هل يتمكن  الأردن من الخروج من عباءته التقليدية نحو تحالفات جديدة ؟

حول الازمة الاقتصادية والتهميش للدور السياسى للاردن  فى النظام الاقليمى للشرق الاوسط ، استعرضت وكالة الاناضول التركية  سبل الخروج امام الاردن من تحالفاته القديمة لحل الازمة التى تعتصره الان اقتصاديا وسياسيا. خلال السنوات الماضية، حافظ الأردن على تمسكه بتحالفاته التقليدية، المتمثلة بالولايات المتحدة الأمريكية كداعم أول للمملكة، إضافة إلى دول الخليج العربي .

وفي فبراير الماضي، وقع الأردن والولايات المتحدة مذكرة تفاهم حول الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، تقدم واشنطن بموجبها مليارا و275 مليون دولار أمريكي مساعدات سنوية لعمان على مدار 5 سنوات، بقيمة إجمالية تصل إلى ستة مليارات و375 مليون دولار .كما أعلنت دول الخليج خلال اجتماعها في “قمة مكة” عقب احتجاجات شهدها الأردن في مايو الماضي، تقديم حزمة مساعدات اقتصادية لعمان يصل إجمالي مبالغها إلى 2.5 مليار دولار.

ومن جانبها ، أعلنت قطر هي الأخرى، منفردةً في يونيو الماضي تقديمها حزمة استثمارات في الأردن بقيمة 500 مليون دولار، وتوفير 10 آلاف فرصة عمل للشباب الأردني بالدوحة . إلا أن تلك المساعدات مجتمعةً لم تمكّن الأردن من تفادي أزمة اقتصادية خانقة تشهدها البلاد، فاقمتها أحداث المنطقة، وما نجم عنها من أثر واضح على اقتصاد المملكة.

ويعد الأردن من أكثر الدول تأثرًا بما تشهده سوريا، حيث يستضيف على أرضه نحو 1.3 مليون سوري، قرابة نصفهم يحملون صفة “لاجئ”، فيما دخل الباقون قبل الثورة السورية بحكم النسب والمصاهرة والمتاجرة. ولمواجهة التازم الاقتصادى أصدرت الحكومات الأردنية العديد من القرارات الاقتصادية التي أثارت ردود فعل واسعة في البلاد، تمثلت باحتجاجات شعبية، رافقت إصدار قانون ضريبة الدخل المعدّل. ولم تأت تلك القرارات جزافا، وإنما جاءت لسد العجز في موازنات الدولة المتتالية، وبلغ عجز الموازنة لعام 2019 نحو 910 مليون دولار، وفق ما أعلنته الحكومة . واعتبر الأردنيون في فعالياتهم الاحتجاجية التي شهدتها البلاد خلال العام 2018، أن القرارات الحكومية تطال جيوبهم بشكل مباشر، ما دفعهم لإعلاء شعار “تغيير النهج” في مطالبهم .

البحث عن حلفاء جدد

وسط تلك المطالبات، بدأت الحكومة الأردنية توسّع نطاق علاقاتها الدولية؛ في محاولة على ما يبدو للبحث عن حلفاء جدد، يساعدونها في الخروج من مأزق اقتصادي، طال أمده . من أنقرة إلى بغداد، جاءت تلك الانطلاقة، بزيارة عمل رسمية قام بها رئيس الوزراء الأردني عمر الرزاز، إلى تركيا في 26 ديسمبر، كان النهوض بالعلاقات الاقتصادية على سلم أولوياتها .

وكان الأردن قرر في مارس الماضي، وقف العمل باتفاقية التجارة الحرة مع تركيا؛ لـ “عدم جدواها الاقتصادية”، وهو القرار الذي لاقى ردود فعل كبيرة بالنسبة للقطاع التجاري، الذي اعتبره “خاطئا” في ظل إغلاق البوابات الرئيسية أمام منتجاته عبر سوريا والعراق، اللتين تشهدان ترديا في الأوضاع الأمنية .

