الدكتور محمد محسوب يكتب: الاسم الكودي للانقلاب (تعديلات دستورية 2019)

بقلم د محمد محسوب

لا يتعلق الأمر بتعديل دستور مهمل يجري انتهاكه في كل دقيقة، وإنما بإنهاء كل أساس دستوري لمسائلة السلطة أو لانتقادها أو للتمسك بالحقوق والحريات أو للدفاع عن الأمن القومي والحقوق السيادية.

نحن أمام عملية انقلابية باسم كودي “تعديلات دستورية” وليس إجراءات حقيقية لتعديل دستور بشكل ديموقراطي أو حتى بشكل استبدادي كالذي عهدناه في عهد مبارك أو السادات.

نظرة سريعة على المواد المستهدفة بالتعديل ستجعلنا نسلم سريعا بأن ما يجري هو انقلاب أشد وطئة على الدولة المصرية من الانقلاب الدموي في 3 يوليو 2013.

فالهدف المعلن هو تعديل المادة 140 الخاصة بمدة الرئاسة وعدد المرات التي يجوز أن يُعاد انتخاب أي رئيس لها، فهذه المادة – وهي من موروثات دستور 2012 – تقضي بأن مدة الرئاسة 4 أعوام ولا يجوز لأي شخص أن يُعاد انتخابه لأكثر من فترتين.

وما يُروج له هو أن تُعدل المادة لفترة انتقالية لصالح السيسي وحده، بحيث تكون 6 سنوات لفترتين، ثم يعقبهما انتقال السيسي لرئاسة ما يُسمى بمجلس حماية الدولة وأهداف 30 يونيو، وهنا يكمن الخطر الأكبر.

فبالإضافة إلى أن معنى ذلك هو استمرار السيسي لإثنى عشر سنة تالية للعام 2022، فإنه حتى بعد انقضاء هذه الفترة سيبقى جاثما على صدر الدولة والشعب.

تعود شعبنا على جبابرة يعدلون الدساتير أو حتى يلقون بها في سلات المهملات.

لكن هذه المرة الأولى يجري دسترة طغيان شخص بعينه، بحيث يجري صهر الدولة في شخصه، فيصبح تعديل الدستور لحساب شخص، ثم يجري صناعة قواعد دستورية تجعله حامي الدولية ، على شاكلة فتوات الأحياء الشعبية في الأربعينات أو صعاليك العرب في عصر الجاهلية.

وبالتالي فإن دستور لجنة الخمسين مرشح ليكون “دستور السيسي” بدون مواربة أو حياء.

الحقيقة أن التعديلات تستهدف دسترة ثلاثة عناصر:

الأولى، تعديل المادة 140 الخاصة بمدة الرئاسة وعددها، وهي أهون التعديلات.

الثانية، تعديل المادتين 146 و 147 الخاصة بتعيين الحكومة أو إقالتها أو إدخال التعديلات عليها، ووفقا للوضع الحالي يحتاج كل ذلك لموافقة البرلمان، ويُشترك أن تكون الحكومة من حزب الأغلبية، ويبدو واضحا أن الهدف إلغاء هذه النصوص في الدستور بعد أن تم إلغاؤها واقعيا.

الثالثة، تعديل المواد 18، 19 و 23 والخاصة بحقوق الصحة والتعليم ومخصصات البحث العلمي من الناتج القومي، وهو ما ينطوي على إشارات لما يحمله برنامج السيسي الذي يروج له تحت عنوان “اللا برنامج” ، وهو انسحاب الدولة بالكامل من المجالات الثلاث، وترك الشعب يواجه بنفسه متطلبات التعليم والصحة، وكذلك إنهاء كل أساس للبحث العلمي ومؤسساته بما فيها الجامعات، لتًصبح مصر ليست أكثر من سوق لكل شئ وشعبها مستهلكا لأي شيئ إن بقيت لدى بعض منه القدرة على الحصول على ما يحتاجه.

الرابعة، تعديل المواد الخاصة بالإعلام في الباب العاشر، وهي المواد من 211 وما بعدها، ومن ثم إنهاء الهيئات المستقلة التي استحدثها الدستور بعد الثورة، وهي المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والهيئة الوطنية للإعلان والهيئة الوطنية للصحافة، والتي تتمتع بشخصة مستقلة واستقلال مالي وإداري وعدم حق الرئيس في التدخل في شئونها. ورغم أن كل ذلك لا يوجد في الواقع، غير إن وجود هذه الأحكام بالدستور يجعل الأمل قائما في أن استقلال الإعلام سيتحقق يوما. وهذا بالضبط ما يرغب مغول العصر في أن يقضي عليه.

الخامسة، وهي أخطر التعديلات، وتشمل:

– إنشاء ما يُسمى بمجلس حماية الدولة وأهداف الثورة، ليكون سلطة فوق كل السلطات، وفوق كل المؤسسات. وهو مجلس يشبه ما كان موجودا في أكثر البلدان فاشية وعتامة.

– تعديل المادة 200 والتي تحدد وظيفة الجيش في الدفاع عن الوطن، ليُصبح “حاميا للدستور”، في تكرار لما سارت عليه دكتاتوريات بالمنطقة غابت شمسها، وكان هذا النص أساسا لانقلابات متتالية وانهيار اقتصادي مستمر وعدم استقرار مدمر.

– تعديل المادة 241، في فقرتها الأخيرة بشأن ضرورة إصدار قانون للعدالة الاجتماعية والمكاشفة والمصالحة. والهدف دسترة فلسفة السلطة القائمة التي لا تقبل التصالح مع أحد بل وتوسع من دائرة خصومها يوما بعد يوم. فهي لا تقبل إلا أتباعا لا رعايا ولا معارضين ولا حتى مؤيدين يفهمون أو يستفسرون.

– تعديل المادة 226 والتي تحظر تعديل المواد الخاصة بمدة الرئاسة وعددها، وكذلك المواد المتعلقة بالحريات والمساواة. وهو ما سيفتح الباب، ليس فقط لتعديل المادة 140 الخاصة بالرئاسة، بل بكل باب الحقوق والحريات التي كرسها دستور 2012 ولم يمسها دستور 2014.

وبالإضافة لهذه المواد، فإن حزمة أخرى من المواد المستهدف الإطاحة بها لم يعلن عنها، وأهمها المادة 62 الخاصة بحظر الإبعاد من الوطن أو منع العودة، والمادة 151 الخاصة بحظر إبرام اتفاقات تنطوي على تنازل عن أراضي أو حقوق سيادسة. ولا أعتقد أنه يخفى على أحد الأهداف الكامنة خلف المساس بهاتين المادتين.

فالمادة 151 هي أساس دستوري لمحاكمة أولئك الذين تنازلوا عن تيران وصنافير وحقوقنا التاريخية في مياه النيل.

كما أن إبعاد أكبر عدد من المصرين من وطنهم هو هدف معلن، تردده أبواق السلطة (مش عاجبكم سيبوها).

الغاية ليست فقط تمديد فترة الحكم للسلطة القائمة، بل ربط الدولة بها وجودا وعدما، وهدم كل أساس دستوري للمطالبة بالحقوق السياسية أو الاجتماعية أو لاتهام السلطة بالخيانة.

كذلك تفريع البلاد من أصحاب الرأي سواء بحبسهم أو بإبعادهم خارج البلاد.

60 total views, 6 views today