جمال خاشقجي..الدبلوماسية البشعة (ماذا؟) (1)

آخر 24 ساعة لخاشقجي .. الأسرار المظلمة للجناية

الرحلة الأبدية للمقتول – يوم الموت في مطار أتاتورك -الفريق الغامض في صالة GHT- الشرطة السعودية

 

“الرجل الذي على حافة الموت يقول الوداع , ينظر إلى المرآة الموضوعة أمامه و يقول “لن نتقابل بعد ذلك. ” بول فاليري[1]

 

الرحلة الأبدية للمقتول

ربما ولأول مرة تسمع صوت الإمام علي توس وهو يصلي في جنازة الغائب، أو صوت مسجد المركز الإسلامي في الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة ماريلاند:

“هل لكم أن تسامحوا المرحوم؟”

“نعم.”

“هل لكم أن تسامحوه؟”

“نعم.”

“هل لكم أن تسامحوه؟”

“نعم.”

هذا السؤال من الإمام والجواب من المصلين لم يكن في تركيا وأمريكا فقط,  بل إنه كان في مكة ولندن وباريس وإسلام أباد والكثير من المناطق في العالم .

صلاة الجنازة التي تكون من غير الركوع والسجود فقط في القيام والتكبير, وهي التي نودع بها الميت إلى الآخرة …

الشخص الذي صلينا عليه صلاة الغائب,هو ذلك الشخص الذي قتل في القنصلية السعودية في مدينة اسطنبول في تاريخ 2 أكتوبر/تشرين الأول 2018  وقد قتل بوحشية لا يقبلها الدين الإسلامي أو حتى الأديان السماوية الأخرى كما تستنكرها القيم الإنسانية عموما، هو ذلك الشخص الذي يعمل ككاتب صحفي في جريدة واشنطن بوست هو جمال خاشقجي .

ألاف الأشخاص شاركوا في صلاة الغائب مع التكبيرة الرابعة وإعطاء السلام, لو أننا كنا قد عثرنا ولو على قطعة صغيرة من جثة الشهيد لكنا حملناها وذهبنا بها إلى المقبرة ودفناها هناك . ولكن مع الأسف لم يكن هناك تابوت يحمل أي قطعة من الشخص المقتول, ولهذا السبب لن يكون له قبر.

صلينا صلاة الغائب في يوم 11 نوفمبر في مسجد الفاتح في مدينة اسطنبول حيث لقي الراحل حتفه, وشارك في الصلاة الآلاف من الناس حيث شارك صديق خاشقجي مستشار رئيس حزب العدالة والتنمية ياسين أقطاي , ونائب مدينة اسطنبول عن حزب العدالة و التنمية أحمد حمدي تشاملي , ورئيس بلدية سلطان غازي جاهد ألتوناي , ورئيس بيت الإعلاميين العرب في تركيا توران كشلاكجي, والكثير من أصدقاء جمال خاشقجي الذين يعرفونه وحتى الذين لا يعرفونه أو حتى لم يسمعو اسمه إلا في ذلك اليوم .

كان متبقياً لجمال أحمد حمزة خاشقجي 11 يوم حتى يكمل عامه الستين, حيث أنه ولد في 13 أكتوبر من عام 1958. لم يكن يعلم أنه سوف يموت في الشهر الذي ولد فيه، ولكنه كان يريد أن يتم دفنه في المدينة المنورة، وهي المدينة التي ولد فيها. الآن إذا أردنا تنفيذ الوصية فإننا مع الأسف سنواجه هؤلاء الوحشيين الذين هم بعيدون كل البعد عن تنفيذ الوصية. جميع الأشخاص الذين أقاموا صلاة الجنازة كانو يتمنون تطبيق الوصية للشهيد الراحل.

 

يوم الموت في مطار أتاتورك

قبل مغادرة خاشقجي إلى دار الأخرة، كانت آخر رحلة في الدنيا قام بها الصحفي جمال خاشقجي هي رحلته من لندن إلى اسطنبول.

كان يوما جميلا أوائل شهر أكتوبر. كان موجودا على متن الطائرة المحلقة من لندن إلى اسطنبول حيث أن الطائرة وصلت اسطنبول في حدود الساعة 3:50, ونزل من الطائرة وذهب إلى قسم الأجانب من أجل ختم حواز سفره والعبور إلى تركيا.

