انشقاقات في لبنان حول حضور دمشق القمة الاقتصادية..وبرّي يدعو للتأجيل!

على رغم عجز اللبنانيين عن تشكيل حكومتهم والشد والجذب بين مختلف الفرقاء السياسيين فيما يخص المقاعد الوزارية، يتحمس وزراء تصريف أعمالهم، المكلفين من رئيس الجمهورية، في أداء واجب دعوة الملوك والأمراء والرؤساء العرب إلى حضور القمة الاقتصادية العربية الرابعة التي يستضيفها لبنان في 19 و20 كانون الثاني (يناير) 2019.

لكن تفاعل العديد من المسؤولين مع دعوة رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه برّي، إلى تأجيل انعقاد القمة العربية الاقتصادية أثار المخاوف من تفويت فرصة انعقادها في بيروت، وحصد نتائجها السياسية والاقتصادية. لاسيما بعد تصريح النائب عبد الرحيم مراد ، العضو في الائتلاف السني الموالي لحزب الله ، قوله: إن القمة العربية للتنمية الاجتماعية الاقتصادية “لا يمكن أن تعقد بدون سوريا” بينما اقترح النائب علي بزي ، عضو الكتلة البرلمانية في البرلمان ، تأجيل الحدث حتى يتم تشكيل مجلس الوزراء اللبناني. وهناك من يرفض عقد القمة من الأساس، فقد غرد الوزير السابق بطرس حرب عبر حسابه على موقع “تويتر” قائلا: “‏سامح الله من ورط لبنان باستضافة القمة العربية الاقتصادية في هذا الظرف السياسي العربي الدقيق. إنه زمن الارتجال وقصر النظر بكل أسف”.

وعلل برّي طلب التأجيل إلى حين معالجة مسألة حضور سوريا، وقد تباينت المواقف حيال خلفيات موقف رئيس البرلمان، لكنّ مصادر القصر الجمهوري أكدت ، أن القمة «لا تزال مقررة في زمانها ومكانها». وقالت: «حتى الآن لم تتبلغ اللجنة المنظمة للقمّة، أي بلاغ من الأمانة العامة للجامعة العربية، ولا من أي جهة عربية معنية بالأمر بتأجيلها أو إلغائها، وبالتالي فإن القمة لا تزال قائمة في موعدها ولم تطرأ عليها أي تعديلات». وعمّا إذا كان هذا التباين بشأن هذه القمة ولّد شرخاً في العلاقة بين رئيس الجمهورية ميشال عون، ورئيس مجلس النواب نبيه برّي، اكتفت مصادر قصر بعبدا بالقول: «ليس لدينا تعليق على موقف الرئيس برّي». لكن الرئيس اللبناني ميشال عون قد أكد الأسبوع الماضي أن القمة ستعقد كما هو مخطط لها و “في موعدها”

ويرى الخبير المالي والاقتصادي الدكتور مروان إسكندر، أن «ثمة خوفاً لدى الرئيس برّي وقوى سياسية أخرى من فشل القمّة، بسبب غياب الرؤساء والقادة العرب عنها، وحصر التمثيل بالسفراء أو وزراء الخارجية». وأشار في تصريح له إلى أن «دعوة سوريا ربما تشكّل عقدة أساسية، لأن ذلك يصعّب عودتها إلى الجامعة العربية»، لافتاً إلى أن الرئيس برّي «يحاول تفادي مشكلات قد تنتج عن غياب سوريا عن القمة».

لقاء حزبي يدعم حضور سوريا

في خطوة لتحرير لبنان من التزامات قرارات الجامعة العربية ، صدر عن “لقاء الاحزاب والقوى والشخصيات الوطنية اللبنانية” الذي يضم “حزب الله” وحركة “أمل” وسائر أحزاب 8 آذار، بيان شدد على أن “عقد القمة العربية الاقتصادية في بيروت من دون دعوة سورية إليها، لا قيمة له وليس من مصلحة لبنان السياسية والاقتصادية في الوقت نفسه، فلبنان بأمس الحاجة لهذا الحضور لتكون القمة هي المدخل لمشاركته في إعادة إعمار سورية ودعوة العرب إليها من البوابة اللبنانية، بحيث يقطف لبنان ثمار هذه العودة ولا يكون بالتالي آخر من يعود إلى سورية.

ودعا “لقاء الأحزاب” الرئيس عون إلى المبادرة لتحرير لبنان من أية التزامات عربية تتعارض مع مصلحته المباشرة، بما خص عقد قمة على أراضيه لا تدعى إليها سورية، لا سيما أن لبنان نأى بنفسه عن قرار الجامعة العربية بفرض الحصار على سورية”.

وتزامنا مع دعوة برى أعلن رئيس مجلس ادارة قناة nbn (الناطقة باسم حركة “أمل”) قاسم سويد، في بيان بأن “إدارة القناة اتخذت قرارا بمقاطعة التغطية الاعلامية للقمة التنموية الاقتصادية العربية في حال انعقادها في بيروت في 19 من الشهر الجاري كما هو مقرر”. وأشار الى أن “قرار الـnbn بالمقاطعة الاعلامية لفعاليات القمة يأتي انسجاما مع الدعوات لتأجيلها بسبب عدم دعوة الشقيقة سورية إليها وعدم الدخول في لعبةالتجاذبات والترويج الإعلامي لتصفية الحسابات العربية على أرض لبنان”. لكن من جانب أخر رفض النائب السابق فارس سعيد فغرد قائلا: “يجب عدم دعوة سورية الى القمة الاقتصاديّة العربية في بيروت وعلى نظام الأسد أن يفعل الكثير حتى يقبل به نظام القيم الإنساني”.

