الجنرال معصوم مرزوق:ديجول مصر المنتظر لتأسيس الدولة الحديثة

مصطفي البكري “من باريس” 

السفير معصوم مرزوق؛ والجنرال شارل ديجول : تشابه شخصيات فى عصور مختلفة، و لحظات خطيرة في التاريخ..

من هو الجنرال ديجول؟ وماذا فعل لتحرير  فرنسا من النازية؟ وماذا فعل لكي تنهض فرنسا فى جميع المجالات، حتى تصبح دولة عظمي ؟

الجنرال شارل ديجول، هو الزعيم السياسي، و الأب الروحي للجمهورية الفرنسية الخامسة، مؤسس فرنسا الحديثة ومنقذها من النازية، الذي كرس حياته للدفاع عن بلاده والتقدم بها.

ولد شارل ديجول في الثاني والعشرين من نوفبر عام 1890، بمدينة ليل بشمال فرنسا، ونشأ في عائلة كاثوليكية محافظة، بدأ دراسته في المدرسة اليسوعية في باريس، ثم التحق بمدرسة “سان سلاس” العسكرية 1909، ليدخل بعدها  كلية “سان سير” العسكرية، وفي عام 1912 تخرج من سلاح المشاة برتبة ملازم.

بدأت مشاركة الجنرال شارل في الحياة السياسة خلال الحرب العالمية الأولى، حيث وقع في الأسر أثناء الحرب وتم اعتقاله لمدة عامين ونصف، إلى أن تم الإفراج عنه في عام 1918 بعد عقد الهدنة، فعاد إلى وطنه وعمل كمدرس في مدرسة سان سير العسكرية التي تخرج منها.

وفي عام 1925، تم تعيينه نائباً لرئيس المجلس الأعلى للحرب على يد رئيس أركان الجيش الفرنسي المارشال فيليب بيتان، الذي أصبح عدوه الأوحد خلال الحرب العالمية الثانية بعد تحالفه مع الألمان. انعقدت الحرب العالمية الثانية وتم تكليف ديغول بصد الهجوم الألماني عن باريس، لكنه لم يستطع (لأسباب عده..)، فسافر إلى بريطانيا ليعلن انضمام فرنسا للحلفاء في مواجهة النازية، وهناك أسس ديجول “حكومة فرنسا الحرة”، لمواجهة بيتان الذي أخضع فرنسا للاحتلال النازي، ليصبح لفرنسا حكومتان؛ الأولى بقيادة ديغول ومقرها لندن، والثانية بقيادة المارشال بيتان ومقرها مدينة فيشي الفرنسية.

ومن لندن وجه ديجول نداءه الشهير إلى الشعب الفرنسي قائلاً: “أيها الفرنسيون! لقد خسرنا معركة، ولكننا لم نخسر الحرب، وسوف نناضل حتى نحرر بلدنا الحبيب من نير الاحتلال الجاثم على صدره.”، ليكسب الشعب الفرنسي الرافض للاحتلال النازي إلى صفه. وبالفعل انتصر ديغول وحرر بلاده من النازية بمساعدة الحلفاء، وعاد إلى بلاده بطلاً متوجاً، استقبله الشعب الفرنسي بالورود والأغاني الوطنية.

لم يكن شارل ديجول بارعاً في إدارة الأمور السياسية فقط، فبراعته طالت الأمور الاقتصادية والاجتماعية أيضاً، لذلك يعتبره الفرنسيون رمزاً وبطلاً يحتذى به، وهذا يتضح بشكل كبير في كم الميادين والشوارع والمطارات وحتى محطات القطار والمتاحف التي سميت باسمه، تكريماً له واعتزازاً به. كل هذا لم يأت من فراغ، بل لما لمسوه من تطور ورخاء اقتصادي، وأيضاً تقدير لإرادتهم وكرامتهم، فقد كانت سياسة ديغول الخارجية والداخلية ذات هداف أوحد، وهو أن تبقى إرادة الشعب الفرنسي فوق أي اعتبار..ترك ديجول بصمات واضحة في اقتصاد فرنسا، وساهم في نهضتها بشكل كبير، لذلك لقب بمؤسس فرنسا الحديثة، وكان من أبرز هذه الإنجازات على الصعيد الاقتصادي:

١- أنه قام بتأميم المصارف وشركات التأمين والكثير من المؤسسات الصناعية، خاصة التي تعاون أصحابها مع الاحتلال الألماني.