تدرك عمان تمام الإدراك أن تركيا من أهم دول الإقليم على المستوى الاقتصادي، لكنها كانت تتوقع فائدة أكبر من اتفاقية التجارة بينهما، ما دفع لقرار إلغائها، فيما يقول خبراء إن دولا خليجية كانت وراء إلغاء الاتفاقية . تنسيق أردني تركي عالي المستوى على مختلف الأصعدة بين البلدين، شهده عام 2018، خاصة فيما يتعلق بأزمات المنطقة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والأزمة السورية . بل تعدى ذلك لمساهمة تركية في دعم المملكة بمحاربتها لقضايا الفساد، عندما سلّمت أنقرة المتهم الرئيس في القضية المعروفة إعلاميا بـ “مصنع السجائر”، عوني مطيع، في 18 ديسمبر .لقد أيقن الأردن بأن تركيا حليف استراتيجي ومهم في المنطقة، ومن هنا جاءت زيارة الرزاز، كأول زيارة خارجية له منذ توليه مهام عمله في يونيو الماضي.

أعقبت زيارة الرزاز لتركيا، إعلان وزير خارجيته أيمن الصفدي، عن اتفاق البلدين على إطار للتبادل التجاري كبديل عن الاتفاقية الملغاة، وهو ما فسره مراقبون بحرص كلا البلدين على ديمومة العلاقة بينهما، والرقي بها إلى مستويات متقدمة . أما العراق البلد الغني بالنفط والبوابة التجارية المهمة للأردن، فكان الوجهة الثانية لـ”الرزاز”، حيث قام بزيارة بغداد على رأس وفد وزاري كبير في 28 ديسمبرالماضى .

وكان الأردن قد فقد منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 أهم الأسواق التجارية له، فضلا عن كميات النفط الكبيرة التي كان يحصل عليها بأسعار تفضيلية ، وبعد أن بدأت بغداد باستعادة عافيتها، أعادت المملكة جارتها الشرقية إلى دائرة الاهتمام. ولم يكن العراق أقل حرصا من الأردن على إعادة العلاقات مع عمان إلى ذروتها، فقد بادر الرئيس العراقي برهم صالح، بإجراء أول زيارة له إلى عمان في نوفمبرالماضي، تبعها زيارة أخرى لنائب رئيس الوزراء وزير المالية العراقي فؤاد حسين، في 19 ديسمبر .

التفكير داخليا أولا

بدري الماضي، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأردنية ، يرى أن “الاحتجاجات في الأردن يفترض أنها ستدفع باتجاه التفكير داخليا قبل البحث عن تحالفات دولية جديدة أو قديمة” . ويقول “الماضي” في حديثه للأناضول: “على الحكومة الأردنية أن تعيد تقييمها للأمور استراتيجيا في منطقة الشرق الأوسط، وإن ما يجري يستدعي التفكير بعمق في ضرورة الاعتماد على المشروع الداخلي” ، ويستدرك “إن المساعدات والهبات أصبح من الصعوبة بمكان الاعتماد عليها؛ بسبب تغير الظروف الداخلية للدول المانحة” .

ويعتبر “أن دور الوساطة الذي كان يلعبه الأردن سابقا لم يعد يحظى باهتمامات دول الجوار؛ كونها تستطيع أن تمرر رسائلها دون وساطة الأردن الذي لعب هذا الدور باحتراف” . ويشدد الخبير السياسي أنه “على الأردن الالتفات للمشروع الوطني، ومن ثم البحث عن علاقات اقتصادية جديدة دون التخلي عن تحالفاته القديمة، مما يتيح الفرصة له للتحرك بمرونة أكثر” .ويوضح: “يبدو أن مؤشرات التنويع بدأت تظهر، بحيث أن هناك توجهات جادة لإعادة التفاوض مع تركيا حول العلاقات التجارية بين البلدين، كما أن هناك تحركات جادة تجاه علاقات اقتصادية مميزة مع العراق” .

محددات تحكم التحالفات

الخبير الاقتصادي مازن مرجي، يؤكد للأناضول “أن الأردن محكوم بتحالفاته الخارجية بمجموعة من المحددات الأساسية التي تحكمه سياسيا واقتصاديا” . ويلفت مرجي إلى أن “القضية الفلسطينية تتربع على رأس تلك المحددات والارتباط المباشر بها لكل الأسباب المعروفة تاريخيا” ، ويضيف: “الأردن محكوم لمحدد ثاني يتمثل بقدراته الاقتصادية وقدرته على التقدم والانجاز الاقتصادي، ضمن المعطيات المتوفرة، ونمط الفكر الاقتصادي الذي يحكم الاقتصاد الأردني” .