وأشارت مصادر نيابية لبنانية إلى توجه لحسم موضوع عدم توجيه دعوة لدمشق. وقالت المصادر بأن «توجيه دعوة للرئيس السوري بشار الأسد يتطلب تفاهما داخليا وبالتحديد من قبل رؤساء الجمهورية والحكومة والمجلس النيابي، وهو تفاهم غير موجود حاليا، في ظل رفض الرئيس سعد الحريري الموضوع جملة وتفصيلا. إضافة إلى أن أي دعوة لدمشق ستؤدي تلقائيا لمقاطعة عربية كبيرة للقمة، وهو آخر ما يسعى إليه لبنان الرسمي».  ورأى خوري أن «مجرد قبول الدول العربية بأن تستضيف بيروت هذه القمة، فذلك دليل ثقة بلبنان، ما يعطي نفسا إيجابيا، خاصة أنه لا شك ستحصل الكثير من اللقاءات الجانبية على هامش المؤتمر التي لا شك ستعود بالفائدة على لبنان».

أهمية القمة للبنان

ينظر اللبنانيون الى القمة الاقتصادية التي تستمر يومين والتي من المقرر ان تنطلق في بيروت في 19 يناير على أنها فرصة لتأمين الدعم للبنان الذي يعاني من تباطؤ اقتصادي حاد. كما يعوّل المسؤولون اللبنانيون على هذه القمّة انطلاقاً من ثلاثة ثوابت: الأول تكريس الاهتمام العربي بلبنان، والثاني عدم إضاعة فرصة حضور دول الخليج العربي المساهمة في مؤتمر «سيدر» إلى لبنان، والثالث تفعيل الاستثمارات العربية التي يحتاج إليها البلد في خضم أزمته، وهو ما أشار إليه وزير الاقتصاد والتجارة في حكومة تصريف الأعمال رائد خوري، الذي استبعد أي تعديل في موعد انعقاد القمة أو مكانها، وأكد أن «القمة تشكل فرصة سياسية واقتصادية للبنان يجب تلقفها وعدم التفريط بها». وقال: «لبنان جزء من العالم العربي والجامعة العربية، وهو في الحضن العربي، وأهمية هذه القمّة أنها ستُعقد في بلد يتمتّع بنظام اقتصادي حرّ، وبالتالي لا يمكن التفريط بالقمة أياً كانت الأسباب والمسوغات التي يسوقها البعض».

وأضاف وزير الاقتصاد رائد خوري وهو من فريق الرئيس عون الوزاري: «إخواننا العرب يحبون لبنان ولديهم استثمارات فيه، والبلد بحاجة إلى دعم وتضامن أشقائه العرب الذين كانوا مساهمين أساسيين في مؤتمر (سيدر)، وهناك مشاريع سياحية واستثمارية بين لبنان ودول الخليج العربي، إضافة إلى وجود آلاف اللبنانيين الذين يعملون في دول الخليج، عدا عن الترابط التاريخي والثقافي مع كلّ الدول العربية، وبالتالي يجب أخذ كل هذه الأمور بعين الاعتبار وعدم التفريط بالقمة».

وتابع  أنه من الصعب تحديد تأثيرات هذه القمة منذ الآن على الاقتصاد اللبناني، لافتا إلى أننا مقبلون على مرحلة إعادة إعمار سوريا كما على انطلاق العمل بالمشاريع التي تم تأمين التمويل اللازم لها خلال مؤتمر «سيدر»، وعلى تطبيق قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص، إضافة إلى بدء تبلور الخطة الاقتصادية مطلع العام المقبل»، وقال إن «كل ما سبق يجعل لبنان جزءا من اهتمام الدول العربية، كما أننا سنسعى لعقد لقاءات بين القطاع الخاص في لبنان والقطاع الخاص في تلك الدول لتنشيط الاقتصاد الوطني».

محاولة استغلال القمة 

ويعاني الوضع الاقتصادي والمالي تراجعاً كبيراً، لجهة غياب النمو وارتفاع العجز في الموازنة وزيادة البطالة، وتراكم الدين العام الذي تجاوز عتبة الـ80 مليار دولار، وأمام هذه التحديات دعا وزير الاقتصاد رائد خوري إلى «الاستفادة من الاهتمام العربي بلبنان، خصوصاً أن الدول العربية تريد أن يكون لبنان منصّة في عملية إعادة إعمار سوريا من خلال موقعه الجغرافي، ومن خلال قدرة القطاع الخاص اللبناني على لعب دور أساسي في إعادة الإعمار، وكلّ هذه الأمور تدعونا إلى عدم تفويت انعقاد القمة العربية ببيروت في موعدها المحدد». وسأل: «هل يُعقل أن نجعل من لبنان بلداً لتلقي الضربات فقط، ولا نستفيد من الأشياء الإيجابية؟».

وفي سياق متصل  تسلم الوزراء اللبنانيون أمس دعوات لحضور جلسات القمة التنموية الاقتصادية العربية المزمع عقدها في بيروت في 19 يناير (كانون الثاني) الحالي، فيما بدأ المعنيون باستقبال الوفود العربية تدريبات في مطار رفيق الحريري في بيروت استعداداً لاستقبال الوفود العربية المشاركة في القمة.

وقالت مصادر لبنانية إن الوفود السباقة التي عادة ما تصل لإجراء تحضيرات لوجيستية وتستبق أي قمة أو اجتماعات عربية «بدأت الوصول إلى بيروت منذ أمس الخميس»، لافتة إلى أن هذه الفرق تجري التحضيرات اللوجيستية والإدارية والأمنية. وقالت المصادر إن اللجنة التحضيرية للقمة الاقتصادية «لم تتلق أي إشارة من مجلس الجامعة العربية أو الدول العربية باحتمال تأجيل انعقاد القمة».

المصدر/ بوابة الشرق الإخبارية + متابعات