٢- قام بتخفيض قيمة الفرنك وقدم فرنكاً جديداً يساوي 100 من الفرنك القديم.

٣- ركز على إصلاح الزراعة ونهض بها، وقام بسن قوانين جديدة لتسهيل استصلاح الأراضي وبناء المدن الجديدة.

٤- وجه تركيزه على العلم، حيث اهتم بتطوير البحث العلمي، وقام بإنشاء عدة مراكز تدعم حركة التنمية العملية، من أبرزها المركز الوطني للدراسات الفضائية، ومركز التخطيط والتنمية، وغيرها من المراكز. كما اهتم أيضاً بالصناعات النووية، وتطلع إلى دخول فرنسا عالم الفضاء بوكالات خاصة بها، أسوة ببريطانيا وأمريكا.

٥- ومن أهم ما قام به على الإطلاق، توفير مراكز للتدريب المهني في كافة المجالات، وتشغيل الأيدي العاملة في كل النواحي، الأمر الذي ساهم في حدوث نهضة حقيقية في بلد بنيته التحتية مدمرة تماماً بعد سنوات الحرب.

لذلك يؤكد معظم المؤرخين الفرنسيين أن فترة حكم شارل ديجول شهدت نمواً وازدهاراً لم يسبق لهما مثيل، وتطورت البنية التحتية التي كانت مدمرة تماماً، وطال الازدهار القطاع الزراعي والصناعي، والمصارف وشركات التأمين والشركات الرائدة في المجالات النووية والفضائية، وغيرها الكثير. تحولت فرنسا في ثلاثين عاماً من دولة شبه مدمرة إلى دولة حديثة لها مكانتها القوية بين دول العالم.

ومع تصاعد الاحتجاجات الطلابية، وتصاعد مظاهرات العمال والموظفين فى أواخر الستينات فى فرنسا، واجهة سلطة ديجول مأزقاً حقيقياً، حتى أن الجنرال قام بحلّ البرلمان، وبدأ أنصـاره في النزول إلى الشوارع لمواجهة المعارضين، إلى أن صار الامر ينذر باقتتال أهلي حقيقي بين فئات الشعب الفرنسي.

وقتئذ أعلن ديجول عن طرح استفتاء عام على الشعب الفرنسي، يرتبط بمجموعة من الإصلاحات التي يتعهد بها في حين الإبقاء عليه، وهذا الاستفتاء هو الذي يحدد مصيره بالاستمرار او الاستقالة، فجاءت نتائج الاستفتاء برحيـل ( تشارل ديجول ) بنسبة طفيفة، فتنازل الجنرال عن السلطة عقب الاستفتاء في أبريل نيسان 1969، وانسحب تماماً من الحياة السياسية، وتفرّغ لكتابة مذكـراته الى وفاته سنة 1970.

وأخيراً كان استفتاء الرحيل الذي دعا إليه ديجول واحداً من اهم علامات حكمه وأبرزها وأكثرها تنظيماً، والتي ما زالت تُطرح كحلول مبدئية لأي بلد يواجه مأزقاً عميقاً بين الحاكم والشعب، بدا كأنه حتى في رحيله قد ترك بصمة تاريخية!

لكن لا شك أن ديجول  كان دبلوماسياً وذكياً بما يكفي، فقد نجح في البقاء في الحكم في فترة مضطربة في تاريخ فرنسا، كما حرر بلاده من النازية وبدا لشعبه الحاكم البطل ذو العصا السحرية الذي أحال الواقع المرير إلى حلم جميل، ولهذا لقب بالأب الروحي للجمهورية الفرنسية الخامسة.

وبالرغم من مرور أكثر من أربعين عاماً على وفاته، لا يزال شارل ديجول يحظى بتقدير واحترام بالغين في دول العالم أجمع بما فيها الدول العربية، حيث يدين له البعض بلعب دور مهم في الانسحاب من الجزائر، ويدين آخرون بدعمه للقضية الفلسطينية في الأمم المتحدة، فضلاً عن بصماته الواضحة في بناء فرنسا الحديثة.

وهنا نصل للتحدث عن معصوم مرزوق،

السفير معصوم مرزوق، كان طالباً بكلية الهندسة ، ثم ترك دراسته من أجل الالتحاق بالكلية الحربية، لنيل شرف الخدمة العسكرية فى مرحلة من أصعب وأهم وأنبل المراحل وأدقها فى تاريخ العسكرية المصرية وتاريخ المنطقة العربية.. كانت الأحلام تتخطى تحرير سيناء إلى تحرير القدس.. لم يكن حلم العبور يقتصر على عبور القناة.. كان الإصرار على عبور الهزيمة والانكسار والأساطير الزائفة عن العدو الذى لا يقهر.. عبور الألم والوجع.