ويشير “أن المحور الإقليمي وعلاقته وتداخله مع الجوار القريب والبعيد من حيث اعتماد الأردن عليه تجاريا واقتصاديا وبشريا، ومن ثم ما يحدث في هذه الدول من حروب وازدهار وتراجع وأي تغيّرات، تؤثر على المملكة سلبا وإيجابا” .أما المحدد الرابع وفق مرجي، فهو “اعتماد الأردن بنسبة عالية لا تقل عن 30% على موارد خارجية لدعم موازنته واقتصاده، من خلال المساعدات والمنح الخارجية” .

ويعتبر مرجي أن “العراق من الشركاء الأساسيين للأردن، باعتباره سوقا قريبا وعمقا استراتيجيا اقتصاديا له، وهو تقليديا من أهم أسواقه”، مضيفا “ولكننا خسرناه بعد الحرب هناك” .وعن العلاقات مع تركيا، يبيّن الخبير الاقتصادي أنه “يدخل بها عنصر التجاذب، وعلاقتنا بها كانت دائما جيدة بشكل عام، وكثير من مستورداتنا تأتي من هناك” .

ويتابع: “ما حدث من إلغاء اتفاقية التجارة مع تركيا كان بنظري خطئا، لأن الاتفاقيات عندما تعقد يجب أن تحترم، لأنه من المفترض أن تكون مبنية على مصالح مشتركة للطرفين”.ويؤكد مرجي أن “إلغاء الاتفاقية لم يأت لأسباب فنية، وإنما تجاوز ذلك”، مضيفًا: “أعتقد أن ذلك كان بضغوطات مباشرة من السعودية” . وقرر الأردن، في مارس الماضي، إيقاف العمل باتفاقية منطقة التجارة الحرة مع تركيا، في خطوة أرجعها آنذاك إلى ما قال إنه عدم تحقيق النتائج المرجوة من الاتفاقية .وجرى توقيع اتفاقية التجارة الحرة بين الأردن وتركيا، في ديسمبر 2009، وبدأ العمل بها في مارس 2011، فيما دخل إلغاء الاتفاقية حيز التنفيذ في نوفمبر الماضي.

ويقول مرجي: “تركيا من الدول الإقليمية الكبرى ذات تأثير سياسي واقتصادي وعسكري.. الأردن له دور وظيفي في المنطقة ويستطيع أن يقوي هذا الدور من خلال حفاظه عليه خاصة فيما يتعلق بموضوع القضية الفلسطينية” . واستطرد “علاقتنا مع تركيا مبنية على المصالح الإقليمية، وأنقرة من أبرز الداعمين في هذا الجانب” ، ومع ذلك، يلفت مرجي إلى أن “الأردن لا يستطيع أن يقرر أن يكون حليفاً لتركيا، بالشكل المتعارف عليه”، إلا أنه وصف العلاقة على المستوى الاقتصادي والسياسي والصداقة بـ “المميزة” .وفي ذات السياق، تساءل الخبير الأردني: “ماذا تقدم تركيا للأردن كي تجذبها لها حتى تكون حليفا استراتيجيا قويا ومقربا؟” .

الخروج من العباءة الأمريكية

فيما يلفت الخبير الاقتصادي معن القطامين، إلى أن “الأردن يجب أن يسعى لتمتين علاقاته مع أي دولة في الجوار” .ويضرب القطامين مثالًا على ذلك سوريا، مُبينا بأن “اقتصادنا قبل الربيع العربي (عام 2011) كان مرتبطا بسوريا باعتبارها سوقا تقليديا للصادرات الأردنية” .

وفي 15 أكتوبر الماضي، أعاد الأردن وسوريا فتح المعبر الحدودي بينهما، بعد إغلاق دام 3 أعوام .وينوّه القطامين بأن “الأردن لا يحاول الخروج من تحالفاته التقليدية”، معتبرا أن “إعادة فتح الأردن سوق العراق وسوريا والتطور الكبير في العلاقة مع تركيا، لا يعني أن عمان ستخرج من العباءة الأمريكية” .وعلى مستوى علاقات الدول الخليجية يبلاده، وصفها القطامين بـ”الفاترة”، إلا أنه يؤكد أنها “لا تزال جيدة خاصة مع السعودية”.ويشير أن “المعونات التي تحصل عليها الأردن تراجعت من الجميع، والخيار التركي والعراقي والسوري ممتاز جدا، وهو نوع من التنويع وليس التخلي عن العلاقات التقليدية” .