حول خطاب بومبيو في القاهرة

د.عبدالفتاح ماضي

 

لم أندهش من تصريحات وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو الأخيرة في القاهرة، فالرجل يعبر عن سياسة أمريكية واضحة لا علاقة لها بمن يحكم في البيت الأبيض ولا حتى بالحزب صاحب الأغلبية في مجلسي الكونغرس… لقد تعاقب على رئاسة أمريكا منذ ثلاثينيات القرن العشرين (أي منذ روزفلت) 14 رئيسا (7 ديمقراطيون و7 جمهوريون)، ومع هذا ظل هناك شبة إجماع وطني أمريكي على الأسس والغايات الكبرى للسياسة الأمريكية تجاه العرب وتجاه قضاياهم وعلى رأسها مسألة فلسطين، ومسألة طبيعة نظم الحكم والديمقراطية، ومسألة وحدة المنطقة. نعم ظهرت إختلافات بين الادارات المختلفة فيما يخص هذه القضايا لكنها كانت اختلافات في أبعاد هامشية وكانت غير مؤثرة على السياسة العامة.

 

لهذا اتفق الجميع على غايات كبرى يمكن تلخيصها في ثلاث: (1) معاداة أي تغيير سياسي في طبيعة نظم الحكم العربية يقود إلى ديمقراطية عربية حقيقية، تعمل لصالح الشعوب وتعمل أيضا على ظهور تكتل أو تكتلات عربية، (2) معاداة أي جهود تقود إلى وحدة المنطقة من جديد أو حتى مجرد التنسيق بينها، فالمنطقة العربية بالنسبة للسياسة الأمريكية مجال مفتوح و”موحد” لممارسة الهيمنة السياسية والاستغلال الاقتصادي والاختراق الثقافي وذلك بطرق وأشكال مختلفة حسب طبيعة الزمان والمكان، بينما يجب أن تبقى (أي المنطقة) في عيون شعوبها ونخبها منطقة صراعات لا يمكن حلها وذلك عبر تعظيم الاختلافات والبحث دوما عن جذور تاريخية ودينية ومذهبية لها، واقتراح حلول تقوم على تقسيم المقسم، وترسيخ السياسات الاقتصادية النيوليبرالية، وتعزيز فكرة حكم المدن المستقلة، وتعزيز التطبيع مع العدو وغير ذلك، بينما يتم تجاهل الحلول التي تقرب بين الشعوب كالديمقراطية والمواطنة وحكم القانون والمصالحات الأهلية والتعاون والتكامل الاقتصادي.. والتي ثبتت صلاحيتها في حل مشكلات في مناطق أخرى، و(3) الدعم المطلق للحركة الصهيونية والكيان الصهيوني وهذا أمر صارت معالمه معروفة للجميع.

 

وتعددت الوسائل لتحقيق هذه الغايات، ففي السابق كانت الشيوعية هي العدو وتم تقسيم المنطقة إلى دول تقدمية وأخرى رجعية، وتم دعم الدكتاتوريات العربية، واستهداف أي مشاريع عربية للنهوض. واليوم العدو هو الإرهاب ويتم ادخال المنطقة إلى صراعات عدمية بين عناصرها الرئيسية، العرب والترك والفرس، وتعزيز الظروف التي تخلق الإرهاب والتطرف لمحاربة المعتدلين في واقع الأمر. وفي جميع الأوقات تستمر السياسات الأخرى التي تعمل على تعزيز قوة الكيان الصهيوني، واستمرار سياسات الهيمنة الاقتصادية والثقافية والتغاضي عن انتهاكات حقوق الإنسان.

 

لا أرى فارقا حقيقيا بين أوباما وترامب، ولا يجب أن تكون لنا ذاكرة كذاكرة السمكة. نعم من الناحية الشكلية، وبنظرة سطحية، كان أوباما يدعم الحريات والديمقراطية، لقد بدأ عهده بخطابات بلاغية لصالح الديمقراطية، إلا أنه سرعان ما عاد إلى السياسة الأمريكية المعتادة في دعم الدكتاتوريات العربية في ضوء غلبة المصالح الأمنية والتجارية وضغوطات اللوبي الإسرائيلي لصالح أنظمة الثورة المضادة في المنطقة. تحدث أوباما بإعجاب عن ديمقراطية تركيا في خطابه بالبرلمان التركي في أبريل 2009 وعن إعادة بناء علاقات بلاده مع العالم الإسلامي في خطابه بجامعة القاهرة في يونيو 2009 لكن كانت الديمقراطية هي الموضوع الرابع من الموضوعات السبعة التي تضمنها خطاب القاهرة، وجاءت في عبارات مختصرة جدا واحتوت على عبارات بلاغية تدعم الديمقراطية لكنها لا تربط غيابها بالشق الذي له علاقة بأمريكا أي بالتحالف القوى بين واشنطن والدكتاتوريات العربية ولا بالسياسات الأميركية المزدوجة في المنطقة. هذا بخلاف أن هذه العبارات لم تقترن بخطوات أو سياسات محددة بعد هذا.

 

ولاحقا حمّل أوباما مشكلات العالم الإسلامي كله لفهمه هو للصراعات الحالية بالمنطقة على أنها امتداد لصراع عمره ألف سنة بين السنة والشيعة!! وعلى نهجه سار كتاب وسياسيون من الحزبين الديمقراطي والجمهوري. لكن ترامب يتسم بأنه أكثر وضوحا في التعبير عن جوهر وحقيقة سياسة بلاده بلا عبارات بلاغية، ولهذا فلا غرابة في تصريحات المسؤولين الذين يعملون معه، ولا غرابة في كشفه لطبيعة العلاقات بين بلاده وبين الحكومات العربية بشكل سافر للحفاظ على الغايات الثلاث للسياسة الأمريكية التي ذكرتها سابقا. وهو اعتبر منذ البداية أن مشكلة المنطقة بل والعالم هي فيما أسماه “الإرهاب الإسلامي الراديكالي” أي الإسلام نفسه في واقع الأمر كما يرى البعض بكل ما يحمله هذا من تداعيات ومخاطر…

 

تتحمل أمريكا بلا شك جزءا من مسؤولية مشكلات المنطقة لأنها هي القوة المهيمنة التي تدير معظم الصراعات في المناطق الملتهبة والمهمة في العالم، لكن في المقابل هناك مسؤولية أكبر تقع على عاتق دول المنطقة نفسها وقواها ونخبها السياسية والمجتمعية المختلفة التي لم تستطع حتى الآن فهم كيف تدار السياسات الدولية في منطقتنا وكيف يمكن التعامل معها بما يحقق مصالح شعوب المنطقة، ولم تدرك حقيقة أنه لا يمكن مواجهة سياسات الهيمنة تلك إلا بتكتل الجهود والاتفاق على المشتركات العليا بعد تحديد أهم المخاطر التي تهدد وجود العرب وهويتهم الجامعة وقضاياهم العادلة وفهم مصادرها وأبعادها. لدينا “استعمار” و”قابلية للاستعمار” ولا مفر من العمل على الجبهتين معا.

 

في هذه الجولة من الصراع، كانت ثورات 2011 الخطوة الأولى في تغيير المعادلات الراهنة نحو إقامة حكومات مسؤولة تتقوى بشعوبها أمام تغول القوى الغربية، لكن فرّط فيها أصحابها بغباء وجهل قبل استهداف خصومها لها بغباء وجهل أيضا.

(نقلا عن صفحته)