ورغم انكسار الحلم وإجهاضه باتفاق سلام (أو استسلام)حجم مصر كثيرا وألجمها فيما يخص تعمير سيناء، وفيما يتعلق بدورها الإقليمى وواجبها القدرى نحو القضايا العربية، برغم ذلك كله ظلت روح المقاتل داخله كدبلوماسى وجد فى عمله بالخارجية ميدانا آخر يقاتل فيه من أجل الوطن..

فحقق نجاحات عديدة منها نجاحه فى تعديل اتفاقية استرداد الآثار المصرية فى الخارج من خلال مؤتمر عقد بروما، بأن ألغى “عدم الأثر الرجعى للاتفاقية، فقد كان يحلم أن تكون تلك الخطوة الوسيلة لإعادة مئات القطع من متاحف العالم وعشرات المسلات الفرعونية من روما.

ثم شاء له القدر أن يقاتل مجددا من أجل سيناء، لكن هذه المرة فى ساحات القضاء.. وبدلا من السلاح حمل آلاف الوثائق والخرائط والموسوعات، واستحضر روح المحارب القديم وأرواح الشهداء الذين ماتوا بجواره أو دفنهم بيديه.. زملاء الخندق والمعركة والهدف والحلم الذين عاهدوا الله على النصر أو الشهادة، ليقولها فى حرم القضاء عالية مدوية  “تيران وصنافير مصرية “، مدافعاً عنهما كمحامي..

السفير معصوم مرزوق، عسكرى سابق شارك فى حرب 1973، وحصل على نوط الشجاعة من الطبقة الأولى. عمل فى السلك الدبلوماسى لما يزيد على ثلاثين عاما، ووصل إلى منصب مساعد وزير الخارجية. عمل كدبلوماسى فى الإكوادور ونيويورك والأردن، وكان سفيرا لمصر فى أوغندا وفنلندا وأستونيا. حصل على ليسانس الحقوق ودبلومة فى الدراسات الإسلامية. وتولى رئاسة مجلس إدارة النادى الدبلوماسى المصرى 2007.

كان أحد الذين شاركوا فى تأسيس جبهة الإنقاذ إبان حكم الرئيس المعزول محمد مرسى، وكان المتحدث باسم حملة حمدين صباحى المرشح للرئاسة 2014. كما شارك فى تأسيس حزب التيار الشعبى. وقد تم اعتقاله يوم ٢٣ اغسطس، على خلفية توجيهه لنداء للشعب والدولة المصرية لتنظيم استفتاء على بقاء السيسي من عدمه فى الحكم، من اجل انقاذ مصر.

ومنذ هذة اللحظة وحتى يومنا هذا، يهان بطل حرب اكتوبر بسجون السيسي لانه دافع عن حق الشعب فى حياة كريمة وعادلة، ولانه دافع أيضاً عن الأرض (الجزر المصرية التى تنازل عنها السيسي للعدو).

المحارب يظل دائما محاربا. هكذا هو قدره. تظل جيناته معجونة بسمة المقاتل الذى يصر على أن يتابع مسيرة النضال حتى الرمق الأخير.. هكذا نراه وهكذا يراه الاوربيون، يتشبه بالجنرال ديجول منقذ فرنسا وأوروبا وصانع الدولة الفرنسية الحديثة…

السفير معصوم مرزوق، رجل عسكرياً وفياً قوياً قادراً على اعادة )هيكلة الجيش وتقويته، دبلوماسياً رفيعاً لمخاطبة العالم، سياسياً محنكاً  لإرساء مفهوم الديمقراطية، ولدعم التعددية الحزبية و لإنقاذ الوطن وثرواته… وأخيراً لتحقيق أهداف ثورة يناير المجيدة (عيش، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة إنسانية و استقلال وطني)

ولذلك نوجه نداء للشعب المصري العظيم ولجيشه مع حلول الذكرى الثامنة لثورة يناير المجيدة :لقد خسرنا معركة، ولكننا لم نخسر الحرب، وسوف نناضل حتى نحرر بلدنا الحبيب من الاحتلال الجاثم على صدره.