جمال خاشقجي كان قد خطب فتاة تركية اسمها خديجة جنكيز مولودة في الثامن عشر من تموز عام 1982 , مقيمة في مدينة بورصة منطقة داوود قاضي. لكنهما لم يكونا متزوجين بصورة رسمية بعد، ولهذا السبب لم يكن حاصلا على الجواز التركي .

في تمام الساعة الرابعة وست دقائق عبر جمال خاشقجي من قسم الجوازات في مطار أتاتورك، واتجه نحو قسم الجمرك ومعه حقيبته في تمام الساعة الرابعة وثمان دقائق . وعند الساعة الرابعة و تسع دقائق خرج من قسم الجمرك. تقريبا بعد دقيقتين ركب في سيارة أجرة صفراء واتجه إلى بيته الموجود في منطقة توب كابي.

وكان خاشقجي قد اشترى هذا البيت فقط قبل قتله بأسبوع واحد, وتحديدا في  25 سبتمبر أيلول . هذا البيت الموجود في القسم الأروبي من اسطنبول في مجمع كالي, كان هو البيت الذي  يخطط خاشقجي وخديجة أن يعيشا فيه بعد الزواج . لكن هذه الخطة لم يكتب لها التحقيق،.حتى يتزوجا في هذا البيت كان مطلوبا من خاشقجي أن يحضر ورقة من القنصلية السعودية في اسطنبول تثبت أنه أعزب ويحق له الزواج, ولكن لم يتحقق ذلك وكان للشرطة أن تدخل البيت بعد قتل خاشقجي.

وصل بيته في حدود الساعة 04:40 دقيقة، وفي الساعة 04:56 دقيقة دخلت خطيبته خديجة بجانبها ظرف، وتحدثا وتسامرا كثيرًا عن ما سوف يتم القيام به من أجل مرحلة الزواج وعن أفكارهما وأحلامهما .

الفريق الغامض في صالة GHT

في هذه الأثناء وبعد 23 دقيقة فقط من مغادرة خاشقجي المطار كانت هناك تحركات في صالة محطة الطيران العامة.  قبل ثلاث ساعات ونصف; طائرة تابعة للحكومة السعودية تحمل اسم Sky Prime Aviation ورقم ذيل الطائرة الخاصة التي طارت من الرياض الى اسطنبول هو HZ SK2 ,حيث كانت تحمل فريق مكون من 9 أشخاص.

الفريق الذي كان تحت إدارة العقيد في الإستخبارات السعودية ماهر عبد العزيز المطرب، دخل من الصالون في تمام الساعة الرابعة و29 دقيقة. جميع عناصر هذا الفريق قد حضروا إلى اسطنبول في تاريخ 2 أكتوبر وغادرو في نفس اليوم، كما أنه تم رؤيتهم في مناطق مختلفة في إسطنبول، مطار أتاتورك، الفندق الذي أقامو به في منطقة لفنت، ومنطقة الجلوس داخل فندق W.G.، محيط مبنى القنصلية السعودية في إسطنبول، ومحيط المنطقة المقيم بها القنصل السعودي في اسطنبول …

كانت عناصر الفريق تعلم أنه عندما تبحث المخابرات التركية والشرطة التركية عن الدلائل سوف تخضعهم تحت الإعتقال الالكتروني، ما هذا الإعتقال؟ بالتعبير الشرطي أنه لم تحدث الجريمة بعد، هو تحري استخباراتي جدي أو متابعة الكترونية للقبض عليهم، أما محاولة معرفة سبب وجودهم هنا وهدفهم من القدوم الى اسطنبول كان لا يجوز إلا بعد حصول الجريمة. وبعد حدوث الحادث بدأت المخابرات والشرطة التركية بالوقوف على الجريمة وبدأو في حل اللغز وتم حله.

أهم أفراد الفرقة القاتلة القادمة إلى تركيا هو ماهر عبد العزيز المطرب وصلاح محمد الطبيقي صاحب ال 47 عامًا، وهو رئيس قسم الطب الشرعي، هومن قام بإزالة آثار الجثة وقام بتنظيف الأدلة.

