لماذا يبالغ السيسى فى قوة الأمريكان؟

محمد سيف الدولة

 

“إن أمريكا مسئولة عن الأمن فى العالم”.

وردت هذه الجملة على لسانعبد الفتاح السيسى فى حديثه مع برنامج ٦٠ دقيقة فى معرض إجابته على سؤال المذيع عن لماذا يجب على الشعب الامريكى الاستمرار فى الاستثمار فى حكومتك؟

فكان رده بالنص: ((لانهم يستثمرون فى الأمن والاستقرار فى المنطقة، والولايات المتحدة مسئولة عن الأمن حول العالم))

كان هذا هو أكثر ما ازعجنى فى حواره المذاع مع قناة CBS، وليس تصريحاته حول عمق العلاقات المصرية الاسرائيلية فهى حقائق ثابتة ومعلومة وموثقة منذ فترة طويلة.

أما الكلام عن مسئولية الأمريكان عن الأمن فى كل العالم فهو كلام لا يصح ان يصدر من اى رئيس دولة فى العالم حتى لو كان يعبر عن الحقيقة.

فالمسئول رسميا عن السلم والأمن الدوليين هو مجلس الأمن بالأمم المتحدة والذي تتحكم فى قراراته كما هو معلوم للجميع خمس دول كبرى وليس الولايات المتحدة وحدها. وهو الوضع الذى ترفضه عديد من دول العالم مطالبة بإلغاء هذا الامتياز لدول الفيتو، وبالمساواة بين كل دول العالم بدون تمييز.

فيأتى رئيس الدولة المصرية التى كانت فى يوم من الأيام رأس حربة فى تأسيس حركة عدم الانحياز، ليقر ويعترف للامريكان بأنهم الدولة المسئولة عن أمن العالم!

كما أن العكس هو الصحيح على طول الخط، فالولايات المتحدة الأمريكية هى الدولة الأكثر تهديدا وإضرارا بأمن واستقرار غالبية دول العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ناهيك عن أنها الدولة الأكثر عداء واعتداء على المصالح المصرية والعربية وعلى أمننا القومى، وقصتها معنا منذ ١٩٦٧ وأثناء حرب ١٩٧٣ وبعدها لا تزال محفوظة ومحفورة فى ذاكرة المصريين. ونهبها لثرواتنا وغزوها للعراق وأفعانستان وقواعدها وعربدتها العسكرية فى المنطقة محل رفض من كل الشعوب العربية.

وبعيدا عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن، فإن الواقع الحالى فى الساحة الدولية ينفى تماما احتكار الولايات المتحدة لزعامة العالم اليوم، فبجانب روسيا والصين والاتحاد الأوروبى، هناك عديد من دول العالم المستقلة عن الولايات المتحدة والمناهضة لسياساتها فى دوائرها الإقليمية.

إن كافة التيارات الوطنية فى الدول النامية تجمع على رفض ومقاومة العولمة الأمريكية التى تسعى إلى عبور الحدود وإضعاف الدولة القومية وانتهاك سيادتها الوطنية.

كما أن فى الاعتراف والقبول بأن أمريكا هى المسئولة عن الأمن فى العالم، دعوة ومباركة لتدخلها فى الشئون الداخلية لمصر والمنطقة وباقى دول العالم، وقبول لسياساتها وقراراتها المعادية والمعتدية على الحقوق العربية والفلسطينية، وآخرها الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وتأييدا لحقها فى الدعم اللامتناهى لإسرائيل والحفاظ على أمنها. كما أن فيه انحيازا وخضوعا كاملا للأمريكان، وتهميش واستخفاف وغهانة لباقى الدول الكبرى الصديقة فى العالم كروسيا والصين.

والغريب أنه يلقى بكل ثقله ورهاناته على دور الأمريكان فى العالم، فى الوقت الذى لا يكل ولا يمل فيه الرئيس الأمريكى من تكرار أن “أمريكا أولا”، كما أنه لم يكف منذ تولى منصبه عن تهديد ومطالبة دول المنطقة بدفع مزيد من الأتاوات إن هى أرادت استمرار أمريكا فى حماية أنظمتها وحكامها من السقوط.

لم تكن هذه هى المرة الأولى التى يعرب فيها السيسي عن مكنون نفسه تجاه الولايات المتحدة، فلقد اتخذ كثيرا من المواقف والسياسات التى تعكس انحيازاته التامة للأمريكان ورهاناته عليهم، منها على سبيل المثال وليس الحصر:

تعليماته إلى البعثة المصرية فى الأمم المتحدة فى ديسمبر 2016 بسحب قرار إدانة المستوطنات الاسرائيلية من مجلس الأمن بعد مكالمة تليفونية من ترامب تطالبه بذلك.

نداءه إلى الرئيس الأمريكى فيما يشبه الاستنجاد بعد جريمة الاعتداء الإرهابى على حافلات الأخوة الأقباط فى المنيا فى 26 مايو 2017.

وتصريحاته فى لقائه مع ترامب فى البيت الأبيض 3 أبريل 2017 الذى قال فيه ((إعجابى الشديد بشخصية الرئيس المتفردة .. ستجدنى أنا ومصر بجانبك بكل قوة وكل وضوح لمواجهة الإرهاب والقضاء عليه .. ستجدنى داعما وبشدة لكل الجهود التى ستبذل لصفقة القرن التى أنا متاكد أن فخامة الرئيس هيستطيع انه ينجزها))

وكلماته فى لقائه بالرئيس ترامب فى الرياض فى 21 مايو 2017 الذى قال فيه ان لترامب شخصية متفردة قادرة على صنع المستحيل.

ومن قبل قوله فى حديثه مع قناة CNN فى سبتمبر 2015 انه “لا يوجد جيش على وجه الأرض يستطيع أن يواجه الجيش الأمريكى”. فى سياق حديثه عن مواجهة الجماعات الارهابية.

وأخيرا وليس آخرا تلك الصورة المهينة والجارحة التى كان قد تم التقاطها فى البيت الأبيض فى أبريل 2017 والتى ستظل محفورة فى ذاكرة الجميع وستتحول إلى رمز فج وكريه للتبعية المصرية للولايات المتحدة الأمريكية، حين قبل أن يقف مع جموع الواقفين خلف ترامب الذى انفرد وحده بالجلوس.

لقد أعطى السادات بعد حرب أكتوبر 99 % من أوراق الصراع العربى الصهيونى للأمريكان.

وها هو خليفته وتلميذه النجيب عبد الفتاح السيسى يؤكد على المعنى ذاته، ليس فقط فى مصر أو المنطقة، بل فى العالم أجمع.

(نقلا عن صفحته)