم على إكمال الحديث ببعض الأسئلة الفضولية التحفيزية، ولكن دون المبالغة فيها حتى لا يشعر الطفل أن هناك شيئا خطأ ويتوقف عن الحديث. إن فهم الأسئلة التي تدور في أذهان الأطفال هو مفتاح الإجابة عنها، لذا عندما يطرح الطفل سؤالا، يجب الاستماع له بشكل جيد ومعرفة الظروف المحيطة بهذا التساؤل، حتى يستطيع الأهل الإجابة بصورة ملائمة لعمره، فقد يسأل الطفل عن الحمل والولادة وكيف تحدث، لا يجب أن تكون الإجابة تفصيلية للعملية الجنسية، ولكنها تكون مختصرة وبسيطة دون الخوض في المزيد من التفاصيل، والانتباه لعدم الكذب أو زرع مفاهيم خاطئة عن الجنس في ذهن الطفل.(3)

مرحلة البلوغ والمراهقة

مع نمو الطفل وتطور عقله ومشاعره يتطور أسلوب حوار الأهل معه، وبانتقاله من مرحلة الطفولة إلى مرحلة المراهقة يصبح الحديث أكثر تفصيلا وعمقا. قبل أن يبدأ الطفل المرور بمرحلة البلوغ يجب التنبيه عليه ألّا يخجل من جسده، وأن التغييرات التي سيمر بها قد مرّ بها الجميع، وألّا يقلق أيضا إن تأخر البلوغ قليلا، فهذا أمر لا علاقة له بأي شيء وليس له قدرة على التحكم به، مثله مثل تبديل الأسنان. ولأن الحديث عن الجنس أمر صعب للطرفين، الأهل والأطفال، لذا إن وجد الأهل صعوبة في التحدث في هذه المرحلة العمرية، أو كان الأطفال غير متقبلين للخوض في هذا الحديث مع والديهم، فيمكن عندها توجيه الأطفال لأشخاص موثوقين من أقرباء الدرجة الأولى أو الأخصائيين السلوكيين.

يمكن كذلك أن يستعين الأهل ببعض الكتب المتخصصة حول هذا الأمر، ليقرأوها ثم يقرأها أطفالهم، ويتناقشون فيما بعد في المعلومات والمواضيع التي طرحها الكتاب. (4) يصاب الطفل بصدمة عندما يعلم ماهية الجنس الحقيقية، ويستوعب أن والديه مارسا الجنس ولو مرة واحدة، فيصبح من الصعب عليهم استيعاب الموضوع وقد يغيّرون دفة الحديث فجأة لاتجاه آخر، هنا يجب على الأهل احترام الحيرة والارتباك الذي وقع فيه الطفل، وتركه ليستوعب الأمر دون عجلة.

قواعد لا يجب أن ننساها

توعية الأطفال جنسيا لا تعني أبدا تربيتهم بدون أخلاق أو دين، بل على العكس تماما، فإن هذه الأحاديث هي الفرصة الأنسب كي يغرس الأهل في وجدان أطفالهم مجموعة القيم التي يريدون لأطفالهم أن ينشأوا عليها، ومنها على سبيل المثال ممارسة الجنس حصريا في إطار الزواج كما تنص التعاليم الدينية، وغيرها الكثير.

يفضّل الابتعاد عن أوامر النهي في الحديث معهم، واستخدام ألفاظ مريحة لأذن الأطفال، فتتحول جملة مثل “لا يمكنكم ممارسة الجنس إلا في الزواج” إلى “يمكنكم ممارسة الجنس عندما تتزوجون”، هذه الطريقة البسيطة في تغيير بعض الكلمات لها عظيم الأثر في نفوس الأطفال، فهي لا تربط الجنس لديهم بكلمة “لا” والرفض، كما أنها لا تحرك الجزء العنيد في شخصيتهم.

الأطفال أذكياء، لذا فإن الكذب عليهم أمر غير مستحب لأنهم سيكتشفون الأمر عاجلا أم آجلا، وحينها سيفقدون الثقة في الأهل وقد لا يستطيعون استعادة هذه الثقة مجددا، كما أنه لا يوجد داع للكذب، بل على العكس يجب الابتعاد عن الأساطير والخرافات عند الحديث عن الجنس مع الأطفال، لكي ينشأ الأطفال في بيئة صحية وذكية.

يجب إبراز أهمية الحب والاحترام بين الزوجين اللذين تجمع بينهما علاقة جنسية، فوجود الجنس لا يمنع الاحترام، ووجود الاحترام لا يمنع الجنس، والحب أساس لكل منهما.

عند التحدث عن الجنس قد يكون الأمر محرجا للوالدين، ولكن يجب التحكم في تعابير الوجه بدون أن يحمّر خجلا، وأن تكون نبرة الصوت هادئة بلا تلعثم، حتى وإن كان الشعور الداخلي هو الخجل الشديد.

يجب عدم تعنيف الطفل عند سؤاله عن أحد هذه الأمور، والرد عليه بهدوء وبدون أن تتضمن الإجابة كلمات مثل: “عيب هذا الكلام يخص الكبار فقط”، فطالما أن الطفل سأل عن الأمر هذا يعني أنه يملك فضولا تجاهه، ولن يهدأ له بال حتى يجد إجابة عن سؤاله.

من المهم التأكيد أن الجنس ليس وسيلة للإنجاب فقط لا غير، بل هو وسيلة أحلّها الله في إطار الزواج، والجنس فعل تعبير عن الحب وللحصول على المتعة، مع إيضاح أنه ربما قد يبدو الأمر مقززا أو مثيرا للاشمئزاز من وجهة نظرهم الآن، إلا أنه في حقيقة الأمر ليس كذلك، خاصة عندما يتزوجون أشخاصا يشعرون تجاههم بالحب والمودة.(5)

أحيانا قد يسأل الطفل سؤالا لا تملكون له إجابة، أو قد تكون إجابته لديكم لا تصلح لسنهم، لذا في هذا الموقف من المهم الاعتراف أنكم لا تعلمون الإجابة وأنكم ستبحثون عن إجابة السؤال وتجيبونهم، وافعلوا ذلك بالفعل.

بشكل عام، لا تُعطى للطفل إجابات تفصيلية دقيقة في بداية الحديث، فإن اكتفى الطفل بالإجابة الأولى لا يزيد الوالدان في الحديث، أما إن استكمل أسئلته فيجب الإجابة عنها، هذا يعني أنه على استعداد لمعرفة المزيد، ولكن دون توجيه الطفل بأن يكف عن التساؤل، بل على العكس التحفيز على التساؤل أمر إيجابي.

في النهاية، الأمر الفاصل حقا والذي قد يهدد كل التحضيرات والمعلومات التي اجتهد الأهل في الاستعداد لها هو التطبيق العملي لهذه المعلومات، فكيف يخبر الأب طفله أن الاحترام هو أساس العلاقة بينما هو يضرب زوجته، أو تخبره الأم بأن الحب المتبادل واجب في العلاقة بينما تتحدث بالسوء عن الأب أمام طفله، فسلوك الأهل كقدوة هو العامل الأساسي والمحرك الرئيسي في نفسية الطفل، والقدوة وجه آخر للصدق، الحفاظ على كليهما مع الأطفال هو أساس العلاقة الأسرية السليمة، أما الكذب فهو كفيل بأن يصنع مسافات نفسية شاسعة بين أفراد الأسرة.

 

 

___ عن الجزيرة نت

 

72 total views, 3 views today