لا تستهينوا بالمعارك الصغيرة (2-2)

 المهندس علاء فهمي 

 

يدرك جابر عصفور جيدًا الهزيمة التي ألمت بأقرانه عندما استعاد الشعب هويته، وعادت أعرافه لتلتصق بأعراف الدين الإسلامي، وأصبح كثيرٌ من مظاهر حياة الناس يُصبغ بالصبغة الإسلامية، ومن ثم تفهم إدراكه لهذه الهزيمة من تصريحاته الأخيرة وهجومه المتكرر على الظاهرة الإسلامية..

ومن ثم لم يكن غريبًا أن يقول إن الإسلاميين شوهوا هوية المصريين بأن أصبحت التحية المعتادة هي السلام عليكم بدلا من صباح الخير!!

ولم يكن غريبًا أن يهاجم في نفس حديثه الأخير السادات الذي ساعد في ذلك بإفراجه عن الإخوان الذين اعتقلهم عبد الناصر، والذين يعتبرهم جابر عصفور ومن على شاكلته السبب الأساس في هذا التغيير ..

لهذا الحد يدركون طبيعة المعركة التي يخوضونها ، فلا يستصغرون معركة ولو تمثلت في إلقاء التحية ، أو التيامن في اللبس والأعمال اليومية ، أو البسملة في مقدمة الحديث ..

ولك بهذا أن تدرك تنازلهم أو سكوتهم عن كثير من الانتهاكات التي يتعرض لها المصريون من النظام ، أو صمتهم أمام التطبيع مع العدو الصهيوني ، لأنهم يدركون أن النظام يحقق لهم أهدافًا كثيرة في معركتهم الغير مقدسة لصبغ البلاد بالهوية العلمانية في مظاهرها بالغرب وليس في مضمونها تخلصًا من الهوية الإسلامية ..

– أذكر أن أحدهم في أحد مؤتمرات الصراع ضد الحراسة على نقابة المهندسين أيام مبارك ، والتي كانت ممثلة في تجمع مهندسين ضد الحراسة والذي يضم كافة الأطياف السياسية ، أذكر أنه أبدى اعتراضه على أن يبدأ المقدم حديثه بالبسملة معتبرًا أن هذا تحيزًا لأيدلوجية معينة يجب أن لا تظهر في العمل الجمعي !!

ولك أن تعذر النصارى بتنازلهم عن دماء مينا دانيال وضحايا التفجيرات ، فقد أخذوا مقابلها أضعافًا لمشروعهم ؛ بعشرات الآلاف المعتقلين من الدعاة الإسلاميين وشبابهم مع تجفيف منابعهم ، وبآلاف القتلى من صفوف الإسلاميين ، مع تغيير قوانين بناء الكنائس وترميمها ، مع التبرع ببناء أضخم كنيسة في الشرق الأوسط ، مع وضع حراسة على كنائسهم الفمتوحة لاستقبال روادها ليل نهار ، وغض الطرف عن قنواتهم الفضائية التي تكيل السباب ليل نهار ، وفي المقابل عدم فتح المساجد إلا في أوقات الصلوت الخمس !! ، وغلق القنوات الإسلامية المستنيرة وفتح المجال لقناة البصيرة وأخواتها ..

ومن ثم تدرك لماذا يرحبون بأن فلانة خلعت حجابها، أو يفردون المساحات لتفاصيل تعري الفنانة فلانة ونشر جلسات تصويرها العارية، أو يشعلون المعارك حول أحداث شبيهة ولو بظاهر إنكارها متضمنة كل التفاصيل الدقيقة، لأن تعوّد الناس على رؤية الصور العارية يضعف مع الزمن في النفوس إنكارها أو الاشمئزاز منها..

وكذلك متابعة الأحداث بالتفصيل في الجرائم الجنسية، حتى أن بعض الصفحات إذا لم تجد جرائم حديثة، استدعت من الأرشيف جرائم نسيها الناس منذ سنوات عديدة بنشر تفاصيلها، حتى تترسخ الجريمة واعتيادها عند القراء..

وأعجبني وأسعدني بعض الدعوات التي تطالب المتدينين بإعادة اصطحاب وفتح مصاحفهم في المواصلات العامة، تذكيرًا بدون كلام لمن حولهم أن ثمة كتابًا لرب العالمين ما زال يتذكره البعض ويتلونه، وأن هناك طرقًا أخرى لشغل الأوقات غير الاستغراق في الألعاب الموجودة بالموبايل، أو تشغيل الكليبات!!

وطوبى لمن حرص على نشر شعائر ومظاهر الإسلام في الحياة اليومية، مع عظم الهجمة وتنمرها على المتدينين، سواء في إلقاء التحية، او الجهر بأدعية الأوقات في الحركة وركوب المواصت ، وعدم استصغار أي مظهر في التعامل ولو بتشميت العاطس او الجهر بحديث السفر وركوب الدابة ، أو التذكير بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، أو الترديد وراء المؤذن ووقف الحديث أثناءه ، وكل ذلك لا يستدعي حتى الآن إنكارًا أو تذمرًا وتنمرًا من غالب المصريين ..

– دائمًا كانت المساجد في بلادنا وفي المدن خاصة ملجأ وملاذًا للوافدين وعابري السبيل ، لقضاء حاجاتهم أو الانتظار والراحة ، ومن ثم كان من لا يصلي يتوضأ ويصلي بالمرة ، ومن فاتته الجماعة لحق الصلاة بأي مسجد في الطريق قبل فوات وقتها ، فالمساجد المفتوحة كثيرة في كل مكان ، ولإدراكهم هذا الأمر كان قرار غلق المساجد بانتهاء الصلاة والتشديد على تنفيذه بحجج تقليدية في معركتهم المزعومة ضد الإرهاب ..

– ولك اليوم أن تدرك المعاناة التي يلاقيها الناس في الحفاظ على الصلاة في مواعيدها ، ومن ثم عاد الكثيرون إلى استخدام رخصة الجمع بين الصلوات حتى لا يسقط في خطأ فوات وقتها ، لأن الطبيعي أن من يتحرك من شرق القاهرة مثلا إلى غربها قبل صلاة المغرب لن يصل إلا بعد صلاة العشاء ، وهناك خوف كبير من الملتزمين أن تضيع عليهم صلاة الظهر او العصر لنفس السبب ، وربما اضطر بعضهم إلى الصلاة داخل السيارة لغياب المساجد المفتوحة في غير أوقات الصلاة الخمسة ..

مرة أخرى : في المقاومة الإيجابية الفردية متسع للجميع : لا تحقرن من المعروف شيئًا ، وفي الاهتمام بعدم الوقوع في الصغائر : إنما النار من مستصغر الشرر ، أو التهوين ممن يشغل نفسه قدر جهده بفضائل الأعمال : فقد غفر الله لعصاة بشربة ماء لكلب عطشان ..

الجهد الفردي في المقاومة مهم جدا وله تأثير على المدى القريب والبعيد ، فأروا الله من أنفسكم خيرًا ..

بتراكم نتائج المعارك الصغيرة والمتناهية الصغر على مدى السنوات تتغير أمم وبلدان ، وتتأصل عادات وأعراف ، وتتبدل هوية وثوابت ، وتتربى أجيال وأجيال منقطعة عن ماضيها وثوابتها وأعرافها وتقاليدها ..