أيضا مطرب صاحب ال 47 عاما هو من المرافقين الدائمين لولي العهد السعودي محمد بن سلمان في رحلاته خارج السعودية، وهو يأتي يعتبر أهم اسم في الفريق القاتل. في الماضي عمل كجنرال في القنصلية السعودية في انجلترا. عندما أتى الفريق الذي يترأسه مطرب إلى اسطنبول قام بحجز الفندق القريب من منطقة لفنت حيث أن الفندق يقع على بعد مئات الأمتار من القنصلية السعودية، تم حجز الفندق حتى تاريخ 5 أكتوبر ولكنهم غادروا الفندق في نفس اليوم.

في الثاني من أكتوبر تمكنت كاميرات الأمن من تصوير جميع أعضاء الفريق في مناطق متفرقة من إسطنبول، أمر ما كان محل شكوك وريبة (وكما هو معلوم فإن الشيطان يكمن في التفاصيل ) هو أن هذا الفريق عندما أقلع من الرياض بطائرة خاصة فمن المحتمل وبشدة أنه كان يعلم موعد مغادرة جمال خاشقجي من لندن إلى اسطنبول .

كان خاشقجي في لندن بمناسبة السنة ال 25 لإتفاقية أوسلو، كان المؤتمر يضم نوابا في البرلمان ووزراء قدماء وسفراء دول، وكان فريق الجريمة يعلم أن خاشقجي هناك, ويعلم كيف كان خاشقجي ينتقد السياسة السعودية بالنسبة لفلسطين .

في أي ساعة سوف يبدأ الفريق مهمته، وفي أي دقيقة كان مخططا له، حيث أنهم من قبل خططو لكل شيئ بأدق تفاصيله. ولكن فاتهم شيئ مهم جدا: أن المخابرات التركية والشرطة التركية لا تترك أي أثر أو أي شيئ مهم خلف الفرقة المدبرة إلا وتتفحصه ولماذا جاؤوا؟ وماذا فعلو حتى تتبين الحقيقة.

 

الشرطة السعودية

على الرغم من كل التخطيط الأمني السعودي إلا أن يقظة الأمن التركي أفشلت العملية بتاريخ 28 سبتمبر أيلول، وتم تمديد العملية إلى 2 أكتوبر، وقد بدأت عندما خرج جمال خاشقجي مع خطيبته يدا بيد من قسم الزواج في منطقة الفاتح متجهين بدون موعد مسبق إلى القنصلية السعودية، في أول مرة ذهب بها ألى القنصلية كان قد طلب منهم أن يأخذ وثيقة تدل على أنه مسموح له بالزواج.

القنصلية أعطت خاشقجي موعدا في 2 أكتوبر. ذهب خاشقجي لمدة أربعة أيام إلى لندن. وفي الثاني من أكتوبر وخلال ساعات الصباح كان الأشخاص الذين خرجوا من محطة الطيران العامة وأنهوا ختم جوازاتهم هم أنفسهم الأشخاص الذين جاؤوا من أجل قتل خاشقجي.

عندما كان هذا الفريق على وشك دخول الأراضي التركية كان خاشقجي في مطار أتاتورك. بعبارة أخرى , فإن الفرقة القاتلة التي ستقتل خاشقجي والجلادين الذين سوف يذبحونه بعد 9 ساعات من دخوله القنصلية السعودية في اسطنبول في تلك اللحظة كانوا هم وخاشقجي في نفس المكان في المطار .

عناصر الفرقة القاتلة كانوا قد خططوا من قبل كيف سيقتلون خاشقجي, وكيف سيتخلصون من الجثة وكانوا مصممين على السير في إتمام مخطط العملية .

الكاميرات كما أنها تسجل كل شيئ في المطار فقد سجلت أيضا هؤلاء الذين يفتقدون المشاعر مثل الرجل الآلي. لأنهم كانو يفكرون مثل الرجل الآلي بضرورة تنفيذ العملية وكانوا جاهزين لذلك. كأنهم موجهين بالتحكم عن بعد مثل الرجل الآلي تماما. حتى ذلك اليوم لم نر أناسا بمثل هذه الوحشية. لو لم يكونوا كذلك لما ارتكبو جريمة بشعة من أبشع الجرائم التي عرفتها الإنسانية .

في الصحافة هناك جمل مجازية ومبالغ فيها لتحديد قيمة الخبر : ” لا يكون الخبرمهما عندما يعض الكلبُ الإنسان ولكن عندما يعض الإنسانُ الكلب ”

وهذا يدل على أهمية مقتل الصحفي جمال خاشقجي حيث أنه منذ عدة أشهر ونحن دائما نذكره في أخبارنا،. جريمة خاشقجي لها ثلاثة أبعاد  ( الدبلوماسية , المخابرات , الشرطية ) ولم يحدث أن يعض الإنسان الكلب , لأنه لم يحدث حدث مثل هذا في التاريخ الدبلوماسي أو الشرطي أو الاستخباراتي.

هل رأيتم وشهدتم قبل ذلك فرقة اغتيال مكونة من 15 شخصا يذهبون إلى شركة طيران تابعة للدولة ويحضرون بطائرة خاصة على مدار يومين, وأيضا يحملون هوياتهم وأسمائهم الحقيقية ويدخلون إلى قنصلية بلادهم وخلال ساعتين من الزمن قتلوا وقطعوا جثة خاشجقي, وبعد كل ذلك عادوا إلى وطنهم؟ وقبل كل شيئ هل رأيتم أو سمعتم عن قنصلية تتعاون مع القتلة في الجريمة ؟

إدغار آلان بو ,  جون لو كاريه ,  فريدريك فورسيث حتى مثل هؤلاء الكتاب والأدباء الذين كتبوا عن الجاسوسية وحتى السياسي هنري كيسنجر في القرن العشرين لم نرى في مؤلفاتهم مثل وحشية جمال خاشقجي .

وبينما نحن نتحدث عن جمال خاشقجي نذكر شيئا لم يذكر حتى في الروايات المخابراتية والبوليسية. وهو العلاقة الإلهامية بين الروايات البوليسية وبين الجرائم الحقيقية “من عمالقة الروايات البوليسية الكاتبة الإنجليزية أجاثا كريستي حيث أنها في عام 1933 كانت في فندق اسطنبول بيرا بالاس وكتبت فيه “الجريمة في التعبير الشرقي” Murder on the orient express. حيث أن مصدر إلهام هذا الكتاب أن القاتل الحقيقي ما زال غير موجود.

لو أن خاشقجي قتل بطريقة العصر القديم حيث لا يعرف الفاعلون، يعني على سبيل المثال لو أنه أخذ وتم نقله حيا إلى مكان آخر، وبعد كل هذا الضغط من المجتمع الدولي، وحتى لو كانوا أخذوا خاشقجي إلى الرياض لكانو أحضروه مرة أخرى ولو سرا.

حتى أنهم كان بإمكانهم أن يحضروه علانية. لأن ما نشرته “الصباح” و”واشنطن بوست” و”نيويورك تايمز” يدل على أنه تم كشف هويات الفريق القاتل وعناصره.

لم نر جريمة مثل تلك من الناحية الأمنية، من حيث ترك العديد من الأدلة، وفشل القوة الاستخباراتية والإنحلال الأخلاقي الدبلوماسي.  في الحقيقة تعتبر حادثة خاشقجي في هذا الإطار عملية شرطية سيئة .

  • السر الوحيد الذي فاجأ البهائم , هو أن خطيبة وزوجة المستقبل للمغدور الشهيد خاشقجي هي تركية و موجودة بتركيا . وربما كان القتلة يظنون أن السيدة أمريكية أو انجليزية . يقومون بعملهم المذموم ..ويضعون تركيا في قفص الاتهام..وبهذا يحققون هدفهم الاجرامي الدنيء ويتركون تركيا في مواجهة صارخة مع أصدقائها التقليديين والمجتمع الدولي . فعلى كل أحرار العالم أن يتصوروا تركيا في قفص الاتهام و ماذا كان سيكون رد فعل كل طغاة العالم المعاصر..وللقصة بقية…

Comments are closed.